«ألعاب الحرب».. فيلم هز البنتاغون وغير عقيدة أمريكا النووية للأبد

في صيف عام 1983، لم يكن فيلم “ألعاب الحرب” مجرد إنتاج سينمائي ناجح ضمن أفلام الإثارة والخيال العلمي، بل تحول إلى عمل ترك بصمة مباشرة في دوائر صنع القرار الأمريكي، بعدما أثار مخاوف غير مسبوقة بشأن أمن أنظمة القيادة والسيطرة النووية.

وبينما تعامل كثيرون في البنتاغون مع حبكة الفيلم باعتبارها سيناريو هوليوودياً بعيداً عن الواقع، نظر الرئيس الأمريكي آنذاك، رونالد ريغان، إلى رسالته بمنتهى الجدية، ليتحول العمل الفني إلى نقطة انطلاق لمراجعة شاملة لمدى حصانة البنية الرقمية التي تدير أخطر ترسانة عسكرية في العالم.

  • ترامب: إيران لن تمتلك سلاحا نوويا وحصار كامل على موانئها

عندما أوشك “الذكاء الاصطناعي” على إشعال الحرب الباردة

يروي الفيلم، الذي أخرجه جون بادام وقام ببطولته ماثيو برودريك، قصة المراهق الموهوب في البرمجة ديفيد لايتمان، الذي يتمكن من اختراق حاسوب عسكري متطور بعدما يعتقد أنه مجرد منصة لألعاب الفيديو. 

ويبدأ الشاب تشغيل لعبة تحمل اسم «الحرب النووية الحرارية العالمية»، غير مدرك أن النظام الذي يتفاعل معه ليس برنامجاً ترفيهياً، بل حاسوباً مسؤولاً عن محاكاة سيناريوهات الحرب النووية وإدارة عمليات الردع الاستراتيجي، بحسب ما أوردته مجلة ناشيونال إنترست.

وتتطور الأحداث عندما يفسر الحاسوب العسكري المحاكاة على أنها هجوم نووي حقيقي ووشيك من الاتحاد السوفياتي، فيشرع تلقائياً في تفعيل إجراءات الرد النووي، في تجسيد درامي لفكرة الاعتماد المفرط على الأنظمة الآلية في اتخاذ أخطر القرارات العسكرية. 

ويبرز الفيلم مفارقة لافتة تتمثل في أن النظام صُمم في الأساس لتجاوز ما يعتبره المخططون العسكريون “التردد البشري” في لحظات الأزمات، لكنه يتحول بنفسه إلى مصدر للخطر بسبب عجزه عن التمييز بين المحاكاة والواقع. 

وفي المشهد الختامي، يصل الحاسوب إلى استنتاج منطقي مفاده أن الحرب النووية الشاملة لا يمكن أن تحقق نصراً لأي طرف، لينهي الأزمة برسالته الشهيرة: “الخيار الوحيد للفوز هو عدم اللعب.”

استفسار ريغان الذي أيقظ المؤسسة العسكرية

رغم الطابع الخيالي للقصة، فإن الفيلم أثار اهتمام الرئيس ريغان على نحو غير مسبوق. فبعد أيام قليلة من مشاهدته داخل البيت الأبيض، طرح خلال اجتماع أمني سؤالاً مباشراً على رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال جون فيسي: هل يمكن أن يحدث ما شاهده في الفيلم على أرض الواقع؟ 

وبحسب الروايات التاريخية، لم يكن لدى كبار المسؤولين العسكريين جواب قاطع، الأمر الذي دفع الإدارة الأمريكية إلى تكليف الجهات المختصة بإجراء مراجعة سرية لأنظمة الحاسوب العسكرية ومدى تعرضها للاختراق.

وكشفت نتائج تلك المراجعة، وفق ما تناولته مصادر تاريخية وتقارير لاحقة، أن المخاوف التي طرحها الفيلم لم تكن بعيدة عن الواقع كما كان يُعتقد. 

فقد كانت شبكات الحاسوب العسكرية في مطلع ثمانينيات القرن الماضي تعتمد على تقنيات اتصال ومصادقة محدودة الحماية، بما في ذلك شبكات المودم التقليدية، مما جعل احتمالات الاختراق أو التلاعب بالبيانات أكثر واقعية مما تصوره صناع القرار. 

وأظهرت المراجعة أن أي خلل تقني أو اختراق إلكتروني قد يؤدي إلى إرسال إنذارات كاذبة بشأن هجوم نووي، بما يحمله ذلك من خطر دفع القيادة السياسية والعسكرية إلى اتخاذ قرارات مصيرية استناداً إلى معلومات غير صحيحة.

توجيه غير مسبوق غيّر وجه الأمن السيبراني

ولم يتوقف تأثير الفيلم عند حدود النقاش داخل المؤسسات الأمنية، بل تُرجم إلى خطوات تنفيذية غير مسبوقة. ففي عام 1984 أصدر الرئيس ريغان التوجيه الرئاسي للأمن القومي رقم 145، الذي يُعد أول وثيقة رئاسية أمريكية تخصص بالكامل لحماية أنظمة الحاسوب والأمن السيبراني. 

وأقر التوجيه لأول مرة بأن الهجمات على البنية الرقمية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي، داعياً إلى تعزيز أمن شبكات القيادة والسيطرة العسكرية، وتطوير وسائل تشفير الاتصالات الحكومية، ووضع معايير أكثر صرامة لحماية المعلومات الحساسة.

وشكل هذا التوجيه نقطة تحول في السياسة الأمريكية تجاه أمن المعلومات، إذ مهد الطريق لسلسلة من التشريعات والإصلاحات المؤسسية، كان أبرزها قانون أمن الحاسوب لعام 1987، الذي أسهم في تطوير الأطر التنظيمية لحماية الأنظمة الفيدرالية، قبل أن تتطور هذه الجهود لاحقاً إلى إنشاء مؤسسات متخصصة في الدفاع السيبراني، وصولاً إلى تأسيس القيادة السيبرانية الأمريكية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

ومع ذلك، لم يخلُ التوجيه الرئاسي من الانتقادات، إذ رأى عدد من الخبراء وأعضاء الكونغرس -آنذاك- أنه يمنح وكالة الأمن القومي صلاحيات واسعة للإشراف على شبكات الحاسوب المدنية، وهو ما أثار مخاوف تتعلق بالخصوصية والرقابة الحكومية. 

وأدى هذا الجدل لاحقاً إلى إعادة توزيع بعض المسؤوليات الفنية والتنظيمية على المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا، في محاولة لإيجاد توازن بين مقتضيات الأمن القومي وحماية الحقوق المدنية.

وبعد أكثر من أربعة عقود على عرض الفيلم، لا تزال الرسائل التي حملها تحظى بقدر كبير من الاهتمام، خاصة في ظل الطفرة الهائلة في تقنيات الذكاء الاصطناعي والأسلحة المستقلة والحروب السيبرانية. فقد سبق «ألعاب الحرب» عصره في طرح سؤال لا يزال مطروحاً حتى اليوم: إلى أي مدى يمكن الوثوق بالأنظمة الرقمية في إدارة القرارات العسكرية المصيرية؟