بيرنهام على خطى ترامب.. «واحد من الناس» على دفة القيادة

رئيس الوزراء المنتظر آندي بيرنهام يعشق وسائل التواصل، ويكره النخب، ويهدف إلى التحدث باسم الناخبين، ويبدو أنه يتعلم من دونالد ترامب.

يعتمد نجاح آندي بيرنهام في قمة الهرم السياسي ببريطانيا، على قدرته على إبعاد البلاد عن موجة الشعبوية القومية التي أنجبت للعالم الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وفق مجلة بوليتيكو الأمريكية.

  •  بيرنهام يتحدى إرث تاتشر.. بريطانيا إلى عصر ما قبل الخصخصة

لكن ذلك لم يمنع رئيس الوزراء البريطاني الجديد من دراسة صعود الرئيس الأمريكي، وتبني بعض أساليبه في المعارك السياسية مع اليمين، سواء عن قصد أو لا. 

إذ قال لوك تريل، المدير التنفيذي لمنظمة «مور إن كومون يو كيه»، وهي مؤسسة فكرية ووكالة استطلاعات رأي: «ترامب غير محبوب على الإطلاق في بريطانيا، لكن حتى أولئك الذين يكرهونه حقاً سيقولون: على الأقل هو يفعل ما يقول إنه سيفعله».

وأضاف تريل، أن مجرد الظهور بهذه الطريقة النشطة هو أمر «يمكن أن يتعلمه» بورنهام من ترامب.

ويتولى بيرنهام، الزعيم الجديد لحزب العمال “يسار وسط”، منصب رئيس وزراء المملكة المتحدة يوم الإثنين، إذ دفعه زملاؤه إلى سدة الحكم خوفًا من التعرض لهزيمة ساحقة في الانتخابات العامة المقبلة، بعد أشهر من الأخطاء والأزمات في عهد رئيس الوزراء المنتهية ولايته كير ستارمر.

في الأثناء، اقتحم حزب «إصلاح المملكة المتحدة» (أقصى اليمين) الذي تأسس قبل خمس سنوات ويقوده حليف ترامب نايجل فاراج، الساحة السياسية بقوة في الانتخابات الأخيرة التي جرت في أنحاء البلاد، محطماً معاقل حزب العمال التقليدية ومتصدراً استطلاعات الرأي على الصعيد الوطني لأكثر من عام.

“وجه جديد”

ومن ثم، يأمل نواب حزب العمال أن يكون بيرنهام هو «الوجه الجديد» القادم من خارج الحزب القادر على إحياء العلاقة المتدهورة بين الحزب والناخبين الذين أصبحوا أكثر تشاؤماً يوماً بعد يوم، وفق بوليتيكو. 

وبالعودة عامين إلى الوراء، كتب بورنهام مع ستيف روثرام في كتابهما الصادر عام 2024 بعنوان «Head North»: «سواء أعجبنا ذلك أم لا، فقد نجح دونالد ترامب ونايجل فاراج في التواصل مع الأشخاص الذين يشعرون بأن السياسيين قد أهملوهم».

وكتبا أنه من أجل تلبية تطلعات ملايين الناخبين من الطبقة العاملة، يجب على حزب العمال «خوض المعركة ضد أقصى اليمين في المعقل نفسه الذي يزعمون سيطرتهم عليه».

وبحسب بوليتيكو، هناك دلائل تشير إلى أن ما يدفع كلًا من ترامب وبيرنهام هو استياء شخصي من النخب السياسية التي كانت تسخر منهما في الماضي، ورغبة في قلب التسلسل الهرمي القديم.

وفي هذا الإطار، تحدث العديد من المعلقين في السابق، عن أن تعرض ترامب لازدراء النخب الأمريكية الثرية والنافذة في دوره السابق كقطب عقاري وشخصية مشهورة، حفز مهمته السياسية.

بل إن بورنهام، إن جاز القول، كان أكثر صراحةً من ترامب بشأن معاناته الشخصية. ففي كتاب «Head North»، وصف بورنهام الذي كان يشغل منصب عمدة مانشستر الكبرى آنذاك، وروثرام، عمدة ليفربول، معاملتهما كـ«مواطنين من الدرجة الثانية» في منصبيهما السابقين كأعضاء في البرلمان على يد السياسيين النخبويين في لندن.

ولا يفوت بيرنهام أبدًا فرصة لتصوير نفسه على أنه شخص من خارج الدوائر السائدة، قادم من المناطق الصناعية السابقة للطبقة العاملة في شمال إنجلترا، ويمكن أن ينجح هذا الموقف الذي يتخذه، وفقًا للمحللين.

مهارة التواصل

من جانب آخر، يهيمن فاراج على التغطية السياسية في الصحافة البريطانية، في حين أن استخدام ترامب المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي غالبًا ما يحدد أجندة الأخبار في جميع أنحاء العالم.

في المقابل، لا يتمتع بيرنهام بنفس القدر من الانتشار، لكنه أثبت أنه مرتاح لاستخدام القنوات المباشرة للتواصل مع جمهوره. إذ ينشر بانتظام مقاطع فيديو سيلفي غالبًا ما تكون مرحة وذات أسلوب حواري، حيث يقدم صورة غير رسمية تهدف إلى إظهار أنه مثل الناخبين تمامًا.

وحتى الآن، لا تزال تفاصيل سياسات بيرنهام غامضة. لكن خطته لبريطانيا، على الأقل كما اقترحها في كتاب «Head North»، تتضمن في جوهرها نقلًا جذريًّا لتوجهات القيادة من لندن إلى المجتمعات المحلية والمناطق في جميع أنحاء البلاد.

يعتقد بورنهام أن تكرار الطريقة التي أدار بها مدينة مانشستر لمدة تسع سنوات كعمدة يمكن أن يُحدث تحولًا في المملكة المتحدة ويجلب الأمل للمجتمعات المنسية.

ويرى مراقبون، أن أجندة نقل دفة السلطة للمجتمعات المحلية، قد تكون جذابة للناخبين، الذين يشعرون أن مناطقهم قد أُهملت من قبل لندن.

لكن رئيس الوزراء المنتظر يواجه تحديا صعبا: خفض تكاليف المعيشة، إذ ارتفعت النفقات اليومية للعديد من الأسر إلى مستويات لا يمكن تحملها، مع تصاعد التضخم بسرعة في السنوات التي أعقبت إجراءات الإغلاق بسبب جائحة كورونا، وعدم مواكبة الأجور لهذا الارتفاع.

وفي الولايات المتحدة، دفع ترامب ثمناً سياسياً بسبب تأثير الحرب مع إيران على تكلفة المعيشة في البلاد.

لذلك، سيكون من الأفضل لبيرنهام أن ينتبه إلى ذلك: فهذه هي القضية الأهم بكثير بالنسبة للناخبين البريطانيين، وفقاً للعديد من استطلاعات الرأي.