بين مطرقة الإعلام وسندان الميدان.. «أسطورة النصر الوشيك» تستنزف أوكرانيا

لم تسفر الضربات العميقة التي شنّتها أوكرانيا على العمق الروسي خلال فصل الصيف عن أي تغيير جوهري في موازين القوى على الأرض، لتؤكد مجدداً غياب أي حل عسكري قابل للتطبيق لهذا الصراع.

فبينما روجت وسائل الإعلام الغربية لحملة الأربعين يوماً التي أعلنها الرئيس فولوديمير زيلينسكي باعتبارها نقلة نوعية قادرة على إجبار القيادة الروسية على التراجع، كشفت تحليلات خطوط المواجهة أن التقدم الروسي استمر بشكل طفيف على الأراضي الأوكرانية، في وقت تعمقت فيه الأزمات الهيكلية في كييف على صعيد القوى العاملة والاقتصاد والديموغرافيا. 

  • «باتريوت» بلا صواريخ.. أوكرانيا في مواجهة السماء المفتوحة

ولم تقتصر الخيبة على الجبهات، بل امتدت إلى الهدف السياسي المعلن للحملة، والمتمثل في إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستمرار الدعم العسكري، حيث أشارت تقارير إلى أن أي انطباع إيجابي لدى البيت الأبيض قد تلاشى في غضون أيام قليلة، وفقا لموقع ريسبونسبل ستيت كرافت. 

وجاءت النتائج العكسية للحملة الأوكرانية أكثر قسوة مما توقعه القائمون عليها، إذ أثارت الهجمات بالطائرات المسيّرة أشدّ رد روسي حتى الآن، تمثل في واحدة من أكبر هجمات الصواريخ الباليستية التي شهدتها الحرب، مستغلةً النقص الحاد في الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وأوروبا. 

في موازاة ذلك، وسّعت موسكو هجماتها لتطال الموانئ الأوكرانية والسفن التجارية في البحر الأسود، مما حرم كييف من مليارات الدولارات من الإيرادات وهدد بانكماش ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 1.5 بالمائة. 

بين مطرقة الإعلام وسندان الميدان.. «أسطورة النصر الوشيك» تستنزف أوكرانيا - صورة 1

ومع تشدد الرئيس فلاديمير بوتين في مطالبه التفاوضية ورفضه مناقشة أي تنازلات إقليمية، بات واضحاً أن الهجوم لم يسفر إلا عن تعقيد المشهد السياسي وتقويض أي بوادر لتهدئة وشيكة.

دورة التصعيد: من جسر كيرتش إلى توغل كورسك

هذا النمط من المناورات الجريئة التي تنتهي بنتائج عكسية ليس وليد اللحظة، بل يمثل سمة راسخة في إدارة كييف للحرب، حيث تتكرر سيناريوهات التصعيد الإعلامي التي تليها خيبات ميدانية. 

ففي أواخر عام 2022، حين دمّرت أوكرانيا جزئياً جسر كيرتش الاستراتيجي الرابط بين البر الروسي وشبه جزيرة القرم، عمّت الاحتفالات في الغرب ووصف المحللون الهجوم بأنه “اللحظة التي أدركت فيها النخب الروسية خسارتها”.

غير أن التداعيات الفعلية كانت معاكسة تماماً، إذ منحت الهجوم المتشددين الروس اليد العليا داخل موسكو، وأطلقت موجة تصعيد روسي عنيفة ألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية للطاقة الأوكرانية مع اقتراب فصل الشتاء.

ومضت الأمور على المنوال نفسه خلال الهجوم المضاد الذي حظي بتغطية إعلامية غير مسبوقة في صيف عام 2023، حيث روجت مراكز الدراسات المتشددة لقدرة كييف على تحقيق اختراق حاسم، داعية إلى الصبر رغم النتائج الأولية المخيبة. 

وبعد خمسة أشهر من القتال العنيف، وصف مستشار سابق لزيلينسكي تلك العملية بأنها “كارثة”، إذ لم تتمكن أوكرانيا خلال تسعة أشهر من ذلك العام إلا من التقدم بـ 143 ميلاً مربعاً فقط، مقابل 331 ميلاً لروسيا، في تحدٍ صارم للموازين العسكرية، وبثمن باهظ بلغ عشرات الآلاف من الأرواح وفق تقديرات أمريكية رسمية، قبل أن يعلن القائد الأعلى آنذاك فاليري زالوزني وصول الحرب إلى طريق مسدود.

ثمن الوهم: اقتصاد منهك ومفاوضات بعيدة المنال

في العام التالي، تكررت ذات الحلقة مع التوغل الأوكراني الجريء في منطقة كورسك الحدودية، حيث استولت القوات على 28 بلدة ومساحة 300 ميل مربع، وهو ما اعتبرته بعض المؤسسات الفكرية بمثابة “ورقة ضغط” لتبادل الأراضي وكسر الجمود. 

بين مطرقة الإعلام وسندان الميدان.. «أسطورة النصر الوشيك» تستنزف أوكرانيا - صورة 2

لكن هذه المغامرة تحولت هي الأخرى إلى مستنقع مكلف، إذ كشفت خطوط الدفاع الروسية التي تمكنت من تحقيق تقدم كبير داخل الأراضي الأوكرانية بالتزامن مع تلك العملية، وانتهت بانسحاب القوات الأوكرانية بعد خسائر فادحة، كما أسهمت في إفشال محادثات وقف إطلاق النار التي كانت ستجمّد الهجمات على البنية التحتية للطاقة، لتشهد أوكرانيا بدلاً من ذلك تصعيداً صاروخياً أكثر عنفاً.

ويجمع المراقبون على أن هذا المزيج من التمني الاستراتيجي والمعلومات المضللة لم يخدم المصالح الأوكرانية البتة، بل رسّخ نمطاً دائماً من التصعيد المحفوف بالمخاطر، يقوض أي فرصة لمفاوضات مؤلمة لكنها ضرورية، وينعكس سلباً على أوكرانيا وشعبها بطرق متفاقمة. 

ففي الوقت الذي تتضاعف فيه التكاليف البشرية والاقتصادية والاجتماعية التي تتحملها كييف، يظل الرأي العام الغربي محصوراً في فقاعة إعلامية تعده بتوهم النصر الوشيك، بعيداً عن حقائق الاستنزاف اليومي على الجبهات وفي خزائن الدولة. 

وإذ يظل فهم الدوافع العاطفية وراء تمسك مؤيدي أوكرانيا بوهم الاختراق العسكري، فإن التذكير بأن هذه النزعة الخيالية قد خذلت كييف في كل محطة سابقة يظل ضرورياً، تحسباً لأي حملة إعلامية مقبلة تعد بحيلة غريبة لهزيمة روسيا، في وقت تبقى فيه طاولة المفاوضات هي الملاذ الوحيد لوقف نزيف الصراع.