في عام 1985، أدرك حتى أكثر المتشددين في الكرملين أن الاتحاد السوفياتي كان بحاجة إلى تغيير جذري. فقد كان الاقتصاد منهكاً، والمعارضة الداخلية والخارجية تطالب بإنهاء القمع السياسي والسرية الحكومية.
فجاء ميخائيل غورباتشوف، الأمين العام الجديد للحزب الشيوعي، بحزمة إصلاحات طموحة حملت اسمي “البيريسترويكا” (إعادة البناء) و”الغلاسنوست” (الشفافية)، بهدف إنعاش النظام وتحديثه، بحسب موقع “هيستوري”.
- بعد 4 عقود في الحكم.. غياب بول بيا يختبر مستقبل الكاميرون
لكن بعد ست سنوات فقط، تفكك الاتحاد السوفياتي بالكامل، لتولد من ركامه دول مستقلة، في مشهد لم يتوقعه حتى أكثر المتفائلين.
اقتصاد ينهار وإصلاحات تخلق أزمات جديدة
استهدفت البيريسترويكا تحريك عجلة الاقتصاد المتوقفة عبر تخفيف القيود على التجارة الخارجية، والسماح بإنشاء شركات تعاونية، وتقليص السيطرة المركزية على المؤسسات.
لكن النتائج جاءت معاكسة تماماً: تضخم متصاعد، وعجز موازن هائل، وارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية، مع تحول القطاع الزراعي من الإنتاج المدعوم إلى السوق الربحي.

في الوقت نفسه، أحدثت الغلاسنوست ثورة في المشهد الإعلامي، إذ كشفت الصحف والمجلات، التي كانت طوابير المواطنين تنتظرها عند الفجر، حقائق صادمة عن جرائم الحقبة الستالينية، ثم امتدت لتطول الفساد المعاصر والقصور النظامي، حتى وصلت إلى قدسية لينين نفسه، مما زعزع الثقة في أسس الشيوعية برمتها.
صراع الأجنحة وانقلاب أغسطس.. النظام على حافة الهاوية
لم تقتصر تداعيات الإصلاحات على الاقتصاد والإعلام، بل طالت بنية الحكم ذاتها. فمع أول انتخابات ديمقراطية حقيقية في تاريخ الاتحاد السوفياتي عام 1989، وتأسيس مجلس نواب الشعب، انتقلت السلطة من البيروقراطية الشيوعية الضخمة إلى الهيئات المحلية، مما أثار حفيظة كوادر الحزب وأضعف قبضة غورباتشوف على مفاصل الدولة، وفي الوقت نفسه أشعل الحركات القومية في الجمهوريات.
ووجد غورباتشوف نفسه محاصراً بين جبهتين، وهما: المحافظون الذين اعتبروا إصلاحاته خيانة للعقيدة، فأقدموا في أغسطس/آب 1991 على انقلاب فاشل زاد من هشاشة النظام، والإصلاحيون المتطرفون، وعلى رأسهم الفيزيائي أندريه ساخاروف، الذين رأوا أنها لا تزال بطيئة وغير كافية، مطالبين باقتصاد سوق كامل وديمقراطية شاملة.
كان الصراع الأكثر تأثيراً بين غورباتشوف ومنافسه الصاعد بوريس يلتسين، الذي تمتع بجاذبية شعبية هائلة في ذلك الوقت. المؤرخ ويليام تاوبمان يصف علاقتهما بأنها “صراع شكسبيري”، إذ كان بإمكانهما أن يشكلا ثنائياً قوياً، لكن التنافس الشخصي والسياسي حوّلهما إلى خصمين لدودين، مما شلّ أي محاولة لتوحيد الصفوف في وجه الأزمات المتلاحقة.
ورغم الفوضى، يقر المؤرخون بأن غورباتشوف نجح فيما لم ينجح فيه غيره: بتفكيك إمبراطورية سلمياً، دون حروب أهلية أو حمامات دم، على عكس ما حدث في يوغوسلافيا.

لكنه لم يتلقَّ الدعم الكافي من الغرب، إذ رفض الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب تقديم مساعدة مالية واسعة على غرار خطة مارشال، خوفاً من تبديد الأموال، مما جعل الانتقال أكثر قسوة. ويصف تاوبمان ذلك بأنه “فرصة ضائعة” لبناء شراكة حقيقية مع روسيا، لم تتكرر منذ ذلك الحين.
إرث متناقض.. بوتين يلوم غورباتشوف فيما يحن الروس لماضٍ قاسٍ
اليوم، ينظر العديد من الروس إلى حقبة ما قبل غورباتشوف بحنين انتقائي، متجاهلين قسوة النظام. وحين ترشح غورباتشوف للرئاسة عام 1996، لم يحصل سوى على أقل من 1 % من الأصوات، وتضعه استطلاعات الرأي الحالية في مرتبة أدنى من ستالين.
أما الرئيس فلاديمير بوتين فيعتبر انهيار الاتحاد السوفياتي “أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين”، محمّلاً غورباتشوف مسؤولية التفكك، ويعكس كل ما فعله الأخير في سياساته المعاصرة.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل كانت البيريسترويكا مجرد إصلاحات متأخرة قضت على مريض كان يحتضر أصلاً، أم أنها كانت جرعة زائدة أنهت حياة نظام كان يمكن إنقاذه؟ والتاريخ وحده سيسجل أن غورباتشوف، رغم حسن النية، أطلق قوى لم يستطع السيطرة عليها، فكانت النهاية التي لم يتوقعها أحد.

