قرار استثنائي تحول إلى قاعدة.. قصة «شيك 11 سبتمبر» مع رؤساء أمريكا

بعد ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، لا يزال “تفويض استخدام القوة العسكرية” يمنح كل رئيس أمريكي مساحة واسعة لشن عمليات عسكرية دون الحاجة إلى موافقة جديدة من الكونغرس.

ورغم أن الكونغرس لم يعلن الحرب رسمياً منذ عام 1942، فقد دأب الرؤساء على نشر القوات الأمريكية استناداً إلى قرارات الأمم المتحدة، أو تفويضات صادرة عن الكونغرس، أو السلطات التنفيذية التي يرون أنها تتيح لهم التحرك عسكرياً.

  • بريطانيا كانت هدفا قبل 11 سبتمبر.. وثائق سرية تكشف مخططات بن لادن

لكن هذا التوسع في صلاحيات الرئاسة لم يكن نتيجة حتمية لنمو السلطة التنفيذية وحدها؛ فالكونغرس نفسه أسهم، خطوة بعد أخرى، في بناء ما يُعرف بـ”الرئاسة الإمبراطورية”.

وكانت إحدى أكثر اللحظات تأثيراً في هذا المسار عقب هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، عندما أقر الكونغرس “تفويض استخدام القوة العسكرية” بدعم من الحزبين، مانحاً الرئيس أساساً قانونياً واسعاً لاستخدام القوة، من دون الحاجة إلى العودة إلى المشرعين للحصول على تفويض جديد في كل مرة.

من “غراوند زيرو” إلى شيك على بياض

جاء رد فعل إدارة بوش حازماً وعنيفاً، على النقيض من تعامل إدارة كلينتون مع تفجير عام 1993 باعتباره قضية تُعالج أساساً عبر إنفاذ القانون. وسعت إدارة بوش إلى صياغة التفويض بأوسع عبارات ممكنة، بحيث بدا “قرار خليج تونكين” لعام 1964 محدوداً بالمقارنة؛ إذ لم يكن الهدف ملاحقة المسؤولين عن هجمات 11 سبتمبر/أيلول فحسب، بل منح الرئيس صلاحيات تتيح له “ردع واستباق أي أعمال إرهابية مستقبلية”.

وكان ذلك أقرب إلى “شيك على بياض” لشن الحرب.

وفي 14 سبتمبر/ أيلول 2001، أقر مجلس الشيوخ التفويض بأغلبية 98 صوتاً مقابل لا شيء، بينما كانت النائبة باربرا لي العضو الوحيد في مجلس النواب الذي صوّت ضده، محذرة من تكرار أخطاء الحروب السابقة عبر توسيع سلطات الحكومة باسم الأمن القومي.

ورغم أن الصياغة النهائية جاءت أضيق من المسودة الأولى، إذ أجازت استخدام القوة ضد من “خططوا أو صرّحوا أو ارتكبوا أو ساعدوا” في الهجمات، وكذلك ضد الدول التي آوت هؤلاء الإرهابيين، فإن التفويض ترك ثغرات واسعة؛ فلم يحدد تنظيماً بعينه، ولا مسرحاً جغرافياً للعمليات، ولا موعداً لانتهاء مفعوله. كما أتاح للرئيس مساحة واسعة للتحرك العسكري بعيداً عن القيود التي كان يفترض أن يفرضها “قانون سلطات الحرب” لعام 1973.

التباهي بالتفويض.. واستخدامه خارج حدوده

كان المشرعون فخورين بما أنجزوه؛ فتباهى جو بايدن، الذي كان سيناتوراً آنذاك، قائلاً: “لقد منحنا الرئيس كل الصلاحيات التي يحتاجها دون التنازل عن حقنا الدستوري في تقرير ما إذا كان ينبغي استخدام القوة”.

لكن مكتب المستشار القانوني في وزارة العدل سرعان ما تبنى تفسيراً أوسع، مفاده أن سلطات الرئيس لا تقتصر على الحدود التي حددها نص التفويض. وكان أول استخدام رئيسي له في أكتوبر/ تشرين الأول 2001، عندما بدأت الولايات المتحدة قصف أفغانستان، قبل أن يُستخدم لاحقاً لتبرير احتجاز مشتبه بهم في غوانتانامو، وإنشاء لجان عسكرية، وتنفيذ برامج مراقبة واسعة النطاق.

وفي حين صوّت الكونغرس على تفويض منفصل لاستخدام القوة ضد العراق، استند بوش أيضاً إلى تفويض عام 2001 لتبرير بعض الإجراءات المرتبطة بمواجهة تنظيم القاعدة والإرهاب، بما وسّع عملياً نطاق استخدام التفويض إلى ما هو أبعد من الرد المباشر على هجمات 11 سبتمبر/أيلول.

أوباما وترامب وبايدن.. الإرث المستمر

لم يُلغِ الكونغرس التفويض قط، فيما اعتمد عليه رؤساء من الحزبين. فباراك أوباما، رغم انتقاده توسع السلطة التنفيذية، استند إليه لتبرير ضربات الطائرات المسيّرة في اليمن والصومال، وللدعم العسكري للحرب ضد تنظيم “داعش” عام 2014، على أساس أن التنظيم يمثل امتداداً أو وريثاً لتنظيم القاعدة الذي استهدفه التفويض الأصلي.

وبالمثل، اعتمد دونالد ترامب وجو بايدن على التشريع في دعم عمليات مكافحة الإرهاب. وباءت محاولات إلغائه بالفشل؛ ومع مرور الوقت، لم تعد باربرا لي وحدها في المطالبة بتقييد هذا التفويض، لكن الكونغرس ظل عاجزاً عن التوافق على إصلاح جوهري يعيد إليه السيطرة الفعلية على قرارات استخدام القوة.

استعادة السلطة.. من أين تبدأ؟

حتى عام 2026، لا يزال الرؤساء الأمريكيون يتمتعون بصلاحيات عسكرية أوسع بكثير مما كانت عليه قبل 11 سبتمبر/أيلول، بما في ذلك تنفيذ عمليات لا ترتبط بالهجمات الأصلية إلا بعلاقة قانونية أو تفسيرية بعيدة.

وإذا كان أي من الحزبين جاداً في كبح توسع السلطة الرئاسية، فإن إعادة النظر في “تفويض استخدام القوة العسكرية” تمثل نقطة انطلاق مهمة؛ فإلغاؤه أو إصلاحه بصورة جوهرية يمكن أن يجبر الرئيس الحالي والرؤساء المستقبليين على العودة إلى الكونغرس وطلب تفويض تشريعي جديد قبل استخدام القوة في صراعات لا يشملها تفويض قائم. لكن الكونغرس سيحتاج أولاً إلى استعادة سلطته بنفسه؛ وكما كانت تقول نانسي بيلوسي: “لا أحد يمنحك السلطة، بل عليك انتزاعها”.

ولفترة طويلة جداً، أبدى الكونغرس استعداداً للتنازل عن جزء من سلطته الدستورية في تقرير استخدام القوة، لأسباب تراوحت بين الحسابات الحزبية والاعتبارات السياسية، وصولاً إلى سياسات عسكرية ساهمت في زعزعة استقرار الشرق الأوسط، وربما وفرت، بصورة غير مباشرة، ظروفاً عززت النفوذ الاقتصادي لإيران.