اجتماع لجنة «4+4» الليبية.. «تسوية مؤجلة» وخطوة حاسمة في أغسطس (خاص)

مسار التسوية السياسية في ليبيا يعود لمربع الانتظار بعدما انتهى الاجتماع السادس للجنة المصغرة “4+4” في تونس دون توقيع الاتفاق النهائي.

وكان ينتظر أن يشكل هذا الاتفاق أول إنجاز عملي في تنفيذ خارطة الطريق التي ترعاها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.

وبدلاً من إعلان الاتفاق، قررت اللجنة استكمال اجتماعاتها خلال الأسبوع الأول من أغسطس/آب المقبل بالتزامن مع اعتماد آلية جديدة لاختيار رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات بعد تعذر تنفيذ الآلية السابقة.

تطور يعكس استمرار التعقيدات التي تواجه الملف الانتخابي رغم التقدم الذي تحقق في معظم بنود الاتفاق المتعلقة بالإطار القانوني للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وفق مراقبين.

ويعيد هذا التأجيل، طرح تساؤلات حول قدرة المسار الأممي على تجاوز آخر العقبات السياسية وما إذا كانت لجنة “4+4” ستنجح في إنهاء مهمتها خلال الجولة المقبلة أم أن خارطة الطريق ستواجه بدورها مسلسل التأجيل الذي رافق معظم المبادرات السابقة.

اجتماع حاسم انتهى بالتأجيل

وأعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في بيان عقب الاجتماع السادس الذي استضافته تونس الثلاثاء، أن أعضاء اللجنة اعتمدوا آلية جديدة للتوصل إلى مرشح توافقي لرئاسة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات بعد تعثر تنفيذ الآلية التي سبق الاتفاق عليها.

وأوضحت البعثة أن اللجنة واصلت صياغة بنود الاتفاق النهائي استناداً إلى التفاهمات التي تم التوصل إليها خلال الاجتماعات السابقة بشأن الإطار القانوني المنظم للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، مشيرة إلى أن معظم البنود أصبحت مدرجة بالفعل ضمن مسودة الاتفاق على أن تستأنف الاجتماعات خلال الأسبوع الأول من أغسطس لاستكمال النقاط المتبقية.

وبذلك انتهى الاجتماع السادس دون توقيع الاتفاق النهائي بعدما كان ينظر إليه باعتباره المحطة الأخيرة لإنجاز المرحلة الأولى من خارطة الطريق الأممية.

لماذا تعثر الاتفاق؟

وجاء الاجتماع السادس بعد خمس جولات تفاوضية بدأت في العاصمة الإيطالية روما أواخر أبريل/نيسان الماضي قبل انتقالها إلى تونس برعاية الأمم المتحدة، حيث تمكنت اللجنة تدريجياً من تجاوز عدد من الملفات التي ظلت محل خلاف لسنوات.

إذ توصلت اللجنة خلال تلك الاجتماعات إلى تفاهمات بشأن إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ثم الاتفاق على قانون الانتخابات البرلمانية يليه قانون الانتخابات الرئاسية قبل تشكيل فريق متخصص لصياغة الاتفاق النهائي.

غير أن الملف الأكثر حساسية ظل مرتبطاً بطريقة اختيار رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات إذ تعذر تنفيذ الآلية السابقة التي كانت تقضي بإسناد مهمة الترشيح إلى النائب العام، بعدما برزت إشكالات قانونية تتعلق بعدم وجود سند يمنحه هذه الصلاحية الأمر، الذي دفع اللجنة إلى تعديل الآلية وتأجيل توقيع الاتفاق.

ويرى مراقبون أن التأجيل يضع اتفاق لجنة “4+4” أمام اختبار جديد خلال اجتماعها المرتقب في أغسطس، إذ لم يعد المطلوب فقط استكمال الصياغة القانونية للاتفاق، بل إثبات قدرة الأطراف الليبية على ترجمة التفاهمات التي تحققت خلال الأشهر الماضية، إلى اتفاق نهائي يفتح الباب أمام تنفيذ خارطة الطريق الأممية.

اجتماع لجنة «4+4» الليبية.. «تسوية مؤجلة» وخطوة حاسمة في أغسطس (خاص) - صورة 1

ضغط اقتصادي 

بدوره، يرى المحلل السياسي الليبي وعضو الحوار المهيكل، صابر المبروك، أن استمرار تعثر المسار السياسي يأتي في وقت تعيش فيه ليبيا أزمة اقتصادية وخدمية متفاقمة تتمثل في الانقطاعات الطويلة للكهرباء وتراجع القدرة الشرائية للدينار الليبي وارتفاع سعر الدولار وتدهور مستوى الخدمات العامة.

ويقول المبروك في حديث لـ”العين الإخبارية”، إن هذه الأوضاع تعزز الحاجة إلى الوصول إلى انتخابات تفضي إلى سلطة منتخبة قادرة على معالجة الأزمات، إلا أن الصراع الداخلي لا يزال- بحسب تقديره- انعكاساً للتنافس الدولي على الساحة الليبية في ظل أدوار مؤثرة لعدد من القوى الخارجية، بينما يظل الوصول إلى توافق سياسي رهناً بتوازنات تتجاوز الداخل الليبي.

ويعتبر المبروك أن لجنة “4+4” والتعديلات الدستورية المرتقبة “قد تشكل منفذاً لإعادة إطلاق العملية الانتخابية إذا نجحت في تجاوز العقبات المتبقية لكنها تتحرك في سباق مع مبادرات سياسية أخرى لا تزال تواجه بدورها عراقيل مرتبطة بالخلافات حول شكل السلطة التنفيذية المقبلة وآلية تشكيلها”.

ويضيف المبروك أن اللجنة جاءت بعد تعثر الحوار السياسي الموسع الذي رعته الأمم المتحدة وضم أكثر من 120 شخصية من مختلف المكونات السياسية والاجتماعية؛ الأمر الذي دفع البعثة إلى اللجوء إلى لجنة مصغرة تمثل القوى الأكثر تأثيراً على الأرض.

ويوضح المبروك أن اللجنة ركزت على ملفين رئيسيين هما إعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والقوانين المنظمة للاستحقاقات الانتخابية، مؤكداً أن معظم الخلافات القانونية جرى تجاوزها فيما بقيت آلية اختيار رئيس المفوضية العقدة الأساسية.

ويرى المبروك أن اللجنة رغم الانتقادات التي وُجهت إليها بشأن طبيعة تشكيلها، نجحت في تحقيق تقدم مهم على صعيد تقريب وجهات النظر وصياغة تفاهمات حول الملفات الانتخابية، معتبراً أن استكمال الاتفاق خلال الاجتماع المقبل سيحدد مستقبل خارطة الطريق الأممية.

أزمة ثقة أم إدارة للأزمة؟

في المقابل، يقدم المحلل السياسي الليبي خالد الشارف قراءة أكثر تشاؤما، معتبراً أن ما حدث لا يمثل تقدماً في العملية السياسية بل يعكس استمرار سياسة إدارة الأزمة وتأجيل حسمها.

ويقول الشارف في حديث لـ”العين الإخبارية”، إن تغيير آلية اختيار رئيس المفوضية بعد الاتفاق عليها سابقاً لا يعد مؤشراً إيجابياً بل يكشف بوضوح عن فشل الأطراف في الحفاظ على توافقاتها ويعبر عن استمرار أزمة الثقة بينها حتى في ما يتعلق بالمؤسسات القضائية التي كان يُفترض أن تؤدي دوراً محايداً.

ويرى الشارف، أن تأجيل استكمال الاتفاق إلى أغسطس يأتي امتداداً لسلسلة طويلة من التأجيلات التي رافقت الملف الانتخابي منذ عام 2021 وأسهمت في بقاء المؤسسات الحالية دون تجديد شرعيتها عبر الانتخابات، معتبراً أن كل تأجيل جديد يرسخ الوضع القائم أكثر مما يقرب البلاد من صناديق الاقتراع.

وأضاف الشارف أن اللجنة لم تقدم حتى الآن ما يمكن اعتباره اختراقا حقيقياً، إذ إن إعادة تعديل الآليات والإجراءات في كل مرحلة يعكس من وجهة نظره استمرار الخلافات الجوهرية بين الأطراف المشاركة وليس اقترابها من التوافق النهائي.

وحذر الشارف من أن عدم الاتفاق حتى على الجهة التي تتولى اختيار رئيس المفوضية يثير تساؤلات أوسع حول مستوى الثقة بين المؤسسات الليبية، معتبراً أن المسار سيظل معرضاً للتعثر ما لم تُحسم القضايا الأساسية بصورة نهائية بعيداً عن التأجيلات المتكررة التي صاحبت العملية السياسية خلال السنوات الماضية.

لجنة “4+4”

وتعد لجنة “4+4” إحدى الأدوات التي اعتمدتها بعثة الأمم المتحدة ضمن خارطة الطريق الجديدة التي تقودها الممثلة الخاصة للأمين العام في ليبيا هانا تيتيه، بهدف تجاوز حالة الجمود السياسي التي عطلت تنظيم الانتخابات.

وتضم اللجنة ثمانية أعضاء يمثلون أبرز المؤسسات والقوى السياسية في شرق البلاد وغربها بواقع أربعة أعضاء من المنطقة الغربية بينهم ممثلان عن حكومة الوحدة الوطنية وممثلان عن المجلس الأعلى للدولة، وأربعة أعضاء من المنطقة الشرقية بينهم ممثلان عن مجلس النواب وممثلان عن القيادة العامة للقوات المسلحة.

وأنيط باللجنة تنفيذ أول مرحلتين من خارطة الطريق؛ وهما إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والتوافق على الإطار القانوني المنظم للانتخابات الرئاسية والبرلمانية باعتبارهما المدخل الأساسي للانتقال إلى بقية مراحل العملية السياسية.

ووفقاً للتفاهمات التي أنجزتها اللجنة خلال اجتماعاتها السابقة، فإن الصياغة الجديدة للقوانين الانتخابية تضمنت معالجة عدد من أكثر الملفات إثارة للخلاف من بينها فك الارتباط بين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية ووضع معالجة قانونية لملف مزدوجي الجنسية وتنظيم شروط ترشح العسكريين على أن تُحال الصيغة النهائية لاحقاً إلى مجلس النواب لاستكمال المسار التشريعي.

ورغم تجاوز معظم هذه القضايا بقي ملف رئاسة المفوضية العقبة الأخيرة أمام استكمال الاتفاق النهائي.