مع انشغال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته بتصاعد المواجهة مع إيران، تتراجع أولوية الحرب في أوكرانيا على جدول الأعمال الأمريكي، ما يضع الاتحاد الأوروبي أمام واقع جديد: إدارة صراع طويل الأمد دون مظلة سياسية أو استراتيجية واضحة للحسم.
وبينما تتلاشى فرص التوصل إلى تسوية تفاوضية بين كييف وموسكو، تتجه الحرب نحو نمط استنزاف مفتوح، تتحمل أوروبا كلفته العسكرية والاقتصادية بشكل متزايد، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز.
- حرب أوكرانيا تخترق تخوم الناتو.. شظايا مسيّرات روسية تضرب رومانيا
وكان ترامب قد تعهد بإنهاء الحرب سريعاً، إلا أن المعطيات على الأرض لم تتغير جوهرياً. فلا روسيا قادرة على تحقيق نصر حاسم، ولا أوكرانيا تمتلك القدرة على استعادة كامل أراضيها بالقوة.
وفي غياب ضغط أمريكي مباشر على الكرملين، تبدو فرص التفاوض محدودة، ما يدفع الأوروبيين إلى تبني مقاربة تقوم على منع الانهيار الأوكراني بدلاً من السعي لتحقيق نصر واضح.
غياب الوسيط وسباق التفوق الميداني
تفتقر الحرب إلى وسيط دولي قادر على التأثير في حسابات الطرفين. فواشنطن، التي كانت تاريخياً اللاعب الأكثر نفوذاً، تبدو مترددة في الانخراط بعمق، في حين لا تحظى أي قوة أخرى بثقة كافية لدى موسكو وكييف للعب هذا الدور. ونتيجة لذلك، باتت ساحة المعركة هي المحدد الرئيسي لمسار الصراع.
ويرى محللون، أن القيادة الأوكرانية، بقيادة فولوديمير زيلينسكي، باتت أكثر قناعة بأن أي حل محتمل سيُفرض ميدانياً، إن تحقق أصلاً.
ورغم استمرار قنوات تواصل محدودة مع واشنطن، فإن المقترحات الأوكرانية لعقد مفاوضات ثلاثية تضم روسيا والولايات المتحدة لم تلقَ قبولاً من موسكو.
وفي ظل هذا الجمود، يستمر الطرفان في سباق بطيء لتحقيق مكاسب تكتيكية، دون قدرة على تغيير ميزان القوى بشكل جذري.
التزام أوروبي غير مسبوق
في مواجهة هذا الفراغ، عزز الأوروبيون دعمهم لأوكرانيا بشكل غير مسبوق. فقد وافق الاتحاد الأوروبي على حزمة تمويل ضخمة، شملت قرضاً طويل الأجل بمليارات اليوروهات، إلى جانب توسيع العقوبات على قطاع الطاقة الروسي، خصوصاً ما يتعلق بأسطول الناقلات غير الرسمي.
ويعكس هذا الدعم قناعة أوروبية، بأن إطالة أمد الصراع أقل كلفة من السماح بانتصار روسي.
ومع ذلك، يقر مسؤولون وخبراء أوروبيون بغياب استراتيجية واضحة لتحقيق النصر؛ فالدعم الحالي يهدف أساساً إلى إبقاء أوكرانيا في ساحة القتال، وليس تمكينها من حسم الحرب، بحسب صحيفة «نيويورك تايمز».
وتتمثل الرهانات الأوروبية في إضعاف روسيا تدريجياً عبر الاستنزاف الاقتصادي والعسكري، بانتظار متغيرات داخلية في موسكو، مثل أزمة اقتصادية أو تحول سياسي، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى استدامة هذا النهج.
زيلينسكي غاضب
في هذا السياق، تصاعد التوتر بين كييف وواشنطن، حيث أعرب زيلينسكي عن استيائه من مواقف أمريكية، اعتبرها متساهلة مع الكرملين، لا سيما فيما يتعلق بتخفيف القيود على صادرات الطاقة الروسية.
كما انتقد تجاهل بعض المسؤولين الأمريكيين لزيارة كييف مقابل استمرار التواصل مع موسكو، معتبراً ذلك مؤشراً على تراجع الالتزام الأمريكي.
ورداً على ذلك، اتجهت أوكرانيا إلى تنويع شراكاتها الدفاعية، عبر توسيع التعاون مع دول أوروبية وتعزيز علاقاتها مع شركاء جدد في مجالات مثل الطائرات المسيّرة والصناعات العسكرية، في محاولة لتعويض التراجع النسبي في الدعم الأمريكي، وبناء شبكة دعم أكثر استقلالية.
الدبلوماسية البائسة
في محاولة لكسر الجمود، سعى إيمانويل ماكرون إلى فتح قنوات اتصال مباشرة مع موسكو، بهدف ضمان دور أوروبي في أي تسوية مستقبلية. إلا أن هذه المبادرات قوبلت بفتور واضح من الجانب الروسي، حيث وصفها وزير الخارجية سيرغي لافروف بأنها “دبلوماسية بائسة”، في إشارة إلى رفض الكرملين لأي وساطة لا تتوافق مع شروطه.
وفي ظل غياب رؤية سياسية واضحة، يبقى المستقبل مفتوحاً على سيناريوهات متعددة، لكن القاسم المشترك بينها هو استمرار القتال؛ فبين أوروبا التي تدير الأزمة، وواشنطن المنشغلة بأولويات أخرى، وروسيا التي تراهن على الوقت، تبدو فرص السلام بعيدة، فيما تترسخ معادلة الاستنزاف كواقع جديد في قلب القارة الأوروبية.


