العراق يخطط لشراء ناقلات نفط عملاقة.. شكوك حول الجدوى الاقتصادية

العراق يخطط لشراء ناقلات نفط عملاقة.. شكوك حول الجدوى الاقتصادية

أعلنت وزارة النفط العراقية عن سعيها للحصول على مخصصات مالية لشراء ناقلات جديدة، في خطوة تقول إنها تستهدف دعم عمليات التصدير وتعظيم العوائد.

وتأتي الخطوة في ظل أزمة مضيق هرمز واضطراب حركة الشحن في الخليج، لكن خبراء طرحوا تساؤلات بشأن الجدوى الاقتصادية للمشروع، وكلفته، وتوقيته، ومدى قدرته فعلياً على حماية صادرات العراق في الأزمات.

نقل الخام خارج هرمز

وأكد وزير النفط باسم محمد خضير، السبت، أن الوزارة تعمل بالتنسيق مع الحكومة لتوفير التخصيصات المالية اللازمة لشراء ناقلات لصالح شركة ناقلات النفط العراقية، بما يمكّن الشركة من تنفيذ عمليات نقل الخام، معتبراً أن امتلاك الناقلات سيدعم التصدير ويحقق جدوى اقتصادية ويسهم في تعظيم العوائد المالية.

ويمتلك العراق تاريخاً في مجال النقل البحري للنفط، إذ سبق لشركة ناقلات النفط العراقية أن امتلكت 23 ناقلة قبل أن يتراجع أسطولها على مدى العقود الماضية بفعل الحروب والعقوبات وما رافقها من أضرار وتوقف لعمليات التطوير والتجديد.

ويقتصر الأسطول حالياً على 6 ناقلات محدودة السعة تستخدم أساساً لنقل المنتجات النفطية، فيما يفتقر العراق إلى ناقلات الخام العملاقة. وتسعى وزارة النفط إلى شراء ناقلات حديثة بسعات تصل إلى مليون ومليوني برميل، في محاولة لإعادة بناء قدرات العراق في النقل البحري والمشاركة في نقل جزء من صادراته النفطية.

ويأتي التحرك في وقت كشفت فيه أزمة هرمز عن حجم المخاطر التي يواجهها بلد يعتمد بصورة كبيرة على منفذه البحري الجنوبي لتصدير النفط، لكنه يفتح في المقابل نقاشاً اقتصادياً حول سؤال أساسي: هل يحتاج العراق إلى استثمار مئات الملايين وربما مليارات الدولارات في بناء أسطول وطني، أم أن استئجار الناقلات من السوق العالمية يبقى أكثر مرونة وجدوى؟

العراق يخطط لشراء ناقلات نفط عملاقة.. شكوك حول الجدوى الاقتصادية - صورة 1

مشروع للمستقبل

يرى المختص في قطاع النفط والطاقة والمتحدث السابق باسم وزارة النفط عاصم جهاد أن أزمة مضيق هرمز كشفت بوضوح هشاشة الاعتماد الكبير على منفذ تصديري واحد، وأعادت إلى الواجهة أهمية امتلاك العراق قدرات وطنية في مجال النقل البحري.

لكنه شدد في تصريحات خاصة لـ”العين الإخبارية”، على ضرورة الفصل بين الأهمية الاستراتيجية للمشروع وبين تقديمه باعتباره حلاً للأزمة الراهنة.

ويقول جهاد إن تصريح وزير النفط نفسه يشير إلى أن الوزارة لا تزال في مرحلة السعي لتوفير التخصيصات المالية بالتنسيق مع الحكومة، ما يعني أن الجانب التمويلي والتنفيذي لم يُحسم بعد، خصوصاً في ظل وجود أولويات إنفاق حكومية أخرى.

ويضيف أن إنشاء أسطول حقيقي، ولا سيما إذا تضمن ناقلات النفط الخام العملاقة المعروفة بـ«VLCC» والقادرة على حمل أكثر من مليوني برميل، يحتاج إلى استثمارات ضخمة.

وبحسب تقديرات عاصم جهاد، يتراوح سعر الناقلة الجديدة من هذا النوع حالياً بين 120 و150 مليون دولار أو أكثر تبعاً للمواصفات، بينما قد يستغرق تنفيذ طلبات البناء الجديدة بين عامين وأربعة أعوام وربما أكثر.

ويقول إن ذلك يجعل الحديث عن الأسطول «جزءاً من التخطيط الاستراتيجي للمستقبل»، وليس استجابة سريعة يمكن من خلالها تجاوز أزمة هرمز الحالية.

فبين قرار الشراء ودخول الناقلة الخدمة توجد مراحل التمويل والتعاقد والبناء والتجهيز، إلى جانب بناء المنظومة المؤسسية والفنية والتجارية التي تتولى إدارة الأسطول.

العراق يخطط لشراء ناقلات نفط عملاقة.. شكوك حول الجدوى الاقتصادية - صورة 2

لماذا يحتاج العراق إلى ناقلاته؟

رغم هذه التحفظات، يرى المتحدث السابق لوزارة النفط العراقية أن امتلاك العراق أسطولاً وطنياً يبقى مهماً من الناحيتين الاستراتيجية والاقتصادية.

ويقول إن الأسطول يمنح العراق قدراً أكبر من السيطرة على حلقة النقل البحري ويخفف اعتماده الكامل على الشركات الأجنبية، فضلاً عن توفير مرونة أكبر عند اضطراب أسواق الشحن العالمية أو حدوث أزمات في الممرات البحرية.

لكن الهدف، بحسبه، لا ينبغي أن يكون نقل جميع صادرات العراق بواسطة ناقلات وطنية. ويضيف أن المطلوب هو بناء أسطول «بحجم مدروس» يتناسب مع القدرة المالية للعراق وطبيعة نشاطه التجاري، بحيث يكون أداة مساندة لمنظومة التصدير وليس بديلاً كاملاً عن الآليات التجارية القائمة.

وهذا يعني أن السؤال لا يتعلق بعدد الناقلات فقط، وإنما بالنسبة التي يريد العراق نقلها من صادراته بنفسه، والأسواق التي ستتوجه إليها السفن، وطبيعة العقود التي ستعمل بموجبها، وكيفية تشغيل الناقلات في الأوقات التي لا تكون فيها مطلوبة لنقل الخام العراقي.

العراق يخطط لشراء ناقلات نفط عملاقة.. شكوك حول الجدوى الاقتصادية - صورة 3

هل الشراء أوفر من الاستئجار؟

وفي هذه النقطة يصبح الملف أكثر تعقيداً. فعاصم جهاد يؤكد أن شراء السفن ليس بالضرورة أكثر جدوى في جميع الظروف، إذ يحتاج امتلاك الناقلة إلى رأس مال كبير، فضلاً عن تكاليف التشغيل والصيانة والتأمين، بينما يمنح الاستئجار مرونة أكبر في الاستجابة لتغيرات السوق.

كما يشير إلى أن طريقة تسويق جزء مهم من النفط العراقي تجعل المشتري مسؤولاً عن توفير الناقلة وتحمل تكاليف الشحن والتأمين، وبالتالي لا يمكن احتساب جميع أجور النقل الحالية وكأنها أموال ستوفرها الخزينة بمجرد امتلاك العراق ناقلاته الخاصة.

وبالتالي، فإن الجدوى الاقتصادية للأسطول لا ينبغي قياسها بمعادلة بسيطة تقوم على «شراء الناقلة بدلاً من دفع أجرة السفينة».

ويرى أن الفائدة قد تظهر بصورة أوضح في منح العراق مرونة تجارية واستراتيجية وتحسين قدرته التفاوضية، أو في الصفقات التي يتحمل فيها الجانب العراقي مسؤولية النقل إلى نقطة معينة. وبذلك يمكن أن يعمل الأسطول الوطني إلى جانب نظام التسويق الحالي، لا أن يحل محله بالكامل.

السوق تغير 

لكن الباحث والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي زياد الهاشمي يذهب أبعد في تحفظه، إذ يقول إنه لا يشجع، من منظور اقتصاديات النقل، على التوسع في شراء الناقلات في الظروف الحالية.

وحذر في تصريحات خاصة لـ”العين الإخبارية”، من اتخاذ قرار استراتيجي طويل الأجل استناداً إلى وضع طارئ واستثنائي تمر به المنطقة.

ويقول الهاشمي إن المشروع الاستراتيجي ينبغي أن تثبت جدواه في السلم والحرب، وفي ظروف الاستقرار والاضطراب، لا أن يبنى على أسعار الشحن والظروف الأمنية الاستثنائية الحالية.

ويشير إلى أن سوق نقل الطاقة في الظروف الطبيعية شهد وفرة كبيرة في الناقلات ومنافسة شديدة بين شركات الشحن للحصول على الحمولات، وهو ما ضغط على هوامش الأرباح.

وبحسب الهاشمي، كانت أرباح التشغيل في بعض الفترات محدودة، بل إن بعض مالكي السفن اضطروا إلى تشغيل ناقلاتهم بعوائد شديدة الانخفاض أو حتى بخسارة لتجنب الكلفة الأعلى الناتجة عن إبقائها متوقفة.

وهنا يبرز اختلاف أساسي بين تجربة العراق القديمة والواقع التجاري الحالي. فحين كان العراق يمتلك أسطولاً كبيراً في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كانت أنماط بيع النفط مختلفة، وكان المنتج يتحمل في بعض الصفقات مسؤولية إيصال النفط إلى المشتري.

أما اليوم، فيشير الهاشمي إلى أن المشترين يرتبون في جانب مهم من تجارة النفط العراقية عمليات النقل بأنفسهم.

منافسة مع شركات الشحن العالمية

وتبرز هنا مشكلة أخرى أمام أي أسطول عراقي جديد: من سيضمن له الحمولات؟ فالهاشمي يرى أن العراق لا يستطيع ببساطة إلزام المصافي الأجنبية باستخدام ناقلاته إذا كانت شروط البيع تجعل المشتري مسؤولاً عن النقل.

ويشير الهاشمي إلى أن شركات النقل الوطنية الناجحة في دول أخرى بنت على مدى سنوات علاقات تجارية وعقوداً طويلة الأجل، ولم تحصر نشاطها في نقل النفط الوطني فقط، بل استخدمت أساطيلها لنقل النفط بين أسواق ومنشآت مختلفة حول العالم.

وهذا النموذج، بحسب رأيه، يتطلب شبكة تجارية دولية واسعة وخبرة في إدارة السفن وتسويق خدمات النقل، وليس مجرد توفير الأموال لشراء الناقلات.

الأسطول ليس سفناً فقط

ويتفق الخبيران، رغم اختلافهما بشأن جدوى التوسع، على أن بناء أسطول وطني لا ينتهي عند شراء السفن. فإدارة ناقلات نفط عملاقة تتطلب أطقم بحرية مؤهلة، وأنظمة للصيانة والتأمين والسلامة، وإدارة تجارية دولية، وخدمات بحرية متخصصة، والالتزام بمعايير وتشريعات النقل البحري العالمية.

ويقول عاصم جهاد إن العراق قادر فنياً على تحميل الناقلات الكبيرة من الموانئ الجنوبية والعوامات البحرية، لكنه يحتاج إلى تطوير منظومة أوسع إذا أراد إدارة أسطول عالمي منافس.

ويختصر المسألة بالقول إن العراق لا يحتاج إلى «شراء سفن فقط»، وإنما إلى بناء صناعة نقل بحري متكاملة.

أما الهاشمي فيلفت إلى تحديات تتعلق بتوفر الكوادر البحرية والإدارية والفنية القادرة على تشغيل أسطول كبير، محذراً من أن اللجوء الواسع إلى أطقم أجنبية سيقلل جزءاً من الأثر المتوقع للمشروع في خلق فرص وتأهيل كوادر عراقية.

هل تحمي الناقلات العراق في أزمات هرمز؟

قد يبدو امتلاك ناقلات وطنية وسيلة طبيعية لمواجهة أزمات الشحن، لكن الخبيرين يحذران من تبسيط هذه العلاقة.

فالمسؤول السابق في وزارة النفط العراقية يؤكد أن شراء الناقلات لن يقدم حلاً فورياً للأزمة الحالية لأن توفير التمويل والبناء والتجهيز والتشغيل يحتاج سنوات.

أما في الأزمات المستقبلية، فقد يمنح الأسطول العراق خيارات إضافية ومرونة تجارية، لكنه لا يحل مشكلة إغلاق الممر البحري نفسه.

فإذا أصبح المضيق غير صالح للملاحة أو ارتفعت المخاطر الأمنية إلى مستويات كبيرة، فإن ملكية السفينة لا تلغي الخطر الجغرافي والأمني الذي تواجهه.

ومن جهته، يقدم الهاشمي حجة مختلفة، إذ يرى أن الأزمات العسكرية قد تجعل حماية الأصول الوطنية سبباً لعدم استخدام الأسطول الحكومي بكثافة في المناطق الخطرة، واللجوء بدلاً من ذلك إلى سفن مستأجرة تتحمل شركاتها جانباً من المخاطر وفق ترتيبات التأمين والتعاقد.

ولهذا يفضل الهاشمي أن يركز العراق على خيار استئجار الناقلات عند الحاجة بدلاً من الدخول سريعاً في برنامج شراء واسع ومكلف.

دراسة الجدوى أولاً

وفي ضوء هذه التحديات، يدعو عاصم جهاد إلى الانتقال من طرح فكرة شراء الناقلات إلى إعداد دراسة مالية وتجارية متكاملة تحدد عدد الناقلات التي يحتاجها العراق وأحجامها وآليات تمويلها ونسبة الصادرات التي يمكن أن تتولى نقلها، فضلاً عن كيفية تشغيلها تجارياً.

ويرى أن المشروع مهم استراتيجياً، لكنه يحتاج إلى وقت وموارد مالية وترتيبات مؤسسية وتشغيلية، وينبغي ألا يأتي تمويله على حساب أولويات أكثر إلحاحاً، مؤكداً أن أهميته تكمن في تعزيز قدرات العراق المستقبلية وليس في معالجة أزمة هرمز الحالية.

في المقابل، يدعو زياد الهاشمي إلى دراسة سوق النقل البحري ومقارنة كلفة شراء الناقلات وتشغيلها بخيار الاستئجار قبل اتخاذ قرار باستثمار مبالغ كبيرة في إنشاء أسطول جديد، معتبراً أن الاستئجار قد يمنح العراق مرونة أكبر في التعامل مع تقلبات السوق والمخاطر الأمنية.

وبين الحاجة إلى تعزيز قدرات العراق في النقل البحري والتحفظات المتعلقة بالكلفة وطبيعة سوق الشحن، تبقى الجدوى الاقتصادية والتشغيلية هي العامل الحاسم في تحديد حجم الأسطول الذي يحتاجه العراق والطريقة الأنسب لبنائه.

الأسطول المختلط.. خيار أكثر مرونة

بدوره، يرى محلل أسواق الطاقة “إحسان يوسف البطاط”، أن الخيار الأكثر واقعية للعراق قد يكون اعتماد أسطول مختلط، يقوم على امتلاك عدد محدود من الناقلات الاستراتيجية، مع استمرار استئجار الناقلات من السوق العالمية بحسب الحاجة.

ويشير في حديثه لـ”العين الإخبارية”، إلى أن هذا النموذج يمنح العراق مرونة أكبر في أوقات الأزمات وارتفاع أجور الشحن، من دون تحميل الموازنة كلفة إنشاء وتشغيل أسطول ضخم قد لا يعمل بكامل طاقته في الظروف الطبيعية.

ويضيف أن التوسع في شراء الناقلات ينبغي أن يكون تدريجياً ومبنياً على الجدوى الاقتصادية وحجم التشغيل الفعلي، مؤكداً أن نجاح الأسطول لا يقاس بعدد السفن التي يمتلكها العراق، بل بقدرته على تشغيلها بكفاءة وتحقيق عوائد منها.