انطلاق القمة العالمية للاقتصاد الأخضر 2026 في دبي.. من الإنجاز إلى آفاق التوسع

انطلاق القمة العالمية للاقتصاد الأخضر 2026 في دبي.. من الإنجاز إلى آفاق التوسع

تتجه الأنظار إلى دبي، حيث تتصدر سبل توسيع الحلول الخضراء وتحويلها إلى فرص اقتصادية قادرة على تحقيق النمو وتعزيز التنافسية العالمية.

وانطلقت اليوم الأربعاء فعاليات الدورة الثانية عشرة من القمة العالمية للاقتصاد الأخضر 2026، التي ينظمها المجلس الأعلى للطاقة في دبي، وهيئة كهرباء ومياه دبي، والمنظمة العالمية للاقتصاد الأخضر، وتستمر يومين، في 21 و22 أكتوبر/تشرين الأول، بمركز دبي التجاري العالمي، تحت شعار «من الإنجاز إلى التوسّع: تسليط الضوء على الاقتصاد الأخضر».

وتستضيف القمة 135 متحدثا من الوزراء وقادة الأعمال والمسؤولين الحكوميين وصنّاع القرار والخبراء والمبتكرين من مختلف أنحاء العالم، بهدف تبادل الرؤى والخبرات، واستعراض النماذج والحلول التي أثبتت نجاحها، وبحث سبل توسيع نطاق تطبيقها لدفع مسيرة الاقتصاد الأخضر.

  • برعاية محمد بن راشد.. القمة العالمية للاقتصاد الأخضر 2026 تنطلق الأربعاء بدبي

وتأتي الدورة الجديدة في وقت يشهد فيه العالم تسارعا في التحول نحو الاقتصاد الأخضر، بعدما أثبتت التقنيات النظيفة جدواها البيئية والاقتصادية، وانتقلت قطاعات عديدة من مرحلة التجارب إلى التطبيق واسع النطاق، محققة عوائد ملموسة.

وتبرز، في هذا السياق، الحاجة إلى تسريع وتيرة التحول، وتوسيع نطاق الحلول الناجحة، وتعزيز أثرها من خلال نماذج أعمال قابلة للتوسع، وشراكات فاعلة، وتمويل مرن، وسياسات متوائمة، إلى جانب بناء القدرات المؤسسية والبشرية اللازمة لتحويل المعرفة إلى مشروعات مستدامة.

وتطرح القمة في صميم نقاشاتها قضية محورية تتمثل في كيفية الانتقال من النماذج الخضراء التي أثبتت نجاحها إلى تطبيقها على نطاق أوسع، وبالسرعة التي تتطلبها التحديات الاقتصادية والمناخية الراهنة.

الاستدامة.. من الطموح إلى النمو الاقتصادي

عززت القمة مكانتها منصةً استراتيجية ضمن التحول العالمي الشامل، الذي انتقلت فيه الاستدامة من مجرد طموح ومسؤولية بعيدة المدى إلى مسار اقتصادي وتنموي يعيد تشكيل أولويات الحكومات والأسواق.

ويؤكد هذا التحول أن الاقتصاد الأخضر أصبح عنصرا أساسيا لتعزيز التنافسية وبناء المرونة الاقتصادية، لا سيما مع تنامي الاستثمارات العالمية في تحول الطاقة، التي بلغت نحو 2.3 تريليون دولار أمريكي خلال عام 2025، مقارنة بنحو 1.8 تريليون دولار قبل عامين.

وفي السياق ذاته، كشفت «مبادرة سياسات المناخ» أن التمويل المناخي العالمي تجاوز تريليوني دولار أمريكي للمرة الأولى في عام 2024، رغم أن وتيرة نموه لا تزال بحاجة إلى التسارع بما يتناسب مع متطلبات تحقيق الأهداف المناخية العالمية.

  • الاقتصاد الأخضر.. سوق الـ10 تريليونات دولار

انطلاق القمة العالمية للاقتصاد الأخضر 2026 في دبي.. من الإنجاز إلى آفاق التوسع - صورة 1

ولم يعد التحول الأخضر مقتصرا على تحقيق الأهداف البيئية، بل أصبح مسارا للنمو والابتكار وتعزيز القدرة التنافسية، ووسيلة لبناء بنية تحتية أكثر مرونة، وتعزيز أمن الطاقة، وحشد الاستثمارات، وفتح مسارات اقتصادية جديدة، لا سيما في الأسواق الناشئة.

وتؤكد التجارب العالمية أن تحقيق الازدهار الاقتصادي وحماية كوكب الأرض ليسا هدفين متعارضين، بل مسؤوليتان مترابطتان تتطلبان حلولًا تسهم في خفض الانبعاثات الكربونية وتحسين جودة الهواء، مع حماية المياه والحياة البرية والتنوع البيولوجي، وضمان توفير الكهرباء للجميع بأسعار معقولة، وفق أعلى معايير التوافرية والموثوقية، بما يدعم النمو الاقتصادي.

الإمارات شريك في تسريع التحول الأخضر

تواصل دولة الإمارات ترسيخ الاستدامة في السياسات العامة والتنمية الاقتصادية وعمليات صنع القرار، بالاستناد إلى الابتكار والبيانات البيئية الموثوقة والشراكات الفاعلة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية والمنظمات الدولية.

وتعزز القمة مكانة الإمارات شريكا عالميا رئيسيا في تحفيز الفرص الاستثمارية المرتبطة بالعمل المناخي والاقتصاد الأخضر، وتسريع الابتكارات والممارسات القادرة على مواكبة التحديات المتسارعة، وتوسيع نطاق تطبيق الحلول المستدامة.

وتبرز الإمارات نموذجا عمليا لهذا التحول من خلال مشروعات الطاقة الشمسية واسعة النطاق، وتخزين الطاقة، والهيدروجين الأخضر، وتحلية المياه باستخدام الطاقة النظيفة، بما يعكس تنامي دور التقنيات المستدامة في دعم التنمية الاقتصادية وتعزيز أمن الموارد.

وتشكل القمة منصة عالمية تجمع صنّاع القرار والقادة والمستثمرين والمبتكرين، بهدف تقريب المسافات بين السياسات والتمويل والتكنولوجيا، وتحويل الطموحات المناخية إلى نتائج قابلة للقياس، وتوسيع الشراكات والأطر التمكينية اللازمة لتطوير مشروعات ذات أثر اقتصادي وبيئي مستدام.

ومنذ انطلاقها، أسهمت القمة في بناء جسور للتعاون الفاعل، وربط الرؤى بالتطبيقات والالتزامات بالنتائج، بما يدعم الانتقال إلى مرحلة تتجاوز إثبات جدوى الحلول الفردية نحو بناء منظومات متكاملة ذات أثر أوسع وأكثر استدامة، يخدم الأجيال الحالية والقادمة.

انطلاق القمة العالمية للاقتصاد الأخضر 2026 في دبي.. من الإنجاز إلى آفاق التوسع - صورة 2

7 موضوعات ترسم أجندة القمة

تتمحور نقاشات القمة العالمية للاقتصاد الأخضر 2026 حول 4 محاور رئيسية، تشمل تقنيات الطاقة والبنية التحتية، واستراتيجيات الأعمال والتحول المستدام، والأمن المائي والغذائي، والتمويل.

وتتكامل هذه المحاور مع 3 موضوعات مشتركة تتقاطع مع مختلف مجالات القمة، هي الذكاء الاصطناعي، والحوكمة، وممكنات الأنظمة الاقتصادية، بما يشمل سلاسل التوريد والاقتصاد الدائري.

  • القمة العالمية للاقتصاد الأخضر تبحث دور التكنولوجيا في تعزيز الأمن المائي والغذائي

وتركز الأجندة على تحويل النجاحات القائمة إلى نماذج قابلة للتوسع، وتسريع تطبيق الحلول الفاعلة، وتعزيز التعاون الدولي، واستكشاف فرص التمويل والشراكات التي تتيح الانتقال من المبادرات الفردية إلى تحول اقتصادي أخضر واسع النطاق.

1 ـ تقنيات الطاقة والبنية التحتية

يبحث هذا المحور دور البنية التحتية للطاقة بوصفها ركيزة أساسية للتحول الاقتصادي، في ظل الارتفاع المتسارع في الطلب العالمي على الطاقة، مدفوعًا بتوسع الاعتماد على الكهرباء في مختلف القطاعات، والنمو الصناعي، والانتشار السريع لمراكز البيانات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.

وتستعرض جلسات المحور سبل التوسع السريع في إنتاج الطاقة النظيفة، ودور أنظمة تخزين الطاقة في تعزيز موثوقية مصادر الطاقة المتجددة، إلى جانب مساهمة التقنيات الناشئة، من الهيدروجين الأخضر إلى الطاقة النووية، في دعم مزيج طاقة متنوع يواكب متطلبات مستقبل منخفض الكربون.

انطلاق القمة العالمية للاقتصاد الأخضر 2026 في دبي.. من الإنجاز إلى آفاق التوسع - صورة 3

كما تتناول المناقشات كيفية الجمع بين حجم المشروعات ومرونتها وسرعة تنفيذها، بما يعزز أمن الإمدادات ويواكب النمو السكاني وارتفاع مستويات المعيشة والطلب على المنتجات الصناعية.

ويفرض التعامل مع هذه المتغيرات توسيع نطاق الابتكار، وتهيئة سياسات داعمة، وتسريع التعاون بين القطاعات المختلفة، بما يدفع نحو تحقيق نمو مستدام ومرن وتنافسي.

2 ـ استراتيجيات الأعمال والتحول المستدام

يركز المحور الثاني على كيفية دمج المؤسسات الرائدة النمو الأخضر في صميم استراتيجياتها، في وقت تجاوزت فيه القيمة السنوية للاقتصاد الأخضر 5 تريليونات دولار أمريكي، وينمو بمعدل يعادل ضعف نمو الصناعات التقليدية.

وتتناول الجلسات سبل زيادة القيمة الاقتصادية، وإعادة تصميم نماذج الأعمال وفق مبادئ الاقتصاد الدائري، ومعالجة فجوة المهارات الخضراء، والتعامل مع المشهد المتغير للسياسات التجارية والتنظيمات المرتبطة بالكربون.

  • دبي توسّع طموحات قمة «الاقتصاد الأخضر».. مناخ واستثمار وابتكار

كما تسلط الضوء على العوامل التي تميز المؤسسات القادرة على قيادة التحول المستدام عن تلك التي لا تزال في طور التكيف معه، مع بحث دور الابتكار والتخطيط طويل الأجل في تعزيز قدرة الشركات على المنافسة والاستفادة من الفرص التي تتيحها الأسواق الخضراء.

انطلاق القمة العالمية للاقتصاد الأخضر 2026 في دبي.. من الإنجاز إلى آفاق التوسع - صورة 4

3 ـ الأمن المائي والغذائي

يتناول المحور الثالث الأمن المائي والغذائي باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، في وقت يفاقم فيه تغير المناخ الضغوط على الموارد المائية والأنظمة الغذائية.

وتسلط الجلسات الضوء على كيفية توظيف التكنولوجيا والبنية التحتية لتحويل مواطن الضعف إلى قدرات استراتيجية، بدءًا من إزالة الكربون من عمليات إنتاج المياه وتعزيز الترابط بين المياه والطاقة، وصولًا إلى تطبيقات الزراعة الدقيقة وتطوير أنظمة غذائية قادرة على التكيف مع تغير المناخ.

كما تبحث المناقشات سبل توظيف المرونة المناخية بوصفها استثمارًا طويل الأجل يدعم الاستقرار الاقتصادي والأمن الغذائي والنمو المستدام، مع تعزيز كفاءة إدارة الموارد، وزيادة الإنتاج المحلي، وتحسين سلاسل الإمداد، ورفع مستوى الجاهزية للتحديات المستقبلية.

ويرتبط الأمن المائي ارتباطا وثيقا بالقضاء على الجوع، والصحة الجيدة والرفاه، والاستهلاك والإنتاج المسؤولين، والعمل المناخي، وغيرها من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التعاون الدولي وتوجيه الاستثمارات إلى مشروعات ذات أثر اقتصادي وتنموي مستدام، وتسخير الابتكار والتقنيات المتقدمة، بما فيها الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، لتطوير حلول قابلة للتوسع، وتعزيز كفاءة إدارة الموارد، ودعم الجهود الرامية إلى معالجة أزمة شح المياه عالميًا، لا سيما أن نحو 2.1 مليار شخص حول العالم لا يزالون يفتقرون إلى خدمات مياه الشرب المدارة بأمان.

انطلاق القمة العالمية للاقتصاد الأخضر 2026 في دبي.. من الإنجاز إلى آفاق التوسع - صورة 5

وتؤكد المناقشات أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي لتحقيق الأمن المائي وأمن الطاقة، وأن الاقتراب من تحقيق الهدفين السادس والسابع من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، المتعلقين بالمياه النظيفة والطاقة النظيفة للجميع بحلول عام 2030، يتطلب حلولًا مبتكرة ومتكاملة تجمع بين التقنيات والتمويل والسياسات، إلى جانب إحداث نقلة نوعية في حشد رؤوس الأموال الخاصة.

4 ـ التمويل.. من الطموحات إلى التنفيذ

يناقش المحور الرابع الدور الحاسم للتمويل في نقل الطموحات المناخية من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ، في ظل حاجة العالم إلى استثمارات سنوية لا تقل عن 6.3 تريليون دولار أمريكي حتى عام 2030 لتجنب أسوأ آثار تغير المناخ، مقارنة باستثمارات حالية تبلغ نحو 2.3 تريليون دولار أمريكي.

وتبحث الجلسات سبل معالجة فجوة قابلية المشروعات للتمويل، من خلال هياكل التمويل المختلط، والسندات الخضراء، وأدوات التمويل المبتكرة، ودراسات الحالة التي تبرز القيمة طويلة الأجل للاستثمارات المناخية.

كما تركز على أهمية تكامل التمويلين العام والخاص لدعم التحول الأخضر على نطاق واسع، وتعزيز ثقة المستثمرين، وتوسيع فرص الوصول إلى مصادر التمويل، وتسريع تنفيذ المشروعات.

انطلاق القمة العالمية للاقتصاد الأخضر 2026 في دبي.. من الإنجاز إلى آفاق التوسع - صورة 6

ولا يقل الابتكار في أدوات وحلول التمويل أهمية عن الابتكار التكنولوجي في تطوير منظومة الطاقة العالمية، إذ يمكن لتكامل جهود التمويل الحكومي والخاص أن يسهم في توسيع الفرص الاستثمارية، وتوفير الموارد اللازمة للمشروعات، ودفع التحول الاقتصادي والمناخي.

ولا يزال حشد رؤوس الأموال الكافية من القطاع الخاص لدعم التنمية والعمل المناخي أحد أبرز التحديات العالمية. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وخارجها، يسهم الاهتمام المتزايد بالسندات الخضراء وغيرها من أدوات التمويل المستدام في ربط المستثمرين بالفرص الاستثمارية التي تدعم التحول الاقتصادي والأهداف المناخية.

5 ـ الذكاء الاصطناعي.. فرص خضراء وتحديات متصاعدة

يمثل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز المحركات المحتملة لتسريع التحول نحو الاقتصاد الأخضر، وفي الوقت نفسه أحد التحديات المتنامية التي تتطلب حلولًا متكاملة.

فمن جهة، تتيح تطبيقاته إدارة أكثر ذكاءً للطاقة، وتطوير التحليلات التنبؤية للحد من المخاطر البيئية، وتحسين رصد الانبعاثات، وتعزيز الإنتاجية الزراعية، ورفع كفاءة استخدام الموارد.

ومن جهة أخرى، أصبحت مراكز البيانات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي من كبار مستهلكي الطاقة والمياه، وسط توقعات بزيادة الطلب على هذين الموردين بحلول عام 2030.

وتستكشف القمة هذين البعدين عبر محاورها المختلفة، مع التركيز على الشروط التي تتيح تحقيق أثر إيجابي صافٍ للذكاء الاصطناعي في الاقتصاد الأخضر، بدءًا من وضع معايير لكفاءة الطاقة في مراكز البيانات، وصولًا إلى تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين أداء شبكات الطاقة على نطاق واسع.

انطلاق القمة العالمية للاقتصاد الأخضر 2026 في دبي.. من الإنجاز إلى آفاق التوسع - صورة 7

ويعكس هذا التوجه أهمية تحقيق التوازن بين الاستفادة من التقنيات المتقدمة وإدارة آثارها البيئية، بما يضمن توظيف الابتكار الرقمي في دعم الاستدامة بدلًا من زيادة الضغوط على الموارد.

6 ـ الحوكمة.. حلقة الوصل بين الطموح والتنفيذ

تُعد الحوكمة الفاعلة حلقة الوصل الأساسية بين الطموحات المناخية والتنفيذ العملي، إذ تبحث النقاشات تأثير السياسات واللوائح في عمليات صنع القرار، وتوسع أسواق الكربون العالمية وتداعياتها على التجارة والصناعة، والدور المتنامي لاتفاقيات المناخ الدولية في دفع الاقتصاد الأخضر.

وتزداد أهمية هذا المحور مع بدء تطبيق آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية «CBAM» اعتبارًا من عام 2026، وما يفرضه ذلك من اهتمام متزايد بتسريع جهود إزالة الكربون، لا سيما في قطاعات الألمنيوم والصلب والإسمنت والبتروكيماويات، التي تواجه ضغوطًا متنامية للحفاظ على تنافسيتها في الأسواق العالمية.

وتبرز الحاجة، في هذا السياق، إلى مواءمة السياسات والأطر التنظيمية مع متطلبات التحول الأخضر، بما يساعد المؤسسات على التكيف مع المتغيرات التجارية والمناخية، ويتيح توسيع نطاق الاستثمارات والمشروعات المستدامة.

انطلاق القمة العالمية للاقتصاد الأخضر 2026 في دبي.. من الإنجاز إلى آفاق التوسع - صورة 8

7 ـ سلاسل التوريد والاقتصاد الدائري

يعتمد التحول الأخضر على تطوير الأنظمة التي ترتكز عليها الأنشطة الاقتصادية، وفي مقدمتها سلاسل التوريد ونماذج الاقتصاد الدائري، التي تشهد تحولات متسارعة في قطاعات متعددة، من البنية التحتية للطاقة والتصنيع إلى أنظمة الغذاء وإدارة المياه.

وبلغت قيمة سوق الاقتصاد الدائري العالمي 517.79 مليار دولار أمريكي في عام 2025، ومن المتوقع أن تصل إلى 888 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 11.3%.

كما تنتج المواد المعاد تدويرها انبعاثات أقل بنسبة 80% مقارنة بعمليات استخراج المواد الأولية، ما يعزز أهمية التوسع في إعادة الاستخدام والتدوير، وتطوير سلاسل توريد أكثر كفاءة ومرونة.

وتبحث القمة كيفية توظيف هذه التحولات على مستوى الأنظمة لتحقيق نمو قابل للتوسع وأكثر استدامة، إلى جانب استكشاف فرص تطوير الاقتصاد الدائري الذكي، الذي يستخدم الروبوتات والذكاء الاصطناعي وتقنية البلوك تشين لتحسين جمع النفايات وتتبعها وتحويلها إلى موارد ذات قيمة، بما في ذلك الطاقة النظيفة.

ومن هذا المنطلق، يمكن لدبي أن تقدم نموذجًا يبرز أن الاقتصاد الدائري لا يقتصر على حماية البيئة والمستقبل، بل يؤدي دورًا مهمًا في بناء اقتصاد أكثر كفاءة وابتكارًا.

الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تحظى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بموقع محوري في مشهد التحول الأخضر، في ضوء امتلاكها إمكانات واسعة في مجال الطاقة المتجددة، ورؤوس أموال استثمارية كبيرة، ومنظومة متنامية من المشروعات والتقنيات الخضراء.

وبلغت القدرة التشغيلية للطاقة المتجددة في المنطقة 43.7 غيغاواط، فيما تتجاوز قدرة المشروعات قيد التطوير 200 غيغاواط، وهو ما يعكس اتساع نطاق الفرص المتاحة أمام الاستثمارات والتقنيات المستدامة.

وتبرز هذه الأرقام أهمية توسيع الشراكات وتوفير الأطر التمكينية اللازمة لتحويل المشروعات قيد التطوير إلى قدرات تشغيلية، وتعزيز مساهمة الطاقة النظيفة في تلبية الطلب المتنامي على الكهرباء ودعم التنمية الاقتصادية.

انطلاق القمة العالمية للاقتصاد الأخضر 2026 في دبي.. من الإنجاز إلى آفاق التوسع - صورة 9

كما تتيح إمكانات المنطقة في الطاقة المتجددة، إلى جانب قدراتها الاستثمارية ومشروعاتها الخضراء، فرصًا لتطوير حلول تتناسب مع طبيعة التحديات المحلية، لا سيما في مجالات المياه والطاقة والغذاء.

تؤكد النقاشات أهمية التعامل مع المرونة المناخية باعتبارها استثمارًا طويل الأجل يدعم الاستقرار الاقتصادي والأمن الغذائي والنمو المستدام.

فالحلول القائمة على الطبيعة تساعد في إدارة المخاطر المرتبطة بالمناخ، مثل الفيضانات وموجات الحر الشديد والإجهاد المائي، كما تسهم في تعزيز الأمن الغذائي والمائي، ودعم سبل العيش والتنوع البيولوجي والاقتصادات المحلية.

ومع تصاعد الضغوط المناخية، تزداد الحاجة إلى منظومات غذائية أكثر مرونة وكفاءة في استخدام الموارد، وأكثر قدرة على التكيف مع الظروف المحلية. ولا يقتصر التحول المطلوب على توظيف التكنولوجيا وحدها، بل يشمل الربط بين الابتكار والكوادر والمهارات والتطبيق العملي.

كما أن التعامل مع شح المياه بوصفه أحد أكبر تحديات المنطقة على مدى عقود ينبغي أن يتطور إلى النظر إليه باعتباره أحد أهم أصولها الاستراتيجية، فتقنية التناضح العكسي شكلت قصة نجاح في الشرق الأوسط، من خلال تحويل مياه البحر إلى مصدر يدعم النمو الاقتصادي.

كما تبرز أهمية الجمع بين حجم المشروعات ومرونتها وسرعة تنفيذها لدعم المناطق التي تواجه تحديات ملحة وتعزيز استعدادها للمستقبل، مع قياس المرونة بمدى القدرة على المحافظة على الموارد.

وتشكل كفاءة الطاقة عنصرا رئيسيا في هذا المسار، فيما تؤكد الوفورات المحققة أن تحلية المياه يمكن أن تسهم في تعزيز الأمن المائي والحد من البصمة البيئية.

انطلاق القمة العالمية للاقتصاد الأخضر 2026 في دبي.. من الإنجاز إلى آفاق التوسع - صورة 10

وفي ما يتعلق بمستقبل الغذاء، فالفرصة تكمن في الجمع بين التكنولوجيا والعلوم والمعارف المحلية والحلول القائمة على الطبيعة، لتطوير نظم غذائية متجددة قادرة على التكيف مع عالم أكثر احترارًا، وبناء مجتمعات أكثر مرونة.

وتؤكد هذه الرؤى أن معالجة تحديات المياه والغذاء تتطلب تكامل الحلول التقنية والطبيعية، إلى جانب التمويل والسياسات والشراكات التي تتيح تطبيقها على نطاق واسع.

مسار للنمو والازدهار المستدام

تؤكد محاور القمة ورسائلها أن التحول إلى الاقتصاد الأخضر لم يعد مجرد ضرورة بيئية، بل أصبح خيارا اقتصاديا واستراتيجيا يسهم في تعزيز أمن الطاقة، وتطوير بنية تحتية أكثر مرونة، وحشد الاستثمارات، وفتح مسارات جديدة للنمو، خصوصًا في الأسواق الناشئة.

كما يتطلب الوصول إلى الحياد الكربوني أكثر من الاستثمار والتكنولوجيا؛ إذ يستند كذلك إلى التعاون والمرونة، وتبني أساليب جديدة تحقق التوازن بين القدرة على تحمل التكاليف، وأمن الإمدادات، والاستدامة.

وفي ظل استمرار النمو السكاني وارتفاع مستويات المعيشة، سيواصل الطلب على الطاقة والمنتجات الصناعية ارتفاعه، ما يجعل توسيع نطاق الابتكار، وتهيئة السياسات الداعمة، وتسريع التعاون بين القطاعات المختلفة، عناصر أساسية لدفع مسيرة النمو المستدام والمرن والتنافسي.

ومن المتوقع أن تتيح القمة، عبر جمع واضعي السياسات وصنّاع القرار والمستثمرين والخبراء والمبتكرين، مساحة لتبادل النماذج المجربة، واستكشاف فرص التمويل والشراكات، وتوطيد التعاون الدولي الذي يحول الإنجازات الفردية إلى تحول واسع ومستدام.

انطلاق القمة العالمية للاقتصاد الأخضر 2026 في دبي.. من الإنجاز إلى آفاق التوسع - صورة 11

وبينما أثبتت التقنيات النظيفة جدواها البيئية والاقتصادية، تتمثل الأولوية في المرحلة المقبلة في توسيع تطبيقها وتعزيز أثرها، عبر نماذج أعمال قابلة للتوسع، وشراكات فاعلة، وتمويل مرن، وسياسات متوائمة، وقدرات مؤسسية وبشرية تضمن تحويل المعرفة إلى مشروعات ذات نتائج ملموسة.

وتجسد الدورة الثانية عشرة من القمة هذا التوجه، من خلال التركيز على الانتقال من إثبات جدوى الحلول الفردية إلى بناء منظومات متكاملة قادرة على إحداث أثر عالمي، بما يعزز مكانة الاقتصاد الأخضر مسارًا عمليًا للنمو والمرونة والاستدامة.

وفي نهاية المطاف، يتمثل التحدي في تحويل الطموحات المناخية إلى نتائج قابلة للقياس، وتوسيع نطاق الحلول الناجحة بما يتناسب مع حجم التحديات العالمية، وترسيخ شراكات تربط السياسات بالتمويل والتكنولوجيا، بما يخدم الأجيال الحالية والقادمة.