أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة خريطة عالمية جديدة تسعى إلى تقديم صورة أكثر دقة للأحجام النسبية للقارات، في خطوة جاءت تتويجًا لحملة قادتها دول أفريقية ومنظمات حقوقية، لمواجهة ما تعتبره تحريفات جغرافية كرّستها خرائط تقليدية على مدى قرون.
وحظي القرار، الذي رعته توغو وحظي بدعم كامل من الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي، بتأييد واسع بلغ 164 صوتًا، في مؤشر على وجود إجماع دولي كبير بشأن الحاجة إلى إعادة النظر في الطريقة التي تُعرض بها القارات بصريًا، بحسب صحيفة نيويورك بوست.
- «تهجير الغزيين».. رد حاسم من سفير أمريكا بإسرائيل وإدانة للمستوطنين
لكن التصويت لم يخلُ من مفارقة سياسية لافتة؛ إذ كانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي صوتت ضد القرار، في حين امتنعت 6 دول عن التصويت، هي صربيا وإستونيا وجورجيا وليتوانيا ومولدوفا وأوكرانيا.

وأثار الموقف الأمريكي المنفرد تساؤلات حول دوافع واشنطن، في وقت قُدم فيه القرار باعتباره خطوة رمزية تتجاوز الجغرافيا إلى قضايا العدالة المعرفية والإنصاف في تمثيل العالم.
ميركاتور تحت المجهر بعد 5 قرون
ويتمحور القرار حول تشجيع الحكومات والمؤسسات على استخدام خريطة جديدة للعام بدلًا من خريطة ميركاتور التقليدية التي تعود إلى القرن السادس عشر.
ولا تقوم الفكرة على اعتبار ميركاتور خريطة «خاطئة» بصورة مطلقة، وإنما على الاعتراف بأن الإسقاطات الخرائطية المختلفة تنتج صورًا متفاوتة لأحجام القارات بسبب صعوبة تمثيل سطح الأرض الكروي على خريطة مسطحة.
وصُممت خريطة ميركاتور في الأساس لتسهيل الملاحة البحرية، إلا أن استخدامها الواسع في التعليم والإعلام جعل التشوهات الناتجة عنها جزءًا راسخًا من الصورة الذهنية للعالم.
ففي هذه الخريطة، تبدو غرينلاند قريبة في الحجم من أفريقيا، في حين تبلغ مساحة أفريقيا في الواقع نحو 14 ضعف مساحة غرينلاند.
كما يؤدي الإسقاط إلى تضخيم المناطق الواقعة بالقرب من القطبين، بما يشمل أجزاء واسعة من أوروبا وأمريكا الشمالية، في حين تبدو أفريقيا وأمريكا الجنوبية أصغر من حجمهما الحقيقي.
وترى الجهات الداعمة للقرار أن استمرار انتشار هذه الصورة لأجيال طويلة لم يكن مجرد مسألة تقنية، بل أسهم في تشكيل تصورات جماعية غير دقيقة عن الوزن الجغرافي للقارات.
رغم ذلك، أوضحت الأمم المتحدة أن القرار لا يحظر استخدام خريطة ميركاتور ولا يفرض إسقاطًا بديلًا بصورة إلزامية، بل يشجع المؤسسات التعليمية والإعلامية والرقمية على اعتماد خرائط أكثر دقة في تمثيل المساحات، مع ترك حرية الاختيار للحكومات والهيئات وفق احتياجاتها.
خريطة تحمل رسالة سياسية وثقافية
يتجاوز الجدل حول الخريطة حدود علم رسم الخرائط إلى أبعاد ثقافية وسياسية، وهو ما عكسه موقف وزير خارجية توغو، روبرت دوسي، الذي شدد قبل التصويت على أن «الخرائط تُشكّل فهمنا للعالم، وتُوجّه التعليم، وتُنمّي الخيال، وتؤثر في التصورات الجماعية». ويعكس هذا الطرح رؤية تعتبر الخرائط أدوات لتشكيل الوعي، وليس مجرد وسائل تقنية لتحديد المواقع والمسافات.
ويمنح هذا الجدل الخريطة وظيفة تتجاوز دقة القياسات الجغرافية إلى إعادة التفكير في الصور التي تشكلت لدى الأجيال عن العالم.
ويشير الجغرافي مارك مونمونير من جامعة سيراكيوز إلى أن خريطة ميركاتور تظل مفيدة في نطاقها الأصلي المرتبط بالملاحة البحرية، لكنه يرى أن استخدامها خارج هذا السياق يفتقر إلى الجدوى.
وبينما لا يتوقع أن تختفي ميركاتور من الخرائط العالمية، فإن القرار الأممي يفتح نقاشًا أوسع حول مسؤولية المؤسسات التعليمية والإعلامية والمنصات الرقمية في تقديم صورة أكثر توازنًا ودقة للقارات، بحيث لا تتحول أداة صُممت لخدمة غرض ملاحي محدد قبل نحو خمسة قرون إلى معيار بصري ثابت لقياس مكانة القارات في الوعي العالمي.

