كشفت دراسة ميدانية صادرة عن جامعة كامبريدج، استندت إلى 57 مقابلة مع عناصر سابقين في جماعة بوكو حرام، عن “رعب تقني” بأيادي الإرهاب.
وبعد أن كان دور تقنيات الذكاء الاصطناعي مقتصراً إلى حد كبير على الدعاية والتضليل الإعلامي، باتت اليوم في صلب التخطيط للعمليات الإرهابية وتحليل الأداء، لتتحول روبوتات الدردشة التجارية، إلى “أسلحة حرب رقمية” فعلياً.
- من قلب معاقل «بوكو حرام».. الجيش النيجيري يحرر 360 رهينة في بورنو
واستندت الدراسة، بحسب صحيفة التايمز، إلى 57 مقابلة مع عناصر سابقين في الجماعة، بينهم قادة ومختصون تقنيون، لتقدم ما وصفته بأنه “أول دليل ميداني على توظيف تنظيم إرهابي نشط لأنظمة الذكاء الاصطناعي التجارية المتقدمة في دعم العمليات العسكرية”.
من الدعاية إلى التخطيط العسكري

وحسب الدراسة، نقل تنظيم “داعش” هذه الخبرات التقنية إلى فرعه في غرب أفريقيا، أحد الفصيلين الرئيسيين اللذين يشكلان جماعة بوكو حرام.
وأفاد المشاركون في المقابلات بأن مدربين وصلوا إلى معسكرات التنظيم مزودين بحواسب محمولة وأجهزة عرض، إلى جانب اشتراكات مدفوعة في منصات ذكاء اصطناعي.
وتولى هؤلاء، تدريب القيادات والمسلحين على توظيف هذه الأدوات، قبل إنشاء وحدات متخصصة ضمت عناصر ذات خلفيات تقنية، أوكلت إليها مهمة تحليل الإخفاقات الميدانية، وتشخيص الأعطال، وصياغة توصيات تُرفع مباشرة إلى القيادة، في نموذج يرجح الباحثون أنه انتقل لاحقاً إلى فروع أخرى مرتبطة بتنظيم داعش عبر شبكاته الإقليمية.
وتوضح الدراسة أن الذكاء الاصطناعي تحول داخل الجماعة، إلى مرجع لحل المشكلات الميدانية اليومية، سواء المتعلقة بالأعطال الفنية للأسلحة أو مراجعة العمليات الفاشلة أو تطوير الخطط القتالية.
وأكد أحد القادة السابقين، أن أفراد التنظيم باتوا يلجأون إلى روبوتات الدردشة للإجابة عن مختلف التساؤلات العسكرية، قائلاً: “لم يعد هناك سؤال نعجز عن إيجاد إجابة له”.
كما كشفت المقابلات عن تمكن عناصر الجماعة من التحايل على القيود الأمنية المفروضة داخل منصات الذكاء الاصطناعي التجارية، عبر تقديم طلباتهم في سياقات مضللة، مثل الادعاء بأن المعلومات المطلوبة ستستخدم في إنتاج فيلم أو عمل درامي.
وفي حال رفض أحد الأنظمة الاستجابة، كانوا ينتقلون ببساطة إلى منصة أخرى، مستفيدين من امتلاكهم اشتراكات في عدة خدمات مختلفة، وهو ما اعتبرته الدراسة مؤشراً على سهولة تجاوز الضوابط الحالية.
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل التكتيكات
ورصدت الدراسة أمثلة عملية على تأثير الذكاء الاصطناعي في تطوير التكتيكات العسكرية لبوكو حرام. فبعد أن نجحت الخنادق الدفاعية المحيطة بالقواعد العسكرية في إحباط هجمات المسلحين على متن دراجات نارية، لجأ عناصر بوكو حرام إلى روبوتات الدردشة لمحاكاة حركات القفز البهلوانية التي شاهدوها في الأفلام، بعدما زودوا الأنظمة ببيانات دقيقة حول أنواع الدراجات والمسافات المطلوبة.
وأوضح أحد القادة السابقين أن المسلحين خاضوا تدريبات قاسية تخللتها خسائر بشرية كبيرة، إذ لقي 18 عنصراً مصرعهم أثناء التجارب، قبل أن يتمكن ثمانية عناصر فقط من إتقان المناورة، وهو ما أتاح لهم لاحقاً تجاوز الخنادق واختراق الدفاعات خلال هجوم لاحق.
وامتد تأثير هذه التقنيات إلى مراجعة الأداء بعد انتهاء العمليات، حيث استخدمت الجماعة لقطات الكاميرات المثبتة على صدور المسلحين لتحليل أسباب الإخفاق بصورة منهجية، وهو ما أتاح للقيادة استخلاص دروس تكتيكية لم تكن متاحة في السابق.
كما أسهمت التحليلات التي وفرتها أنظمة الذكاء الاصطناعي في إعادة النظر بعقيدة الجماعة الميدانية، إذ أدرك قادتها أن الاعتماد على وحدات صغيرة ومنسقة قد يكون أكثر فاعلية وأقل كلفة من الزج بأعداد كبيرة من عناصرها.
وروى أحد العناصر السابقين، أن الجماعة كانت ترسل في بعض العمليات نحو 200 عنصر وتتكبد عشرات القتلى، قبل أن تتبنى، بناءً على توصيات مستندة إلى تحليلات الذكاء الاصطناعي، تكتيكات تعتمد على مجموعات محدودة العدد أكثر قدرة على المناورة والتنسيق.
وشدد الباحثون على أن نتائج الدراسة تستند إلى شهادات منشقين عن الجماعة، ولم تتمكن من إثبات وجود علاقة مباشرة بين استخدام الذكاء الاصطناعي وزيادة فتك بوكو حرام.
ويخلص التقرير إلى أن هذه التجربة تمثل مؤشراً مقلقاً على مستقبل الإرهاب في عصر الذكاء الاصطناعي، إذ لم تعد المعرفة التقنية تمثل عائقاً أمام الجماعات المتطرفة، التي باتت قادرة على تحويل أدوات المعرفة المفتوحة وروبوتات الدردشة التجارية إلى غرف عمليات افتراضية تدعم التخطيط واتخاذ القرار وتطوير التكتيكات في ساحات القتال.

