مع تقدم الديمقراطيين في النتائج الأولية لانتخابات التجديد النصفي الأمريكية، تترقب الأسواق تداعيات تغير موازين القوى في الكونغرس، وهل يعيد رسم خريطتها العالمية؟
وشهدت الانتخابات تنافساً على جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً، إلى جانب 35 مقعداً في مجلس الشيوخ، وسط ترقب لتأثير موازين القوى الجديدة على سياسات الإدارة الأمريكية.
وحددت النتائج الأولية أن الجهة التي ستسيطر على الكونغرس خلال العامين الأخيرين من فترة رئاسة دونالد ترامب، هم الديمقراطيين، بعد حصدهم لأغلبية المجلسين.
ومن المقرر أن يبدأ الكونغرس الجديد مهامه في 3 يناير/كانون الثاني 2027، وقد تؤثر التطورات التي ستلي ذلك على التوقعات المتعلقة بالسياسات الأمريكية في مجالات الضرائب والإنفاق والتجارة.
وفيما يلي، تحليل لموقع “Capital.com” حول النتائج المحتملة للانتخابات، وتداعياتها المتوقعة على الدولار الأمريكي، وعوائد سندات الخزانة، وأسواق “وول ستريت”، والمعادن، والنفط، وعملات الأسواق الناشئة.
- أول تعليق من ترامب على خسارة انتخابات التجديد النصفي
التأثير المتوقع لنتائج انتخابات التجديد النصفي على الدولار وسندات الخزانة
بحسب تحليل موقع “كابيتال دوت كوم”، سيمثل فوز الديمقراطيين بالأغلبية في مجلسي الكونغرس تحولاً جوهرياً في موازين القوى السياسية في واشنطن.
ورغم احتفاظ الرئيس ترامب بحق النقض والسلطة التنفيذية، فإن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس ستفرض رقابة أشد على الإدارة، ما يُصعّب بشكل كبير تمرير أي مبادرات مالية جديدة.
أما بالنسبة للدولار، فقد يكون رد الفعل الفوري سلبياً إلى حد ما، إذ تتوقع الأسواق انخفاض احتمالات تقديم حوافز مالية إضافية، وفرض قيود سياسية أكبر على الإدارة.
مع ذلك، قد يكون أي ضعف محدوداً، نظراً لأن فوز الديمقراطيين بأغلبية ساحقة ينعكس بالفعل، إلى حد ما، في توقعات السوق.
أما بالنسبة لعوائد سندات الخزانة، فالأمر أقل وضوحاً، فقد يُوفر انخفاض احتمالات الإنفاق الجديد المُموّل بالعجز دعماً لسندات الحكومة، لا سيما ذات آجال الاستحقاق الطويلة.
ومع ذلك، سيظل العجز المالي الحالي كبيراً، وقد يُعقّد الصدام السياسي الجهود المبذولة لمعالجة ضغوط الاقتراض الهيكلية.
وفي الوقت نفسه، لن تختفي بالضرورة مخاطر التضخم الناجمة عن أسعار الطاقة والسياسة التجارية، وعموماً، قد تفوق المخاوف المستمرة بشأن التضخم والوضع المالي أي تخفيف فوري للقيود التشريعية المشددة.
ومن الاعتبارات الإضافية احتمال ازدياد حالة عدم اليقين السياسي، وقد يُكثّف الكونغرس ذو الأغلبية الديمقراطية التحقيقات في شؤون الإدارة، ويُشكّك في جوانب من أجندتها التجارية والتنظيمية.
وهذا بدوره قد يُؤثّر سلبًا على ثقة قطاع الأعمال، ويُضيف مصدرًا آخر لتقلبات الدولار وسندات الخزانة.

التأثير المتوقع لنتائج انتخابات التجديد النصفي على سوق الأسهم ومؤشرات وول ستريت
جرت الانتخابات على جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً، وعلى 35 مقعداً من أصل 100 مقعد في مجلس الشيوخ.
وتأتي هذه الانتخابات في وقت عصيب بالنسبة للبيت الأبيض، إذ أدت الحرب مع إيران، التي اندلعت في فبراير/شباط، إلى تقييد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز بشكل كبير، كما ارتفعت أسعار البنزين في سبتمبر/أيلول بنسبة 34.2% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفقاً لمكتب إحصاءات العمل، في حين تراجعت نسبة التأييد لدونالد ترامب إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق.
وكانت تشير أسواق التوقعات إلى تفوق واضح للحزب الديمقراطي، وهو ما تحقق بالفعل، ووفقاً لكابيتال دوت كوم، مع تحقق سيناريو هيمنة الديمقراطيين على أغلبية المجلسين، فوجود كونغرس يسيطر عليه الديمقراطيون من شأنه أن يؤدي إلى تكثيف الرقابة على الإدارة الأمريكية وشركات التكنولوجيا الكبرى، وهو ما قد يثير تقلبات في مؤشر “ناسداك 100” (Nasdaq 100) مباشرةً بعد التصويت.
ومن ناحية أخرى، فإن تراجع احتمالية إقرار إنفاق جديد ممول عبر الديون قد يسهم في خفض عوائد السندات طويلة الأجل، وهو عامل يدعم تقييمات الأسهم.
و لفهم المسار الذي تتجه إليه مؤشرات الأسهم وبورصة وول ستريت، ينبغي النظر إلى الأسهم ذات الوزن الأكبر فيها.
ففي أوائل أكتوبر، شكلت مجموعة “الشركات السبع الكبرى” نحو 35% من مؤشر “إس أند بي 500” (S&P 500)، بينما لم تتجاوز حصتها من الأرباح المتوقعة للأشهر الاثني عشر القادمة نحو 26%.
كما بلغ متوسط تقييمها نحو 23 ضعفاً من الأرباح المستقبلية المتوقعة، مقارنة بـ 17 ضعفاً لبقية أسهم المؤشر.
ونظراً لهذا المستوى العالي من التركز، فإن أي تغير في معنويات السوق تجاه الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير على المؤشرات يفوق تأثير نتائج الانتخابات ذاتها.
وقد تباين أداء أسهم هذه المجموعة بشكل ملحوظ خلال عام 2026، فبحلول 20 أكتوبر/تشرين الأول، ارتفع سهمَا “أبل” و”إنفيديا” بنحو 25%، في حين انخفض سهم “تسلا” بنحو 17%، بينما حققت المجموعة ككل مكاسب بلغت قرابة 11%.
وتشير عمليات البيع الأخيرة في قطاع أشباه الموصلات إلى أن السوق لم تعد تكافئ جميع الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بالقدر ذاته، فبعد تحقيق مكاسب قوية للغاية، تحول اهتمام المستثمرين نحو تكاليف الاستثمار، ومستويات الديون، والقدرة على تحقيق عوائد.

التأثير المتوقع لنتائج انتخابات التجديد النصفي على شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
وسيكون لنتائج الانتخابات تأثيرا على عمالقة التكنولوجيا في ثلاث نواحي، أولا صادرات الرقائق الإلكترونية إلى الصين.
فرغم أنه يتم تحديد سياسة التصدير بشكل رئيسي من قبل البيت الأبيض، لكن الكونغرس بعد هيمنة الديمقراطيين سيكون له مشاركة.
وينص مشروع قانون مراقبة الذكاء الاصطناعي، وهو اقتراح من الحزبين في مجلس النواب، على منح الكونغرس سلطة مراجعة ومنع مبيعات الرقائق المتقدمة.
ويمكن لكونغرس يتمتع بنفوذ أكبر على إدارة ترامب أن يُشدد هذه الرقابة، مما يُشكل خطرًا على شركات تصنيع الرقائق مثل إنفيديا وإيه إم دي.
ويُضاف إلى ذلك المنافسة من الصين نفسها، فبحسب مؤسسة IDC، انخفضت حصة إنفيديا في سوق رقائق الذكاء الاصطناعي لمراكز البيانات في الصين إلى 34% في النصف الأول من العام، بينما بلغت حصة هواوي 28%، في ظل تشجيع بكين للبدائل المحلية.
ثاني المحاور يتعلق بطاقة مراكز البيانات، فقد أصبحت تكلفة الكهرباء قضية محورية في الحملات الانتخابية.
ففي شركة PJM، أكبر شبكة كهرباء في الولايات المتحدة، ارتفعت أسعار الطاقة من حوالي 29 إلى 329 دولارًا لكل ميغاواط/يوم بين عامي 2024/25 و2026/27، ويعود ذلك بشكل كبير إلى الطلب المتزايد على مراكز البيانات، كما يعارض 71% من الأمريكيين بناء مراكز البيانات في مناطقهم، وفقًا لاستطلاع أجرته مؤسسة غالوب.
وقد تؤدي القواعد التي تلزم شركات التكنولوجيا بدفع المزيد مقابل الطاقة التي تستهلكها إلى رفع تكلفة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
ثالث المحاور، التنظيم والمنافسة، فمن المرجح أن يُشدد الكونغرس ذو الأغلبية الديمقراطية الرقابة على شركات التكنولوجيا الكبرى، من خلال عقد المزيد من جلسات الاستماع والتحقيقات والضغط على المنافسة والخصوصية، مما قد يؤثر سلبًا على تقييمات الشركات حتى بدون تشريعات جديدة.
التأثير المتوقع لنتائج انتخابات التجديد النصفي على الذهب والمعادن النادرة
بحسب تحليل “كابيتال”، لم تحظَ المعادن بأي اهتمام يُذكر في حملات انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، فقد ركّز المرشحون في حملاتهم على أسعار الوقود، والرعاية الصحية، والحرب مع إيران، بدلاً من الحديث عن المغناطيسات المصنوعة من العناصر الأرضية النادرة.
ومع ذلك، لم يمضِ سوى بضعة أشهر منذ أن كانت المعادن تتصدر العناوين، إذ سجلت الفضة والذهب مستويات قياسية في يناير/كانون الثاني، ومددت واشنطن في أبريل/نيسان الرسوم الجمركية على النحاس، كما ناقشت في مايو/أيار فرض رسوم على البلاديوم الروسي، وفي يونيو/حزيران أضافت بكين منتجي العناصر الأرضية النادرة في الولايات المتحدة إلى قائمة خاضعة لرقابتها على الصادرات.
ولن تغير انتخابات الثالث من نوفمبر هوية شاغل البيت الأبيض، لكنها ستحدد مدى المساحة المتاحة للرئيس دونالد ترامب لتنفيذ أجندته الصناعية والتجارية والمالية.
وفيما يتعلق بالمعادن، يكمن التحدي الأكبر خارج نطاق أي عملية انتخابية، إذ تهيمن الصين على عمليات تكرير المواد التي تحتاجها الولايات المتحدة لأغراض الدفاع، والتحول نحو الكهرباء، والذكاء الاصطناعي، ولا يمكن لأي كونغرس إعادة بناء هذه القدرات في غضون عامين.
أما بالنسبة للمعادن الصناعية والحيوية، فإن التوازن بين الشرق والغرب سيتحدد إلى حد كبير من خلال المحادثات التجارية بين واشنطن وبكين.

وتحدد انتخابات التجديد النصفي مدى الحرية التي يتمتع بها الرئيس في التفاوض، وإلى أي مدى يمكن للكونغرس تقييد تحركاته أو دعمه فيها.
وفيما يخص الذهب، فللذهب استخدامات صناعية محدودة، إذ يكمن دوره الأساسي في الجانب النقدي، فهو بمثابة مخزن للقيمة تحتفظ به البنوك المركزية والمستثمرون، ولا ينطوي على مخاطر ائتمانية، كما أنه أصلٌ لا يمكن طباعته.
وقد أصبح الذهب بالنسبة للبنوك المركزية البديل الرئيسي لسندات الخزانة الأمريكية.
وتُظهر بيانات البنك المركزي الأوروبي أن الذهب شكّل 28% من احتياطيات البنوك المركزية العالمية بنهاية عام 2025، متجاوزاً بذلك حصة سندات الخزانة التي بلغت 21%.
ووفقاً لمجلس الذهب العالمي، استمرت عمليات الشراء خلال العام الجاري، حيث بلغ صافي المشتريات 170 طناً في الأشهر الثمانية الأولى، وذلك على الرغم من ارتفاع العوائد الحقيقية.
وقد ساهم هذا الطلب في الحد من انخفاض الأسعار، ومن شأن أي تحول سياسي، أو حتى استمرار النهج القائم، أن يغير نظرة الأطراف الأجنبية تجاه المسار المستقبلي لواشنطن فيما يتعلق بالإنفاق، والاستدامة المالية، وأسعار الفائدة، وهو ما سيؤثر بدوره على مدى إقبالهم على سندات الخزانة والذهب.
- «استعدوا للآتي».. البيت الأبيض يعلق على نتيجة «التجديد النصفي»
التأثير المتوقع لنتائج انتخابات التجديد النصفي على أسعار الوقود
كانت أسعار الوقود موضوعاً حاضراً باستمرار في الحملات الانتخابية الأمريكية، لكنها اكتسبت أهمية خاصة قبيل انتخابات التجديد النصفي هذا العام.
إذ ارتفعت أسعار البنزين بنحو 40% مقارنة بما كانت عليه قبل عام، مما يجعل كل زيارة لمحطة الوقود تذكيراً للناخبين بارتفاع تكاليف المعيشة.
مما يجعل كل زيارة لمحطة الوقود تذكيراً للناخبين بتصاعد تكاليف المعيشة.
وتمنح انتخابات التجديد النصفي الناخبين فرصة لتقييم سياسات الإدارة الحالية، وبالفعل كان جزء كبير من حسم الصراع على السيطرة على الكونغرس قائما هذه المرة على مضخات الوقود، بسبب وعود المرشحون بالعمل على تخفيض أسعار الوقود في أقرب وقت.
وفيما يتعلق بآفاق سوق النفط على المديين القصير والمتوسط، ستظل التطورات في الشرق الأوسط وأوكرانيا عوامل جوهرية.
ويطرح هذا تساؤلاً حول ما إذا كان التغيير الشامل الذي تحقق في الكونغرس قد يؤثر على المسار الحالي لسياسة الإدارة الأمريكية، لا سيما تجاه الشرق الأوسط، حيث يظل احتمال حدوث تصعيد إضافي أمراً وارداً.
ومع نجاح الديمقراطيون في السيطرة على مجلس النواب، فقد يواجه البيت الأبيض صعوبات أكبر في تأمين التمويل للمراحل اللاحقة من الحرب، كما قد تتزايد الضغوط عليه لتوضيح الظروف التي يمكن أن تنتهي في ظلها هذه الحرب.
وفي مثل هذا السيناريو، سيكون رد فعل الإدارة الأمريكية بالغ الأهمية بالنسبة للسوق، لا سيما فيما يتعلق بما إذا كان تراجع موقف الجمهوريين قد يدفع الإدارة إلى إبداء مرونة أكبر تجاه التفاوض.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الكونغرس الجديد لن يتولى مهامه إلا في الثالث من يناير/كانون الثاني 2027.


