رغم الضبابية التي لا تزال تحيط بمستقبل المواجهة بين واشنطن وإيران، واحتمالات انهيار وقف النار أو تعثر المسار الدبلوماسي، فإن النقاش حول مستقبل النظام لم يعد يقتصر على احتمالات إسقاطه بالقوة، بل: كيف سيؤثر إنهاء الحرب في الحياة السياسية داخل إيران؟
فبعد أشهر من التصعيد العسكري، باتت التقديرات تشير إلى أن الضربات العسكرية، رغم حجمها وتأثيرها، لم تنجح في تغيير حسابات القيادة الإيرانية أو إحداث تصدع يهدد بقاء النظام، ما ينقل الاهتمام إلى مرحلة ما بعد الحرب باعتبارها العامل الأكثر تأثيرًا في رسم ملامح المشهد الداخلي.
- ترامب يتوعد بضرب إيران «بقوة» ويعلق على الهجوم ضد العراق
وتستند هذه الرؤية، وفق مجلة فورين أفيرز، إلى أن إيران تمكنت من تجاوز واحدة من أخطر المواجهات العسكرية في تاريخها الحديث، واستطاعت احتواء الضغوط الأمنية والسياسية التي فرضها الصراع، الأمر الذي أضعف الرهانات على أن القوة العسكرية وحدها قادرة على إحداث تغيير سياسي في إيران.
وفي المقابل، يرى أصحاب هذا الطرح أن أي تسوية شاملة أو اتفاق ينهي المواجهة قد يفتح المجال أمام عودة القضايا الداخلية إلى الواجهة، بعد أن طغت الاعتبارات الأمنية على المشهد السياسي طوال فترة الحرب.
لا يعني ذلك أن النظام خرج من الأزمة أكثر قوة، بل إن الحرب وفرت له فرصة لتأجيل أزماته الداخلية أكثر مما نجحت في معالجتها.
فالأوضاع الاقتصادية الصعبة، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع مستويات المعيشة، إضافة إلى أزمة الشرعية التي واجهتها السلطات خلال السنوات الأخيرة، لا تزال قائمة، إلا أن التهديد الخارجي منح القيادة الإيرانية مساحة لإعادة ترتيب أولويات الرأي العام، وتحويل الاهتمام من المطالب السياسية والاقتصادية إلى قضايا الأمن القومي والدفاع عن البلاد.
العقوبات والحرب
يشير التحليل إلى أن أحد أبرز أوجه الإخفاق في المقاربة الغربية تجاه إيران تمثل في الاعتقاد بأن الجمع بين العقوبات الاقتصادية والضغط العسكري سيؤدي في النهاية إلى انتفاضة شعبية تُسقط النظام.
غير أن التطورات أظهرت مسارًا مختلفًا، إذ أسهمت العقوبات وتداعيات الحرب في إنهاك المجتمع المدني أكثر مما أضعفت مؤسسات الدولة، لتتحول الأولوية لدى شريحة واسعة من الإيرانيين إلى مواجهة الأزمات المعيشية وتأمين الاحتياجات الأساسية، بدل الانخراط في مواجهة سياسية مفتوحة.
كما أدى تراجع الأوضاع الاقتصادية، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والمنشآت المدنية خلال الحرب، إلى زيادة الضغوط اليومية على المواطنين، في وقت استثمرت فيه السلطات هذه الظروف لتعزيز قبضتها الأمنية وتبرير الإجراءات الاستثنائية باعتبارها ضرورة لحماية الأمن الوطني.
وفي ظل هذه البيئة، تراجعت قدرة القوى المدنية على الحشد والتنظيم، إذ يصعب، وفق هذا التقدير، إطلاق حركة احتجاج واسعة في ظل ظروف الحرب والخشية من الانزلاق إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.
وفي الوقت نفسه، جاءت نتائج المواجهة العسكرية معاكسة للتوقعات التي راهنت عليها بعض الدوائر في الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي افترضت أن الحرب قد تشكل فرصة لدفع الإيرانيين نحو تغيير نظامهم السياسي.
فبدلًا من ذلك، أسهمت الهجمات التي استهدفت منشآت مدنية، من بينها مستشفيات وجامعات ومرافق خدمية، في تعزيز الشعور الوطني، وخلقت حالة من الالتفاف حول الدولة حتى بين قطاعات كانت تُبدي انتقادات واضحة للسلطات قبل اندلاع الحرب.
كما لم تحقق الدعوات التي وجهها مسؤولون غربيون وإسرائيليون للإيرانيين من أجل استغلال الحرب للإطاحة بالقيادة استجابة تُذكر، إذ تمكنت مؤسسات الدولة من الحفاظ على تماسكها السياسي والأمني، بينما أخفقت رهانات إسقاط النظام عبر الضغط الخارجي.
ما بعد الحرب.. فرصة لعودة مطالب الإصلاح
رغم نجاح القيادة الإيرانية في احتواء تداعيات الحرب، فإن التحليل يؤكد أن الأزمة الأساسية التي تواجه النظام لم تُحل، بل جرى تأجيلها بفعل ظروف المواجهة.
فمع انحسار التهديدات الخارجية وتراجع المبررات المرتبطة بالحرب والعقوبات، يُتوقع أن تعود القضايا الاقتصادية والاجتماعية إلى صدارة الاهتمام الشعبي، لتجد الحكومة نفسها مجددًا أمام مطالب تتعلق بالإصلاح السياسي، ومكافحة الفساد، وتحسين مستويات المعيشة، وتعزيز المساءلة.
وتستند هذه التوقعات إلى أن الدوافع التي حركت موجات الاحتجاج خلال السنوات الماضية، ولا سيما بين الشباب وسكان المدن الكبرى، لم تختفِ، وإنما تراجعت مؤقتًا تحت وطأة الحرب.
ومن ثم، فإن إنهاء الصراع قد يفتح المجال أمام عودة النقاش الداخلي حول مستقبل الحكم والإصلاحات السياسية، في بيئة تختلف عن تلك التي فرضتها المواجهة العسكرية.
وترى المجلة أن الطريق إلى أي تحول سياسي في إيران لا يمر عبر استمرار العمليات العسكرية أو تصعيد الضغوط الخارجية، بل قد يبدأ مع انتهاء الحرب نفسها، عندما تستعيد الملفات الداخلية حضورها، ويصبح النظام مطالبًا بمواجهة تحدياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بعيدًا عن تأثيرات الصراع الخارجي.
وعندها، قد تجد المطالب الديمقراطية مساحة أوسع للحركة، ليس لأن الحرب أسقطت النظام، بل لأن نهايتها أعادت تركيز الاهتمام على الأزمات البنيوية التي ظلت كامنة تحت ضجيج المواجهة العسكرية.

