التضخم في مصر يرتفع بالجمهورية ويتباطأ بالمدن.. سر مفارقة سبتمبر

التضخم في مصر يرتفع بالجمهورية ويتباطأ بالمدن.. سر مفارقة سبتمبر

كشفت بيانات التضخم في مصر خلال سبتمبر/أيلول 2026 عن مفارقة لافتة، بعدما ارتفع المعدل السنوي على مستوى الجمهورية، بينما تواصل التباطؤ في المدن للشهر الثاني على التوالي، رغم القفزة الكبيرة في أسعار الخضراوات والمواد الغذائية.

وأظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الصادرة السبت، ارتفاع معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية إلى 12.8% في سبتمبر/ أيلول، مقابل 12.7% خلال أغسطس/آب الماضي، في حين تباطأ التضخم السنوي في المدن إلى 13.9%، مقارنة بـ14.5% خلال الفترة نفسها.

وتعني هذه الأرقام أن التضخم ارتفع بمقدار 0.1 نقطة مئوية على مستوى الجمهورية، بينما انخفض بمقدار 0.6 نقطة مئوية في المدن، وهو اختلاف يطرح تساؤلات بشأن كيفية تحرك المؤشرين في اتجاهين متعاكسين خلال الشهر نفسه.

  • 43 قطعة أرض بالدولار.. المدن الجديدة في مصر مصدر مستدام للعملة الصعبة

وفي المقابل، تسارعت وتيرة ارتفاع الأسعار على أساس شهري في المؤشرين إذ سجل التضخم الشهري لإجمالي الجمهورية 1.5%، مقابل 1.3% في المدن، تحت ضغط زيادة أسعار الخضراوات بنسبة 15.1% والطعام والمشروبات بنسبة 3.2%.

فهل تعكس الأرقام بداية استقرار حقيقي للأسعار، أم أن تأثيرات المقارنة السنوية تخفي استمرار الضغوط على تكلفة المعيشة؟

التضخم في مصر يرتفع بالجمهورية ويتباطأ بالمدن.. سر مفارقة سبتمبر - صورة 1

لماذا يرتفع التضخم في الجمهورية ويتراجع في المدن؟

لا تعكس البيانات تناقضًا في قياس التضخم، وإنما ترتبط باختلاف النطاق الجغرافي الذي يغطيه كل مؤشر، إلى جانب اختلاف أنماط الإنفاق وتحركات الأسعار بين المناطق الحضرية والريفية، وفقا للخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب.

فمعدل التضخم لإجمالي الجمهورية يشمل أسعار السلع والخدمات في الحضر والريف، بينما يقتصر معدل التضخم الحضري على المدن، وهو المؤشر الرئيسي الذي يتابعه البنك المركزي المصري عند تقييم تطورات التضخم.

وتختلف مساهمة مجموعات الإنفاق في المؤشرين تبعًا لأوزانها النسبية، إذ لا تستحوذ السلع الغذائية والسكن والمواصلات والخدمات على الأهمية نفسها في إنفاق جميع الأسر والمناطق.

وقال عبدالمطلب لـ” العين الإخبارية”: يمكن أن يؤدي ارتفاع أسعار مجموعة من السلع في مناطق معينة إلى دفع المعدل العام للجمهورية للصعود، حتى إذا كانت الزيادة السنوية في المدن تتباطأ.

لكن اختلاف النطاق الجغرافي وحده لا يثبت أن أسعار الريف هي السبب المباشر في مفارقة سبتمبر فتحديد مساهمة الريف بصورة دقيقة يتطلب تحليل المؤشر الخاص به وأوزان الإنفاق ومساهمات المجموعات السلعية في التغير السنوي.

ويؤكد عبد المطلب أن هناك عامل آخر يتعلق بما يعرف اقتصاديًا بـ”تأثير سنة الأساس”، والذي يفسر كيف يمكن أن يتباطأ التضخم السنوي رغم استمرار ارتفاع الأسعار خلال الشهر نفسه.

فمعدل التضخم السنوي يقارن أسعار سبتمبر/ أيلول 2026 بمستوياتها في سبتمبر/ أيلول 2025، بينما يقيس المعدل الشهري التغير مقارنة بأغسطس/ آب 2026.

وبالتالي، إذا كانت الأسعار قد ارتفعت بصورة أكبر خلال سبتمبر / أيلول  من العام الماضي، فقد يسجل التضخم السنوي تباطؤًا خلال سبتمبر / أيلول  الحالي، حتى مع ارتفاع الأسعار مقارنة بالشهر السابق.

وهذا ما يساعد على تفسير اجتماع تباطؤ التضخم السنوي في المدن إلى 13.9% مع تسارع التضخم الشهري فيها إلى 1.3%.

وبمعنى أبسط، الأسعار في المدن لم تنخفض خلال سبتمبر /أيلول ، بل ارتفعت بوتيرة شهرية أسرع، رغم أن معدل زيادتها مقارنة بالعام الماضي أصبح أقل.

الخضراوات تقلب اتجاه الأسعار

تكشف المقارنة بين شهري أغسطس/ آب وسبتمبر/ أيلول عن تحول واضح في حركة أسعار المواد الغذائية، بعدما انتقلت الخضراوات من تسجيل انخفاض شهري بنسبة 7% في أغسطس إلى ارتفاع بنسبة 15.1% في سبتمبر/ أيلول.

وبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفعت أسعار الفاكهة بنسبة 2.6% خلال سبتمبر/ أيلول، واللحوم والدواجن بنسبة 2.5%، والأسماك والمأكولات البحرية بنسبة 1.2%، إلى جانب زيادات متفاوتة في أسعار الحبوب والخبز والزيوت والدهون.

وعلى أساس سنوي، سجلت الخضراوات ارتفاعًا بنسبة 30.9%، بينما زادت أسعار الطعام والمشروبات بنسبة 7.9% مقارنة بسبتمبر من العام الماضي.

وتعكس هذه الأرقام حساسية التضخم المصري للتغيرات في أسعار الغذاء، خصوصًا أن ارتفاع المنتجات الطازجة ينعكس بصورة مباشرة على الإنفاق اليومي للأسر.

ويرى خبراء اقتصاديون أن القفزة الشهرية في أسعار الخضراوات لا تكفي وحدها للجزم ببدء موجة غلاء جديدة، إذ تتسم هذه المنتجات بتقلبات مرتبطة بالمواسم الزراعية وحجم المعروض وتكاليف النقل والتوزيع.

ويتوقف تحديد اتجاه الأسعار خلال الأشهر المقبلة على استمرار الارتفاعات وانتقالها إلى مجموعات سلعية أخرى، أو انحسارها مع تحسن المعروض في الأسواق.

لماذا يشعر المواطن بغلاء أكبر من معدل التضخم؟

رغم تسجيل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية 12.8%، فإن بعض بنود الإنفاق الأساسية ارتفعت بمعدلات تفوق هذا الرقم بصورة كبيرة.

فقد ارتفعت تكاليف المسكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود بنسبة 29.6% على أساس سنوي، بينما سجل النقل والمواصلات زيادة بنسبة 21.3%، والتعليم 20%.

وأظهرت البيانات ارتفاع الإيجار الفعلي للمسكن بنسبة 27.5%، والكهرباء والغاز ومواد الوقود الأخرى بنسبة 22.6%، وخدمات النقل بنسبة 24.4%.

فالتضخم العام يمثل متوسطًا مرجحًا لأسعار مجموعة واسعة من السلع والخدمات، بينما تختلف أعباء الغلاء بين الأسر وفقًا لتوزيع إنفاقها على الغذاء والسكن والتعليم والنقل.

كما أن انخفاض معدل التضخم لا يعني تراجع الأسعار إلى مستوياتها السابقة، وإنما يشير إلى تباطؤ وتيرة ارتفاعها، ما دام المعدل موجبًا، وتفسر هذه الفجوة بين المعدل العام ومعدلات ارتفاع بعض الخدمات الأساسية جانبًا من استمرار شعور الأسر بضغوط المعيشة.

التضخم في مصر يرتفع بالجمهورية ويتباطأ بالمدن.. سر مفارقة سبتمبر - صورة 2

ماذا يقول الخبراء عن مخاطر التضخم؟

حذرت تحليلات اقتصادية من أن تباطؤ التضخم السنوي لا يعني انتهاء الضغوط السعرية، خصوصًا مع استمرار المخاطر المرتبطة بالطاقة وأسعار الغذاء والتوترات الإقليمية.

وقالت نعمة الله شكري، رئيسة قطاع البحوث في بنك الاستثمار “إتش سي”، إن انخفاض أسعار الطعام والمشروبات خلال أغسطس ساهم في امتصاص أثر زيادات الكهرباء، في ظل الوزن النسبي الكبير للغذاء داخل سلة أسعار المستهلكين.

ويبلغ وزن الطعام والمشروبات نحو 38.9% من سلة مؤشر أسعار المستهلكين، مقابل 11.7% لمجموعات السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود.

وتوضح هذه الأوزان أهمية تحركات أسعار الغذاء في تفسير اتجاه التضخم، إذ يمكن لارتفاع أسعار الخضراوات والسلع الأساسية أن يرفع التضخم الشهري، حتى مع استمرار تباطؤ المؤشر السنوي في المدن بفعل المقارنة مع العام السابق.

ومن جانبها، حذرت إسراء أحمد، اقتصادي أول بوحدة البحوث بإحدى شركات الأوراق المالية، من استمرار الضغوط التضخمية رغم الهدوء النسبي في المؤشرات.

وربطت هذه المخاطر بالتوترات الجيوسياسية وانعكاساتها المحتملة على أسعار النفط والقمح والسلع العالمية، بما قد يخلق ضغوطًا إضافية على الأسعار المحلية.

أما هاني جنينة، رئيس وحدة البحوث بشركة الأهلي فاروس لتداول الأوراق المالية، فيرى أن أي زيادة في التضخم ناتجة عن رفع أسعار المحروقات يمكن أن تمثل صدمة مؤقتة من جانب العرض، ما لم تتزامن مع نمو في السيولة.

ورجح جنينة استمرار تثبيت أسعار الفائدة حتى نهاية العام، مستندًا إلى تباطؤ الطلب المحلي وارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية.

وتبرز أهمية هذه التقديرات مع تباين اتجاه التضخم بين الجمهورية والمدن، إذ لا تكفي قراءة منفردة للحكم على استمرار الضغوط السعرية أو انتهائها.

هل يؤجل ارتفاع الأسعار خفض الفائدة؟

تأتي بيانات التضخم الجديدة في وقت يواصل فيه البنك المركزي المصري اتباع سياسة نقدية حذرة، مع الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لاحتواء الضغوط السعرية.

وتبلغ فائدة الإيداع لليلة واحدة 19%، والإقراض 20%، وسعر العملية الرئيسية 19.5%، وفق المستويات التي أبقى عليها البنك المركزي في اجتماعه الأخير.

ورغم تباطؤ التضخم السنوي في المدن إلى 13.9%، فإن تسارع التضخم الشهري إلى 1.3% يبرز استمرار الضغوط على بعض السلع الأساسية، ما يجعل قراءة سبتمبر/ أيلول تحمل إشارات متباينة بالنسبة إلى السياسة النقدية.

وكان البنك المركزي قد توقع، في بيان لجنة السياسة النقدية الصادر يوم 24 سبتمبر/ أيلول، استقرار متوسط التضخم السنوي خلال الربع الثالث من 2026، قبل أن يبدأ في الانخفاض تدريجيًا، مقتربًا من مستهدف 7% بهامش نقطتين مئويتين صعودًا أو هبوطًا خلال النصف الثاني من 2027.

وحذر البنك من استمرار المخاطر الصعودية للتضخم نتيجة التوترات الإقليمية، واحتمالات انتقال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء العالمية إلى السوق المحلية.

وفي تحليل نشر يوم 6 أكتوبر/ تشرين الأول ، توقع مصطفى شفيع، مدير إدارة البحوث بشركة أسطول القابضة، أن يكون تحريك أسعار الوقود من أبرز العوامل المؤثرة في مسار التضخم خلال الفترة المقبلة، بسبب انعكاس تكاليف الطاقة على أسعار السلع والخدمات.

كما رأى الخبير الاقتصادي محمد أنيس أن التحركات السعرية قد تظل محدودة، مع مساهمة تأثير سنة الأساس في امتصاص جزء من الزيادات، مستبعدًا حدوث تغيرات حادة في معدل التضخم خلال الفترة الحالية.
وتزيد قراءة سبتمبر أهمية متابعة مؤشر التضخم الأساسي، الذي يستبعد السلع الغذائية شديدة التقلب والأسعار المحددة إداريًا، للمساعدة في تحديد اتجاه الضغوط السعرية الأكثر استدامة.