عادت لغة البرمجة PHP إلى الواجهة بعد نحو 30 عاما من ابتكارها، في أعقاب الكشف عن ثغرتين خطيرتين أثارتا مخاوف بشأن ملايين المواقع الإلكترونية التي تعتمد على اللغة التي يطلق عليها “العمود الفقري للإنترنت”، ومن بينها مواقع حكومية ومؤسسات دولية.
وحاليا، تسارع الحكومات والشركات حول العالم إلى إصلاح ثغرات في مواقعها الإلكترونية، أو تعطيل هذه المواقع مؤقتاً إلى حين معالجتها، وذلك عقب اكتشاف عيوب أمنية جسيمة في لغة “بي إتش بي” البرمجية، وهي برمجية تشكل ركيزة أساسية لجزء كبير من شبكة الإنترنت.
وذكرت شركة “أوبن إيه آي”، التي استُخدمت نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها للكشف عن هذه الثغرات، في تدوينة لها، أن هذه المشكلة تُعد “واحدة من أكثر الثغرات الأمنية تأثيراً في الآونة الأخيرة”، نظراً للانتشار الواسع لاستخدام “PHP “.
- ثغرة PHP تكشف عن هشاشة الأمن السيبراني في بريطانيا.. خسائر بالمليارات
ما هي لغة PHP؟
حسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، تُعد PHP ، وهي اختصار لـ PHP: Hypertext Preprocessor، لغة برمجة مفتوحة المصدر، يعود تاريخها إلى عقود مضت، وتُستخدم لبناء وتشغيل تطبيقات الويب.
وتشير بعض التقديرات إلى أن نحو 70% من إجمالي مواقع وتطبيقات الويب تعتمد على هذه اللغة.
وتدخل PHP كعنصر أساسي في العديد من الخدمات، مثل أنظمة إدارة المحتوى، مثل ووردبريس، ودروبال، التي تساعد في إدارة المواقع الإلكترونية.
ونظراً إلى أن PHP تمثل نوعاً من الكود البرمجي الأساسي المدمج في منصات كثيرة، يمكن اعتبارها بمثابة بنية تحتية رقمية غير مرئية، فقد لا تدرك العديد من الشركات أنها تعتمد في عملها على هذه اللغة.
لماذا تستخدم المواقع PHP رغم عمرها الطويل؟
هناك 5 أسباب رئيسية لاستخام هذه اللغة رغم مرور أكثر من 30 عاما على ابتكارها سنة 1994:
انتشار WordPress
يعتمد WordPress على PHP، وهو مستخدم في نسبة كبيرة من مواقع الإنترنت. تغيير اللغة يعني في حالات كثيرة إعادة بناء أجزاء من النظام أو استبدال المنصة كاملة، وليس مجرد تعديل سطر برمجي.
التكلفة المنخفضة
PHP مجانية ومفتوحة المصدر، ومتاحة لدى معظم شركات الاستضافة التقليدية. ويمكن تشغيل مواقع بها دون الحاجة إلى بنية تحتية معقدة.
إرث برمجي ضخم
توجد مواقع تعمل منذ سنوات طويلة، ولها إضافات وقوالب وتكاملات مخصصة. نقلها إلى تقنية أخرى مكلف وقد يسبب أعطالًا جديدة.
سهولة التطوير والتوظيف
يستطيع المطورون بناء مواقع ديناميكية بسرعة باستخدام PHP، مع توافر مكتبات وأطر عمل وخبرات متراكمة.
اللغة تتطور باستمرار
عمر PHP لا يعني أن كل إصداراتها قديمة. فقد تطورت اللغة وأداؤها وأدواتها، لكن المشكلة تظهر عندما تستمر المؤسسات في تشغيل إصدارات غير مدعومة أو تهمل تحديث مكوناتها.
ابتكار لغة PHP.. سبب بسيط وانتشار غير متوقع
في عام 1994، لم يكن المبرمج الدنماركي الكندي راسموس ليردورف يتخيل أنه يضع حجر الأساس لإحدى أكثر لغات البرمجة انتشارًا في العالم؛ فكل ما أراده ببساطة هو إنشاء أدوات تساعده على متابعة زوار صفحته الشخصية على الإنترنت!
لكن هذه الفكرة الصغيرة تطورت بمرور الوقت إلى لغة PHP، التي أصبحت اليوم تشغّل نسبة ضخمة من مواقع الويب.
كيف تم اكتشاف الثغرة؟
اكتشف باحثون أمنيون ثغرات في لغة البرمجة يُمكن استغلالها من قِبل مُهاجم خارجي. وتم تحديد هذه الثغرة، التي ظلت مخفية في البرنامج لسنوات، من قِبل باحثين في شركة “كليف”، وهي شركة أمريكية صغيرة متخصصة في الأمن السيبراني، باستخدام نموذج GPT-5.6 Sol من شركة OpenAI.
كما أبلغ باحثون من شركة “ويز”، وهي شركة أمن إسرائيلية أمريكية تابعة لشركة غوغل، بشكل مستقل عن هذه الثغرات.
وتُعد هذه الثغرة الأحدث التي يتم اكتشافها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، والتي حذر خبراء الأمن السيبراني من فعاليتها الخطيرة في اكتشاف الثغرات واستغلالها كسلاح.
وفي منشور لها على مدونتها، ذكرت OpenAI أن اكتشاف ثغرة PHP يُسلط الضوء على “كيف يُمكن للذكاء الاصطناعي الكشف عن ثغرات أمنية ذات تأثير واسع النطاق على الإنترنت، ولكن هذه القدرات نفسها يُمكن أن تُساعد المُهاجمين على تطوير أدوات هجومية واستغلالها بسرعة”.
وأضافت الشركة أنه، على حد علمها، “اكتشف الذكاء الاصطناعي المتطور هذه الثغرات قبل أن يكتشفها المُهاجمون”.
ما هي المخاطر؟
نظراً لأن لغة PHP تُشغّل جزءاً كبيراً من شبكة الإنترنت، يساور خبراء الأمن قلقٌ من إمكانية تحرّك القراصنة بسرعة ضد الأنظمة التي لم تُطبَّق عليها التحديثات الأمنية، إذ قد يتلاعبون بآلية عمل هذه الأنظمة ويسرقون البيانات الخاصة المخزنة فيها.
كما حذّر الخبراء من أن إتاحة التفاصيل التقنية للجمهور تُمكّن الجهات الخبيثة من إجراء “هندسة عكسية” للتحديثات الأمنية، مما يتيح لهم تكثيف محاولاتهم لاستغلال الثغرة بشكل سريع.
وهذا يخلق سباقاً ملحاً بشكل غير معتاد لتحديث الأنظمة، فبينما يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي المساعدة في رصد الثغرات، يمكن استخدامها أيضاً لاستهداف العديد من الضحايا في آنٍ واحد.
وقد ازدادت تعقيدات الكشف عن ثغرات “PHP” بسبب تسريب حدث قبل صدور التحديث الأمني، إذ وردت تفاصيل هذه الثغرات يوم الثلاثاء في منشور على أحد منتديات القراصنة، مما دفع المؤسسة غير الربحية التي تشرف على هذا البرنامج إلى إصدار التحديث قبل موعده المقرر بيوم واحد.
هل بدأت هجمات بالفعل؟
بدأ المدافعون والمخترقون سباقاً لحماية الأنظمة أو اختراقها يوم الأربعاء، تزامناً مع إصدار التحديث الأمني.
لكن ظهرت مؤشرات على تسريبٍ حدث في وقتٍ أبكر، من قِبل مجموعة من الباحثين الأمنيين الذين كانوا يعملون على إعداد هذا التحديث.
وفي وقتٍ متأخر من يوم الأربعاء، كشفت شركة “أمازون”، عبر تدوينةٍ لها، عن بياناتٍ تُظهر أن جهةً مجهولةً استخدمت ثغرة “PHP” ضد شبكة فخ، وهي نظامٌ وهميٌّ تستخدمه الشركة لاستدراج المهاجمين، وذلك قبل أربعة أيامٍ من إصدار التحديث.
ورغم أن هوية المهاجم لا تزال مجهولة، إلا أن هذا النشاط المبكر يشير إلى أن المخترقين ربما كانوا يجهزون لهجماتهم قبل أيامٍ من طرح التحديث الأمني.
وذكر “سي. جي. موسيس”، كبير مسؤولي أمن المعلومات في “أمازون”، في التدوينة ذاتها، “لا يزال من غير الواضح كيف حصلت هذه الجهة على معلوماتٍ حول الثغرة قبل الكشف عنها”.
ما هي المواقع التي تأثرت بالثغرة؟
بحسب تقرير نيويورك تايمز، كل المواقع التي تعتمد على لغة “بي إتش بي” كانت معرضة للخطر، وهو ما يشمل جزءاً كبيراً من شبكة الإنترنت.
وذكر ماثيو برينس، الرئيس التنفيذي لشركة “كلاود فلير”، التي تساعد المواقع الإلكترونية في تأمين وإدارة حركة المرور عبر الإنترنت، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الأربعاء، أن الشركة “رصدت آلاف المحاولات لاستغلال” هذه الثغرة في الساعات التي سبقت الإعلان عنها علنًا.
وأضاف برينس: “ارتفع هذا العدد إلى عشرات الآلاف خلال 45 دقيقة من الإعلان، ثم إلى مئات الآلاف في غضون ساعتين، ووصل الآن إلى الملايين”.
وقد توقفت عدة مواقع حكومية في أوروبا وآسيا عن العمل كإجراء احترازي.
كما قامت الوكالة الهولندية للأمن السيبراني، ومؤسسة “إنترنت أرشيف”، والجهة المشغلة لموقع “ويكيبيديا”، بإيقاف عدد من أنظمتها.
وفي بريطانيا، أعلن مكتب رئيس الوزراء أن بعض الخدمات الحكومية قد تكون خارج الخدمة اليوم الجمعة.
وفي صباح يوم الخميس، ظهرت رسالة لمستخدمي الموقع الإلكتروني للحكومة الفنلندية تفيد بأن، “المواقع الحكومية غير متاحة كلياً أو جزئياً، نحن نعمل حالياً على حل المشكلة، يرجى المحاولة مجدداً بعد قليل”.
وحثت الوزيرة اليابانية ساناي تاكايتشي القائمين على المواقع التي تعتمد على “بي إتش بي”، على تطبيق التحديث الأمني، في أقرب وقت ممكن.
- تأثر 70% من مواقع إلكترونية حول العالم.. ثغرات خطيرة في «PHP»
وأشارت عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى أنه بالنسبة لأولئك الذين لا يستطيعون القيام بذلك فوراً، فإن التعليق المؤقت للمواقع أو اتخاذ تدابير مماثلة قد يكون فعالاً في تقليل المخاطر.
هل يتعين على مستخدمي الإنترنت العاديين أن يشعروا بالقلق؟
ونظراً للانتشار الواسع للغة “PHP”، فقد تطول الأضرار الجانبية المستخدمين العاديين، الذين تعتمد بياناتهم الشخصية وخدماتهم الحيوية عبر الإنترنت على بقاء المواقع الإلكترونية آمنة.
وقد يواجه المستهلكون اضطرابات في الوصول إلى بعض الخدمات التجارية أو الحكومية عبر الإنترنت خلال الأيام المقبلة.


