الرجل «اللطيف» في أوروبا محاصر بين روسيا و«الكأس المسموم»

حتى الرجل الذي يوصف بـ”اللطيف” في السياسة الأوروبية، لا يمكنه دائما تجنب الجدل حين يختار أن يتحرك في ملفات حساسة مثل العلاقة مع روسيا

إنه رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، الذي كان يُنظر إليه كأحد أكثر المسؤولين قدرة على بناء التوافق داخل الاتحاد الأوروبي، يواجه، بحسب صحيفة “بوليتيكو” أول موجة جدل كبيرة منذ توليه منصبه في ديسمبر/كانون الأول 2024.

يأتي ذلك قبل أشهر مهمة يتعين عليه خلالها قيادة مفاوضات صعبة بشأن الميزانية الأوروبية القادمة الممتدة لسبع سنوات، والتي تتطلب توافق الدول الـ27 الأعضاء.

وبحسب ما نقلته “بوليتيكو” عن دبلوماسيين أوروبيين، فإن سبب الجدل يعود إلى تواصل غير معلن من جانب رئيس موظفيه مع مسؤولين روس، وهو ما اعتبره البعض خروجا عن سياسة الصمت الدبلوماسي المستمر بين الاتحاد الأوروبي وموسكو منذ سنوات.

وأشارت الصحيفة إلى أنه منذ توليه منصبه عام 2024، لم يحظَ كوستا إلا بالثناء من القادة الذين يمثلهم ويعتمد على دعمهم. لكن موجة من الاستياء بدأت تظهر خلال الأشهر القليلة الماضية، وبرزت في قمة ترأسها الأسبوع الماضي، عبر اتصال رئيس ديوانه المفاجئ بمسؤولين روس، والذي كسر سنوات من الصمت الدبلوماسي بين الاتحاد الأوروبي وموسكو.

اصطفاف.. ولكن

علنيا، اصطف القادة للدفاع عنه، إذ قال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، إن الاتصال بروسيا كان “مفهومًا”.

في حين وصفه رئيس الوزراء البلجيكي، بارت دي ويفر، بأنه “أمر طبيعي تمامًا”، بل إنه مازح كوستا أمام الكاميرات قائلا إن الاتحاد الأوروبي يجب أن يرسله شخصيا إلى موسكو.

لكن وراء الكواليس، كان الاستياء واضحا، وفقا لما ذكره تسعة دبلوماسيين يعملون لدى تسعة قادة مختلفين، لـ«بوليتيكو».

“كوستا سار على نهج ميشيل”، ربما كان هذا التقييم الأكثر صعوبة من أحد هؤلاء الدبلوماسيين، في إشارة إلى تشارلز ميشيل، سلف كوستا ورئيس الوزراء البلجيكي السابق، الذي اعتبره العديد من القادة دون المستوى المطلوب خلال فترة توليه المنصب من 2019 إلى 2024.

وكان ميشيل معروفا بمبالغته في استخدام نفوذه ومحاولته وضع السياسات دون استشارة الدول الأعضاء.

وكان رئيس الوزراء الإستوني كريستين ميشال الأكثر صراحة علنا، حيث وصف خطوة كوستا بأنها “خاطئة”.

وجادل بأن الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يكون وسيطا في الصراع، وداعما لأوكرانيا في آن واحد.

بدوره، قال الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا لوكالة “بلومبرغ”: “لا أعتقد أن الوقت الحالي هو الوقت المناسب لبدء مفاوضات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين”.

وسرا، أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، عن عدم رضاهما على خطوة كوستا. كما بدا غضب زعيم آخر واضحا أثناء حديثه مع الصحفيين في اجتماع خاص. وفق المصدر نفسه.

مبرر كوستا

وكان مكتب كوستا قد أصر الأسبوع الماضي على أن التواصل مع الكرملين لم يكن محاولة لبدء مفاوضات أو التوسط بين روسيا وأوكرانيا، بل كان يهدف إلى المساهمة في فتح قناة اتصال حتى يكون الاتحاد الأوروبي جاهزاً إذا ما قرر بوتين، إجراء محادثات السلام.

ووفق بوليتيكو، فإن هذه الجدل قد يكون له تداعيات، ليس فقط على فرص فوز كوستا بولاية أخرى مدتها سنتان ونصف ، حيث يختار قادة دول التكتل من يتولى هذا المنصب، بل أيضًا على قدرته على كسب ثقة الحكومات في الوقت الذي يشرف فيه على واحدة من أصعب المفاوضات الداخلية في الاتحاد الأوروبي: الميزانية البالغ قيمتها 2 تريليون يورو.

ويخوض كوستا سباقا مع الزمن، لأن الكثيرين في الاتحاد الأوروبي يعتقدون أنه بحاجة إلى التوصل إلى اتفاق قبل إجراء عدة انتخابات مهمة في عام 2027، وأبرزها الانتخابات الرئاسية في فرنسا في أبريل/نيسان.

وإذا أسفرت تلك الانتخابات عن وصول رئيس دولة من أقصى اليمين إلى السلطة، فمن المرجح أن يكون أقل استعدادا للتنازلات.

هنا، قال أحد الدبلوماسيين: “أمام كوستا بضعة أشهر حافلة”.

الأكثر صراحة

مع تقلب القضايا، وانشغال القادة من مختلف الأطياف السياسية بشؤونهم الداخلية، غالبا ما يبدو منصب رئيس المجلس الأوروبي بمثابة “كأس مسموم” على حد وصف الصحيفة. خاصة مع تداخله مع دور رئيس المفوضية الأوروبية، لا سيما فيما يتعلق بمن يمثل الاتحاد الأوروبي على الساحة العالمية.

في المقابل، وقع على عاتق رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو، الذي غالبا ما يُعد أحد أكثر قادة الاتحاد الأوروبيين تمردا، تقديم الدعم لكوستا.

وقال فيكو بشأن مبادرة التقارب مع روسيا: “أنا أؤيد رئيس المجلس الأوروبي وأرحب بخطوة فريقه في هذا الاتجاه. هناك العديد من رؤساء الوزراء الذين يشاطرونني هذا الرأي، وأنا على الأرجح أحد أكثرهم صراحةً بينهم”.

وبحسب الصحيفة، ربما سيرحب كوستا بهذا الدعم، لكنه لن يكون سعيدا بالانقسام الذي ينطوي عليه هذا الموقف حول طاولة المجلس الأوروبي.