مانويلا شفيسيغ، السياسية الشهيرة المنتمية إلى يسار الوسط، على وشك إيقاف زحف أقصى اليمين في مناطق ألمانيا الشرقية السابقة.
إلا أن نجاحها يأتي بثمن باهظ بالنسبة للمستشار فريدريش ميرتس الذي يواجه صعوبات، وللتحالف الحاكم المأزوم على المستوى الوطني، والذي يساعد حزبها في الحفاظ عليه، وفق مجلة بوليتيكو الأمريكية.
قبل الانتخابات المقررة يوم الأحد في ولاية مكلنبورغ-بوميرانيا الغربية شمال شرق ألمانيا، تمكنت شفيسيغ، رئيسة وزراء الولاية الحالية والمرشحة الرئيسية للحزب الاشتراكي الديمقراطي (يسار وسط)، من تضييق الفارق مع حزب «البديل من أجل ألمانيا» (أقصى اليمين) إلى بضع نقاط مئوية فقط في بعض استطلاعات الرأي.
ويُعد ذلك مؤشراً على مدى تراجع الأحزاب الرئيسية في مناطق واسعة من ألمانيا، حيث تُعتبر شفيسيغ نجاحاً نادراً وملفتاً للنظر لمجرد تمكنها من إبقاء حزبها الاشتراكي الديمقراطي، وهو حزب عانى من سلسلة من الهزائم التاريخية، في نطاق القدرة على هزيمة أقصى اليمين يوم الأحد المقبل، في ما سيشكل مفاجأة كبرى.
وجاء في عنوان أحد المقالات في مجلة «دير شبيغل» الألمانية ذائعة الصيت: «مانويلا شفيسيغ قد تكون منقذة ألمانيا».
وقد حققت شفيسيغ، وهي مفتشة ضرائب سابقة صعدت لتصبح واحدة من أكثر السياسيين شعبية في ألمانيا، نجاحًا كبيرًا من خلال تصوير نفسها على أنها حصن ضد أقصى اليمين، مستخدمةً شعار «Frau gegen Blau»، «المرأة ضد الأزرق»، في إشارة إلى لون حزب البديل.
ولدعم قضيتها، هاجمت مرارًا ميرتس الذي يعاني من عدم شعبية شديدة، ووصفته بأنه بعيد عن واقع الناس العاديين وصعوباتهم المالية، مُظهرةً بذلك نزعة شعبوية تُبعدها عن الائتلاف الفيدرالي الحاكم الذي عانى تاريخيًا من عدم الشعبية،
وتُضعف في الوقت نفسه قدرة حزب البديل على الاستفادة من المشاعر المعادية لميرتس المنتشرة على نطاق واسع، والتي أدت لفوز الأول في الانتخابات الإقليمية في ساكسونيا-أنهالت في وقت سابق من هذا الشهر، وفق التقرير.
ونجح نهج شفيسيغ فعليًّا في تحويل الانتخابات في ولايتها إلى سباق بين حزبين، مما أضعف بشكل كبير المحافظين التابعين لميرتس.
وتجلت استراتيجيتها بوضوح خلال «حوار مع المواطنين» مع بضع مئات من المؤيدين، أُقيم في خيمة على ضفاف المياه في مدينة روستوك الساحلية في إحدى أمسيات هذا الأسبوع.
وعندما سألها أحد الحاضرين عما ستفعله لوقف ارتفاع أسعار البنزين، وصفت شفيسيغ، التي كانت ترتدي الزي الأحمر لحزبها (الحزب الاشتراكي الديمقراطي)، فشل ميرتس في فرض سقف سعري لخفض التكاليف على المستهلكين في ولايتها الريفية، حيث يضطر الناس غالبًا إلى قطع مسافات طويلة بالسيارة للوصول إلى أماكن عملهم، بأنه «أمر غير مقبول على الإطلاق».
وقالت: «أنا غاضبة جدًّا من المستشار ميرتس».
تحد غير مسبوق
وبصفة عامة، يشكل نجاح شفيسيغ تحديًا غير مسبوق للمحافظين بقيادة ميرتس، وقد يعجل بانهيار الائتلاف الذي يشارك فيه مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
وتُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن نسبة التأييد لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ بقيادة ميرتس قد تراجعت بشكل حاد إلى حوالي 7% في ولاية مكلنبورغ-بوميرانيا الغربية خلال الأيام القليلة الماضية، في ظل تحول السباق الانتخابي بشكل متزايد إلى منافسة بين أقوى مرشح من التيار السائد وأقصى اليمين.
ويشكل هذا المستوى من التأييد لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي بالفعل أسوأ نتيجة يحققها الحزب في أي انتخابات ولائية أو اتحادية في تاريخ ألمانيا ما بعد الحرب.
ومن شأن أي انخفاض إضافي أن يعرض الحزب لخطر عدم تجاوز عتبة الـ5% من الأصوات المطلوبة لدخول برلمان الولاية.
ومن شبه المؤكد أن انهيار حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي بهذا الحجم سيؤجج الجدل الداخلي الذي يدور منذ الصيف حول استبدال ميرتس في ما يُعرف بـ«Kanzlertausch» (تبديل المستشار)، بحسب بوليتيكو.
ويلقي القادة المحافظون باللوم على حملة شفيسيغ «Frau gegen Blau» (امرأة ضد الأزرق) لكونها أخرجتهم فعليًا من السباق في الولاية، حيث يتجمع الناخبون الوسطيون حول مرشحة الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) لمنع فوز حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD).
من هي شفيسيغ؟
شفيسيغ ليست بأي حال من الأحوال مجرد سياسية محلية. فهي، بعد أن شغلت منصب وزيرة شؤون الأسرة في ألمانيا لمدة ثلاث سنوات ونصف في عهد المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، تتمتع بشهرة وطنية ونفوذ كبير داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD).
وقبل الحرب في أوكرانيا، كانت شفيسيغ من أشد المدافعين عن استيراد الغاز الطبيعي من روسيا عبر خطوط أنابيب «نورد ستريم»، على الرغم من أنها دافعت منذ ذلك الحين عن أن مستقبل ولايتها يكمن في الطاقة المتجددة.
وإذا تمكنت من هزيمة حزب البديل يوم الأحد، فسيرتفع مكانتها على الصعيد الوطني بشكل هائل، ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى دعوات لترشحها لمنصب المستشارة.
لكن شعبيتها في ولايتها الأم وخارجها تنبع أساسًا من قدرتها على إظهار نفسها كسياسية متعاطفة وقريبة من الناس، في وقت يرى فيه الكثيرون في ألمانيا أن حكومتهم بعيدة عن هموم المواطن العادي.
وقالت سيمون كروه (64 عامًا)، وهي مقدمة رعاية سابقة للمسنين، خارج الفعالية الانتخابية التي أقامتها شفيسيغ في روستوك: «إنها قريبة من الشعب. إنها واحدة منا».
هذه هي الصفات التي كافح ميرتس من أجل إظهارها، حيث اعترف حتى بنفسه بأنه فشل في إقامة صلة عاطفية مع الناخبين.
وغالبًا ما بدا المستشار وكأنه يوبخ الألمان، متهمًا إياهم بعدم العمل بجد كافٍ أو بعدم إدراك الحاجة الملحة لإصلاحاته الاقتصادية الشاملة، حتى إنه قال في إحدى المرات لنقابيي العمال إن البلاد بحاجة إلى «استجماع قواها».
على النقيض من ذلك، تُظهر شفيسيغ نفسها كسياسية تتفهم معاناة الناس العاديين. ولدت وترعرعت في ألمانيا الشرقية السابقة، وكثيراً ما تروي قصة معاناة عائلتها بعد أن فقد والدها وظيفته في قطاع البناء في الفترة التي تزامنت مع سقوط جدار برلين، وهي تجربة يمكن للعديد من العائلات في المنطقة أن تتعاطف معها.
وبصفتها رئيسة وزراء ولايتها، دفعت باتجاه إقرار تدابير تجعل رياض الأطفال مجانية لجميع الأسر، وتمنح الشباب في التدريب المهني وكبار السن خصمًا قدره 20 يورو على تذاكر القطار الشهرية، وهو إجراء تقول إنه يُحدث فرقًا كبيرًا في حياة المتقاعدين الذين غالبًا ما يعيشون على معاشات حكومية ضئيلة.

