ثبّت البنك المركزي المصري أسعار الفائدة للمرة الثالثة خلال عام 2026، مواصلا نهجه الحذر في إدارة السياسة النقدية، مع استمرار تقييم تطورات التضخم والمتغيرات الاقتصادية المحلية والعالمية وتأثيرها على الأسواق.
قرر البنك المركزي المصري الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية المنعقد الخميس 9 يوليو/تموز 2026، في ثالث قرار بتثبيت الفائدة منذ بداية العام، وذلك في ظل تراجع معدلات التضخم واستمرار حالة عدم اليقين التي تفرضها التطورات الاقتصادية والجيوسياسية.
وأوضح البنك، في بيان، أن اللجنة قررت تثبيت سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19%، وسعر عائد الإقراض لليلة واحدة عند 20%، وسعر العملية الرئيسية عند 19.50%، مع الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند 19.50%.
- اجتماع البنك المركزي المصري.. خبراء يرجحون السيناريو الأقرب للفائدة
وفي وقت سابق توقع عدد من المحللين لـ”العين الإخبارية” تثبيت أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي المصري في اجتماع يوليو/تموز، والتريث قبل استئناف دورة التيسير النقدي.
وقال الخبير المصرفي المصري، محمد عبدالعال لـ”العين الإخبارية”، إن القراءة المتكاملة للأوضاع الاقتصادية والجيوسياسية ترجح تثبيت الفائدة، موضحا أن التضخم، حتى مع تراجعه، لا يزال أعلى من المستوى الذي يسمح بخفض مبكر ومريح، كما أن الأسواق العالمية لم تدخل بعد مرحلة تيسير نقدي واضحة في ظل استمرار حساسية مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تجاه توقعات التضخم.
وأشار إلى أن ارتفاع أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية في المنطقة يفرضان درجة من الحذر، لأن أي خفض مبكر للفائدة قد يكون سابقًا لأوانه إذا عادت أسعار السلع أو تكاليف الشحن للضغط على الأسعار.
توقعت محللة الاقتصاد الكلي بشركة إتش سي للأوراق المالية والاستثمار، هبة منير، أن يبقي البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير، في ضوء تطورات الاقتصاد الكلي والأوضاع الجيوسياسية.
وقالت في تصريحات لـ”العين الإخبارية” إن الاضطرابات الإقليمية ما زالت تؤثر على الاقتصاد العالمي ومصر، لكن استقرار الوضع الخارجي للاقتصاد المصري ومرونة سعر الصرف مكّنا الاقتصاد من امتصاص تداعيات الصراع بشكل جيد نسبيًا حتى الآن.
وأكد البنك المركزي أن القرار جاء بعد تقييم شامل لآخر تطورات التضخم وتوقعاته، إلى جانب متابعة المستجدات الاقتصادية محليًا وعالميًا، بما يضمن الحفاظ على استقرار الأسعار وتحقيق أهداف السياسة النقدية.
تباطؤ عالمي
وأشار البنك المركزي إلى أن الاقتصاد العالمي واصل النمو بوتيرة أبطأ خلال الفترة الأخيرة، متأثرًا باستمرار التوترات الجيوسياسية، وحالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات التجارية، إلى جانب ضعف الطلب العالمي.
وأوضح أن الضغوط التضخمية، رغم تراجعها في العديد من الاقتصادات، لا تزال قائمة بدرجات متفاوتة، وهو ما دفع البنوك المركزية حول العالم إلى مواصلة تبني سياسات نقدية حذرة تتناسب مع أوضاع كل اقتصاد.
وأضاف البيان أن أسعار الطاقة شهدت ارتفاعًا خلال الفترة الأخيرة مع تصاعد حالة عدم اليقين، بينما اتسمت أسعار السلع الزراعية بالتباين نتيجة اختلاف ظروف العرض والطلب، محذرًا من استمرار المخاطر المرتبطة بتفاقم الصراعات الإقليمية، وتشديد الأوضاع المالية العالمية، واضطرابات سلاسل الإمداد.
النمو المحلي
وعلى الصعيد المحلي، أظهرت التقديرات الأولية للبنك المركزي تباطؤا طفيفا في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال الربع الثاني من عام 2026، متأثرا بالتداعيات الاقتصادية للصراع الإقليمي، وذلك بعد أن سجل الاقتصاد نموا بلغ 5% خلال الربع الأول من العام.
وتوقع البنك أن يبلغ متوسط النمو الاقتصادي نحو 5% خلال السنة المالية 2025-2026، مع استمرار وجود فجوة إنتاجية محدودة، على أن يقترب الاقتصاد تدريجيا من طاقته القصوى خلال النصف الأول من عام 2027، وهو ما يعني بقاء الضغوط التضخمية الناتجة عن الطلب عند مستويات محدودة على المدى القصير.
ولفت البنك المركزي إلى أن معدل التضخم السنوي العام تراجع إلى 14.3% في يونيو/حزيران 2026، بينما سجل التضخم الشهري سالب 0.4%، في مؤشر يعكس انحسار الضغوط السعرية.
وفي المقابل، ارتفع معدل التضخم الأساسي بصورة طفيفة إلى 14.3% نتيجة تأثير سنة الأساس، رغم تباطؤ وتيرته الشهرية إلى 0.3%، مؤكدا أن تطورات التضخم العام والأساسي جاءت أقل من معدلاتها الموسمية المعتادة مع استمرار تلاشي آثار الصدمات السابقة.
توقعات التضخم
ورجح البنك المركزي أن يشهد معدل التضخم السنوي ارتفاعا مؤقتا حتى الربع الثالث من عام 2026، ولكن بوتيرة أقل من التقديرات السابقة، مدعومًا باستقرار سوق الصرف وتراجع الضغوط التضخمية.
وأوضح أن التضخم سيستأنف بعد ذلك مساره النزولي تدريجيًا ليصل إلى معدلات أحادية الرقم، مقتربًا من المستهدف البالغ 7% (±2%) خلال النصف الثاني من عام 2027، بدعم من استمرار السياسة النقدية المقيدة.
وأكد البنك المركزي أن قرار تثبيت أسعار الفائدة يستهدف الحفاظ على عائد حقيقي موجب يدعم استقرار الأسعار، في ضوء تحسن المؤشرات الاقتصادية مقارنة بتوقعات لجنة السياسة النقدية في اجتماعها السابق.
وشدد على أن لجنة السياسة النقدية ستواصل تقييم الأوضاع الاقتصادية والنقدية بصورة مستمرة، ومتابعة العوامل المؤثرة في التضخم، مؤكدة استعدادها لاتخاذ أي إجراءات إضافية إذا اقتضت الضرورة، لضمان عودة التضخم إلى مستوياته المستهدفة والحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي.

