انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.. كيف تهدد نفوذ ترامب وثروة عائلته؟

انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.. كيف تهدد نفوذ ترامب وثروة عائلته؟

تضع انتخابات التجديد النصفي الأمريكية النفوذ الاقتصادي للرئيس دونالد ترامب على المحك، وسط تصاعد غضب الناخبين من ارتفاع الأسعار وتداعيات سياساته التجارية والحرب مع إيران.

وتحسم الانتخابات ما إذا كان الجمهوريون بقيادة ترامب سيحتفظون بأغلبيتهم في الكونغرس أم سيفقدونها، في اختبار قد يقيّد قدرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تمرير أجندته الاقتصادية، خصوصا الرسوم الجمركية والإسكان والإنفاق الفيدرالي.

ومع تزايد احتمالات فوز الديمقراطيين، يستعد البيت الأبيض لمواجهة رقابة برلمانية مشددة ولجان تحقيق مرتقبة، فيما لوّح ترامب باستخدام حق النقض لمدة شهر أو شهرين قبل التوصل إلى تفاهمات مع الديمقراطيين.

وفيما يسعى الرئيس ترامب إلى حشد أنصار الحزب الجمهوري قبيل انتخابات التجديد النصفي، تبلغ الحملات الانتخابية ذروتها، وسط مؤشرات على اقتراب الديمقراطيين من تحقيق مكاسب انتخابية واسعة.

وستحدد نتائج انتخابات 3 نوفمبر/تشرين الثاني مسار الفترة المتبقية من ولاية ترامب، كما ستلقي بظلالها على السباق الرئاسي لعام 2028.

وتشير التوقعات الراهنة إلى احتمال فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلس النواب، بينما تبدو المنافسة أكثر تقاربا على مقاعد مجلس الشيوخ.

وفي كلتا الحالتين، قد يفقد الجمهوريون سيطرتهم على السلطتين التشريعية والتنفيذية، وهي السيطرة التي منحت ترامب مساحة واسعة لتنفيذ أجندته الاقتصادية والسياسية، وقلّصت القيود المفروضة على صلاحياته خلال العامين الماضيين.

ومع ذلك، فإن هذا التحول لن يعني بالضرورة فرض قيود دائمة على ترامب أو إحداث تغييرات جوهرية في السياسات القائمة.

فحتى إذا نجح الديمقراطيون في السيطرة على أحد مجلسي الكونجرس أو كليهما، ستظل محاولاتهم لعرقلة سياسات الإدارة أو تشديد الرقابة عليها تواجه عقبات هيكلية تحد من قدرتهم على تغيير مسار أجندة الرئيس.

  • سعر الذهب اليوم.. تراجع قبيل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية

تأثير الفوز المحتمل للديمقراطيين على أجندة ترامب الاقتصادية

وتبرز مراكز التحليل، ومنها مركز تشاتام هاوس، أن نقطة الضغط الحقيقية والملموسة للديمقراطيين ستكون من خلال المفاوضات المالية، حيث سيتعين على ترامب مواجهة الكونغرس لإقرار ميزانية تمويل الحكومة ورفع سقف الدين العام بحلول منتصف عام 2027.

وبالرغم من أن أدوات الضغط الفعلي محدودة، وتتركز غالباً حول ملف تمويل الحكومة، إلا أنه يمكن استخدامها لانتزاع تنازلات، رغم سعي الجمهوريين الحثيث لتحييد هذه الأدوات قبل بدء عمل الكونغرس الجديد في يناير/كانون الثاني.

وبخلاف المفاوضات المالية، وعمليات التعيين، في حال فاز الديمقراطيون بمجلس الشيوخ أيضاً، ستكون المعارضة أقرب إلى كونها تحركات ذات طابع استعراضي أكثر منها قيوداً فعلية. 

وينطبق هذا بشكل خاص على السياسة الخارجية، حيث يتمتع ترامب بمزايا عملية وقانونية وهيكلية تمنحه حرية التصرف.

مجالات نفوذ الديمقراطيين المحتملة

وبامتلاكهم أغلبية في أحد مجلسي البرلمان أو كليهما، يستطيع الديمقراطيون عرقلة تحركات الجمهوريين التشريعية. 

وهذا من شأنه أن يدفع البيت الأبيض على الأرجح إلى تعزيز سلطته التنفيذية، بما في ذلك إصدار الأوامر التنفيذية، وإعلان حالات الطوارئ، واتخاذ الإجراءات التنظيمية، لكن العكس ليس صحيحًا.

فحتى مع سيطرتهم على المجلسين، سيواجه الديمقراطيون صعوبة في تمرير السياسات عبر التشريعات. 

فعلى سبيل المثال، سيواجه تصويت على صلاحيات الحرب لتقليص التدخل العسكري في الشرق الأوسط، أو قرار يرفض صفقة أسلحة أجنبية، حق النقض الرئاسي، ولن يمتلك الديمقراطيون الأغلبية الساحقة اللازمة لتجاوزه.

وثمة مجال آخر يمكن استخدامه كورقة ضغط، وهو الامتناع عن المصادقة على التعيينات الرئاسية، لا سيما في حال شغور منصب في المحكمة العليا أو مجلس الاحتياطي الفيدرالي. 

لكن هذا الخيار لا ينجح إلا إذا استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلس الشيوخ، وهو المجلس المنوط به تثبيت المرشحين للمناصب.

انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.. كيف تهدد نفوذ ترامب وثروة عائلته؟ - صورة 1

نفوذ الديمقراطيين فيما يخص القضايا المالية

وهناك مجال آخر يمتلك فيه الديمقراطيون نفوذاً حقيقياً، وهو القضايا المالية، حتى وإن اقتصر فوزهم على مجلس النواب فقط. 

إذ يحتاج الرئيس ترامب إلى تحرك من الكونغرس لتمويل الحكومة ورفع سقف الدين العام، الذي يضع حداً لاقتراض الحكومة.

وكان الكونغرس قد رفع سقف الدين بمقدار 5 تريليونات دولار في عام 2025، ومن المتوقع الآن بلوغ هذا الحد بحلول منتصف عام 2027. 

وبعد ذلك، قد تلجأ وزارة الخزانة إلى مناورات محاسبية، تُعرف بـ “التدابير الاستثنائية”، لتجنب التخلف عن السداد، وهو ما قد يوفر مهلة إضافية تتراوح بين ستة وتسعة أشهر. 

أما الفشل في رفع سقف الدين في الوقت المناسب للوفاء بالتزامات الدين الحكومي، فقد يؤدي إلى صدمة كارثية في الأسواق. 

وستحدد الطريقة التي سيتعامل بها الجمهوريون مع الفترة الممتدة ما بين انتخابات التجديد النصفي وتولي الكونغرس الجديد مهامه، ما إذا كان سقف الدين سيظل أداةً للمساومة أم لا.

ويضغط ترامب على الجمهوريين لاستخدام آلية “التوفيق في الميزانية”، التي تتطلب أغلبية بسيطة فقط في كلا المجلسين، لرفع سقف الدين بمقدار 5 تريليونات دولار إضافية لما تبقى من ولايته، وتأمين التمويل اللازم، بما في ذلك 60 مليار دولار لقطاع الدفاع، و12 مليار دولار كمساعدات للمزارعين المتضررين من تدابير انتقامية تتعلق بالتعريفات الجمركية ومن اضطرابات في مضيق هرمز. 

الوقت سيكون عامل حاسم

لكن الوقت عامل حاسم، فآلية “التوفيق” تتطلب قراراً بشأن الميزانية يوافق عليه المجلسان، مما يعني أن سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب وحدهم كفيلة بإحباط هذا المسعى.

ومن المفارقات أن الجمهوريين أنفسهم قد يشكلون العقبة المباشرة أمام رغبات ترامب. 

فالتراكم السريع للدين، إذ تبخر نحو 2.9 تريليون دولار من أصل الـ 5 تريليونات التي أضيفت إلى سقف الدين في عام 2025 بحلول شهر يونيو/حزيران، جعل “الصقور الماليين” داخل الحزب، مثل السيناتور راند بول، يرفضون المضي قدماً دون إجراء تخفيضات في الإنفاق. 

وفي حال عدم تمديد سقف الدين، فسيؤدي ذلك إلى مفاوضات في عام 2027 أو أوائل عام 2028، وهي فترة ستتزامن مع الانتخابات التمهيدية للرئاسة، حيث تتضاءل الحوافز للتوصل إلى تسوية.

وعلى عكس مسألة سقف الدين، لا يمكن استخدام آلية “التوفيق في الميزانية” لتمرير الاعتمادات المالية العادية، وهي القوانين السنوية التي تخصص التمويل للوكالات الفيدرالية. 

وفي ظل الوضع الراهن، سيحتاج الجمهوريون إلى دعم الديمقراطيين للتوصل إلى حل قبل انتهاء التمويل الحالي في 11 ديسمبر/كانون الأول. 

وستحدد هذه المفاوضات توقيت ومعالم مواجهات أكثر حدة في العام الجديد، بما في ذلك إتاحة الفرص لفرض شروط تتعلق بكيفية إنفاق التمويل. 

غير أن سعي إدارة ترامب إلى ممارسة سلطة أحادية الجانب على الإنفاق قد يجعل من مثل هذه الشروط أقل أهمية.

من جانبهم، يتعين على الديمقراطيين الموازنة بين أولوياتهم في التفاوض ومدى استعدادهم لاحتمالية حدوث إغلاق حكومي، وهو وضع تتوقف فيه الحكومة الفيدرالية عن تقديم الخدمات وتوفير البيانات وصرف الرواتب، مما سيطرح حتماً تساؤلاً حول الجهة التي تقع عليها المسؤولية.

  • انتخابات التجديد النصفي بأمريكا..خريطة المنافسة وتداعيات النتائج

تأثير هيمنة الديمقراطيين على أعمال عائلة ترامب

وأي تغيير في السيطرة على الكونغرس الأمريكي سيؤدي إلى تحقيقات واسعة النطاق، تشمل معاملات عائلة ترامب التجارية والحرب الإيرانية. 

مع ذلك، فإن صلاحيات الكونغرس، كسلطة استدعاء الشهود والوثائق، ستواجه سريعًا تحديات في التنفيذ.

وتتمتع إدارة ترامب الحالية بقدرة أكبر على مقاومة التدقيق مقارنةً بالإدارة التي واجهها الديمقراطيون بعد استعادة مجلس النواب عام 2018. 

فقد لجأت إلى عدم الامتثال، واستغلت بطء الإجراءات القضائية، ووسعت نطاق ادعاءات الحصانة التنفيذية لمقاومة الكشف عن بعض الوثائق والمراسلات.

وفي أغسطس/آب، أصدر محامو وزارة العدل رأيًا استشاريًا غير ملزم ينص على أن الحصانة التنفيذية تشمل مراسلات الرئيس مع الأفراد إذا كانت متعلقة بعملية صنع القرار، وهو ما قد يوسع نطاق المعلومات المحمية بشكل كبير. 

مع ذلك، ثمة مؤشرات على أن البيت الأبيض يستعد لتحقيقات الديمقراطيين من خلال توظيف محامين وإطلاع الموظفين على آخر المستجدات.

ويرى الأمريكيون مبررات كافية لمثل هذه التحقيقات، فقد أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة غالوب أن 89% من الأمريكيين، بمن فيهم أغلبية ساحقة من الحزبين، يعتقدون أن الفساد الحكومي متفشٍ.

لكن صعوبة الوصول إلى السلطة التنفيذية قد تُغيّر من طبيعة التحقيقات وأهدافها، ما قد يُؤدي إلى امتداد آثارها لتشمل أفراد عائلة ترامب وشركاءه في العمل وشخصيات خارجية تفتقر إلى أدوات إجرائية وحماية مماثلة. 

وقد يجد بعض قادة الشركات أنفسهم في موقف حرج بين البيت الأبيض الذي يدّعي الحصانة والكونغرس الذي يُطالب بالتعاون.

ويُعدّ عزل الرئيس نقطة خلاف محتملة أخرى يُرجّح أن تعود للظهور، فقد تُحاول القيادة الديمقراطية في الكونغرس مقاومة محاولة ثالثة لعزل ترامب، لكن الضغط من الأعضاء الأفراد قد يتزايد. 

ورغم أن أي عزل، سواء لترامب أو لأهداف بديلة كوزراء الحكومة أو القضاة، من شأنه أن يُحفّز القاعدة الديمقراطية، إلا أنه قد يُثير انتقادات بتجاوز الصلاحيات. 

فكل من الرقابة والعزل قد يكونان مُكلفين ويستغرقان وقتًا طويلاً، لكنهما قد لا يُحققان نتائج ملموسة.

انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.. كيف تهدد نفوذ ترامب وثروة عائلته؟ - صورة 2

وفي نهاية المطاف، قد تكون أهم القيود على ما تبقى من ولاية ترامب عملية وليست سياسية، في ظل بيئة سياسية متوترة، ستُشكل الأزمة ضغطاً هائلاً على الرئاسة المنتهية ولايتها، وستُضعف قدرة الدولة.

كما أن الصدمة المالية أو الركود الاقتصادي سيزيدان من الضغط على القدرة المالية المنهكة أصلاً، وربما يتزامن ذلك مع مفاوضات شائكة، أما أي عملية عسكرية إضافية فستستنزف مخزون الذخيرة المتناقص، وستُثقل كاهل القوات المسلحة المنهكة. 

وفي حال وقوع كارثة طبيعية أو طوارئ صحية، سيقع العبء على كاهل جهاز إداري حكومي يعاني من استنزاف حاد. 

هذا فضلاً عن الاضطرابات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي، وهي قضية لا يزال الكونغرس والبيت الأبيض يفتقران إلى الجاهزية اللازمة للتعامل معها.

وبالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة وشركائها، ثمة تفاوت مقلق، إذ لا يزال الرئيس، الذي جعل من إحداث صدمات في النظام نهجاً له، يمتلك القدرة على توجيه المزيد من هذه الصدمات. 

وفي المقابل، أصبحت أمريكا ذاتها أقل قدرة على الإصلاح والتعافي. ولن يغير ما سيحدث في شهر نوفمبر من هذا الواقع شيئاً.