انتخابات التجديد النصفي في أمريكا.. موجة استقالات ترسم الملامح

انتخابات التجديد النصفي في أمريكا.. موجة استقالات ترسم الملامح

في سابقة لم يشهدها التاريخ الحديث، أدار المشرعون الأمريكيون ظهورهم إلى الكونغرس، ليرسموا ملامح انتخابات التجديد النصفي المقبلة.

ويشهد الكونغرس الأمريكي في دورته الحالية موجة غير مسبوقة من التقاعد والاستقالات والترشح لمناصب أخرى، ما يعني أن منافسات انتخابات التجديد النصفي الحاسمة المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل سيشارك فيها عدد أقل من الأعضاء الحاليين (شاغلي المقاعد) مقارنة بالدورات السابقة.

  • «الحرب» مع إيران.. مغامرة لترامب بأغلبية الكونغرس تختبر «أمريكا أولا»

وكشف تحليل نشرته صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية أن عدد المغادرين للكونغرس بلغ حتى الآن 68 عضوًا من مجلسي الشيوخ والنواب الذين أعلنوا أنهم لن يترشحوا لإعادة انتخابهم، وهو رقم يفوق ما تم تسجيله في نفس الفترة من الدورات الأربع الأخيرة.

وأظهرت البيانات أن 31 من هؤلاء الأعضاء قرروا خوض سباق لمنصب آخر بدل البقاء في الكونغرس، وهو التوجه الذي يعكس طموحات سياسية جديدة أو الإحباط من الجمود التشريعي.

ويسعى بعض أعضاء مجلس النواب للانتقال إلى مجلس الشيوخ، بينما يطمح آخرون للعودة إلى ولاياتهم لشغل منصب الحاكم.

وقالت أستاذة العلوم السياسية سارة بايندر إن المؤشرات توحي بإمكانية تسجيل رقم قياسي في عدد المغادرين هذا العام.

ووفقا لـ”واشنطن بوست”، فإن أحد أبرز دوافع الرحيل يتمثل في الشعور بتراجع الفاعلية التشريعية خاصة بعدما أقر الكونغرس في الدورات الأخيرة عددًا من القوانين يعد من الأدنى منذ أوائل القرن العشرين.

ويرجع كثير من النواب هذا التعثر إلى الاستقطاب الحزبي الحاد، والصراعات داخل الحزب الواحد، وضيق هوامش الأغلبية التي تجعل من الصعب على القيادات على إبرام تسويات دون مواجهة اعتراضات من “أجنحة متشددة”.

وفي مجلس الشيوخ، أعلن 8 أعضاء تقاعدهم النهائي من العمل العام، من بينهم الديمقراطي ديك دوربين الذي أمضى نحو ثلاثة عقود في المجلس، والجمهوري ميتش ماكونيل الذي خدم لسبع دورات.

كما قرر عدد من أعضاء مجلس الشيوخ خوض سباق حكام ولاياتهم، بينهم الديموقراطية إيمي كلوبشار والجمهوري تومي توبرفيل.

ويعكس هذا التوجه نحو المناصب التنفيذية رغبة بعضهم في امتلاك صلاحيات أوسع وقدرة مباشرة على تشكيل السياسات داخل ولاياتهم.

وكان المجلس قد شهد أيضًا استقالات مبكرة العام الماضي بعد استقالة جيه دي فانس لتولي منصب نائب الرئيس وماركو روبيو الذي تولى منصب وزير الخارجية، مما استدعى تعيين بديلين لشغل المقعدين.

أما في مجلس النواب، فالصورة أكثر وضوحًا من حيث حجم التغيير فقد أعلن 54 نائبًا نيتهم المغادرة، مقارنة بنحو 40 في الدورات الثلاث الماضية بينهم 27 نائبًا يسعون لمنصب آخر، وهو أعلى رقم منذ عام 2020.

ومما يلفت الانتباه هو أن الجمهوريين يشكلون النسبة الأكبر من المغادرين أو الساعين لمناصب أخرى، وهو نمط يتكرر عادة في سنوات الانتخابات النصفية حين يسيطر الحزب نفسه على البيت الأبيض والكونغرس، إذ غالبًا ما يعاقب الناخبون حزب الرئيس في هذه الانتخابات.

وشهد الجمهوريون في مجلس النواب صراعات داخلية بارزة خلال الأعوام الأربعة الماضية، أبرزها الإطاحة التاريخية برئيس المجلس”كيفين مكارثي” عام 2023.

كما أدت التوترات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمجلس إلى إضعاف تماسك الأغلبية الضيقة، وأقر بعض النواب بأن هذه الخلافات تركت أثرًا في قراراتهم، فيما أشار آخرون إلى أن قرار المغادرة مرتبط باعتبارات مهنية أو شخصية.

وتظهر البيانات أن غالبية المغادرين يأتون من دوائر انتخابية آمنة نسبيًا لحزبهم، وهو ما يعني أن الدافع ليس بالضرورة الخوف من خسارة المقعد، بل ربما تجنب العمل في حال الانتقال إلى صفوف الأقلية العام المقبل.

من جهة أخرى، يعد عامل العمر سببا قويا لقرارات التقاعد، خاصة لدى الديمقراطيين، حيث يبلغ متوسط عمر المتقاعدين منهم في مجلس النواب (75 عامًا)، مقابل (62 عامًا) للجمهوريين.

وتعكس تلك النقطة نقاشًا أوسع داخل الحزب الديمقراطي حول تجديد القيادات وهو النقاش الذي بدأ في 2024 بعد إقناع الرئيس السابق جو بايدن بالانسحاب من الانتخابات، وهو ما أظهر الحاجة إلى انتقال جيلي خاصة بعد إعلان رئيسة المجلس السابقة نانسي بيلوسي اعتزالها القيادة ثم إنهاء مسيرتها السياسية، وتبعها عدد من المخضرمين الذين أمضوا عقودًا في الخدمة.

في المقابل، يشير بعض الجمهوريين إلى أنهم ينهون مسيرتهم بعد ما يعدونه إنجازات كبرى، مثل تمرير حزمة تشريعية ضخمة تتعلق بالضرائب وأمن الحدود ويرى هؤلاء أن اللحظة مناسبة للمغادرة بعد تحقيق أهدافهم السياسية.

وبشكل عام تعكس هذه الموجة من المغادرين حالة تحول عميقة في الكونغرس الأمريكي، سواء من حيث الأجيال أو الطموحات أو طبيعة العمل التشريعي نفسه.

ومن المتوقع أن تؤدي انتخابات التجديد النصفي المقبلة إلى دخول عدد كبير من الوجوه الجديدة إلى المجلسين، وهو ما قد يؤدي إلى تغيير ديناميكيات السلطة والتفاوض، ويعيد رسم ملامح الحياة السياسية في واشنطن خلال السنوات المقبلة.

aXA6IDE5OS4xODguMjAxLjIzMyA= جزيرة ام اند امز US