في أواخر 1904، وقف الرئيس الأمريكي آنذاك ثيودور روزفلت ليعلن للعالم إضافة جديدة جذرية إلى مبدأ مونرو الذي صدر قبل 81 عاماً.
ولم يكتفِ روزفلت بتأكيد رفض واشنطن لأي استعمار أوروبي جديد في الأمريكتين، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بإقرار حق الولايات المتحدة كـ”قوة شرطة دولية” تملك حق التدخل العسكري المباشر في أي دولة بأمريكا اللاتينية تواجه “فوضى مزمنة” أو عجزاً عن سداد ديونها.
- الصين تتجاوز «مبدأ مونرو» وتُبحر في الكاريبي
وبهذا التحول، انتقل المبدأ من كونه إعلاناً دفاعياً يهدف إلى إبعاد القوى الأوروبية، إلى تفويض ذاتي يمنح واشنطن حق إدارة التوازنات في نصف الكرة الغربي، وفقا لموقع كولكتور المعني بالتاريخ.
جذور المبدأ
لفهم دلالة إضافة روزفلت، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي الأوسع.
فمنذ وصول كريستوفر كولومبوس إلى الكاريبي عام 1492، خضعت الأمريكتان لموجات استعمار أوروبي واسع النطاق، حيث سيطرت إسبانيا على معظم أمريكا الوسطى والجنوبية وأجزاء من أمريكا الشمالية، والبرتغال على البرازيل، وفرنسا على مناطق واسعة في الشمال.
بينما أحكمت بريطانيا قبضتها على الساحل الشرقي لأمريكا الشمالية وكندا.
غير أن أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر شهدت تحولات جذرية مع اندلاع حركات الاستقلال، فبعد نجاح الثورة الأمريكية (1776)، ثم الثورة الهايتية (1791)، تبعتها موجات استقلال في المكسيك وأمريكا الجنوبية.
وبذلك، تحوّل معظم نصف الكرة الغربي، خلال عقود قليلة، من مستعمرات أوروبية إلى دول ذات سيادة اسمية.
وفي هذا السياق، أعلن الرئيس جيمس مونرو عام 1823 أن “الأمريكتين غير مفتوحتين للاستعمار الأوروبي”، مؤكداً أن أي محاولة أوروبية لفرض سيطرة جديدة ستُعتبر عملاً عدائياً.
ورغم أن الولايات المتحدة آنذاك لم تكن قوة عسكرية كبرى، إلا أن المبدأ شكّل إعلان نضوج سياسي، واستند ضمنياً إلى دعم بريطاني غير مباشر، إذ كانت لندن تفضّل بقاء الأسواق اللاتينية مفتوحة أمام تجارتها دون عودة احتكارات استعمارية مغلقة.
لكن التطبيق العملي للمبدأ لم يكن ثابتاً، ففي ستينيات القرن التاسع عشر، استغلت فرنسا انشغال واشنطن بحربها الأهلية، وغزت المكسيك ونصّبت الإمبراطور ماكسيميليان.
وبعد انتهاء الحرب الأهلية، حشدت واشنطن قواتها وأجبرت باريس على سحب دعمها، فسقطت الإمبراطورية المكسيكية الثانية عام 1867، وكان ذلك أول اختبار فعلي لروح مبدأ مونرو.
صعود وتمهيد
بين سبعينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر، تحولت الولايات المتحدة إلى قوة صناعية كبرى، مدفوعة بالتوسع غرباً، وبناء السكك الحديدية العابرة للقارات، واستغلال الموارد الطبيعية على نطاق واسع. وبحلول مطلع القرن العشرين، كانت أكبر منتج صناعي في العالم.
1904: الولايات المتحدة ”قوة شرطة دولية”
في رسالته السنوية إلى الكونغرس في 6 ديسمبر/كانون الأول 1904، أعلن روزفلت أن أي دولة في نصف الكرة الغربي تُظهر “سوء سلوك مزمن” قد تستدعي “تدخل قوة حضارية”، وأن الولايات المتحدة، التزاماً بمبدأ مونرو، قد تضطر إلى ممارسة “سلطة شرطة دولية”.
وبهذه الصياغة، لم يُلغِ روزفلت مبدأ مونرو، بل أعاد تفسيره، إذ لم تعد واشنطن تكتفي برفض التدخل الأوروبي، بل احتكرت لنفسها حق التدخل نيابة عن أوروبا، تحت شعار الاستقرار وسداد الديون. ومن هنا ارتبطت سياسته بعبارته الشهيرة: “تحدث بهدوء واحمل عصا غليظة”.
واستقبلت بعض القوى الأوروبية هذا التحول بارتياح، إذ فضّلت أن تتولى واشنطن مهمة ضبط الأوضاع في دول متعثرة مالياً، بدلاً من الانخراط في تدخلات مكلفة.
أما في أمريكا اللاتينية، فقد أثار الإضافة مخاوف عميقة، خصوصاً لدى الدول التي تبنّت “مبدأ دراغو” الرافض لاستخدام القوة لتحصيل الديون، ورأت فيه شرعنة للهيمنة الأمريكية.
التطبيق العملي: من الدومينيكان إلى نيكاراغوا
لم تبقَ الإضافة حبراً على ورق. فقد تدخلت الولايات المتحدة في جمهورية الدومينيكان عام 1905 لإدارة شؤونها المالية، ثم في كوبا عام 1906، ولاحقاً في نيكاراغوا وهايتي ودول أخرى خلال عهدي تافت وويلسون، فيما عُرف بـ”دبلوماسية الزوارق الحربية”.
وتحوّل نصف الكرة الغربي عملياً إلى منطقة نفوذ أمريكية، حيث أُعيد ترتيب ماليات بعض الدول تحت إشراف مباشر من واشنطن، وتكررت التدخلات العسكرية بحجة الاستقرار.
اختبارات القرن العشرين: كوبا والفوكلاند
خضع إضافة روزفلت لاختبارات كبرى خلال الحرب الباردة، ففي أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، اعتبرت واشنطن نشر صواريخ سوفيتية في كوبا تهديداً مباشراً داخل “فنائها الخلفي”.
وفرض الرئيس الأمريكي الراحل جون كينيدي حصاراً بحرياً، وأجبر موسكو على سحب الصواريخ، وعززت الأزمة فكرة أن نصف الكرة الغربي يقع ضمن نطاق أمني حصري للولايات المتحدة.
لكن حرب الفوكلاند عام 1982 كشفت حدود هذا المنطق، فعندما غزت الأرجنتين الجزر التابعة لبريطانيا، وجدت واشنطن نفسها بين حليفين.
وفي النهاية دعمت لندن، ما عمّق الشكوك اللاتينية في حيادها، وأظهر أن “منطقة النفوذ” الأمريكية قد تستوعب وجود قوى خارجية حليفة.
التراجع وإعادة تعريف النفوذ
بلغت التدخلات العسكرية ذروتها مع غزو بنما عام 1989 للإطاحة بمانويل نورييغا، غير أن نهاية الحرب الباردة شهدت تراجعاً في شرعية التدخلات الأحادية.
وفي خطوة رمزية، أوفت الولايات المتحدة بمعاهدة 1977 وأعادت قناة بنما إلى سيادة بنما بالكامل في 31 ديسمبر/كانون الأول 1999.
ورغم استمرار النفوذ الأمريكي السياسي والاقتصادي، لم تعد “العصا الغليظة” الأداة المفضلة كما كانت مطلع القرن العشرين، في ظل نظام دولي يتجه نحو تعدد الأقطاب.
aXA6IDE5OS4xODguMjAxLjIzMyA= جزيرة ام اند امز


