على الرغم من الفارق الزمني الذي يقارب الألفي عام، تظهر أوجه تشابه لافتة بين الإمبراطورية الرومانية في ذروتها والولايات المتحدة.
ورغم اختلاف السياقات الزمنية والثقافية، تقدم روما القديمة مرآةً للولايات المتحدة لرؤية التحديات المحتملة: من خطر التضخم إلى إغراءات السلطة المطلقة.
- عرش روما لمن يدفع أكثر.. مزاد علني على السلطة
لكن الفارق الجوهري، بحسب موقع “كولكتور” المعني بالتاريخ، هو أن الدستور الأمريكي، بمرونته وقدرته على التعديل، قد يُمكّن الولايات المتحدة من تجنب مصير روما، شريطة أن تبقى المؤسسات أقوى من الأفراد.
وفيما يلي أبرز أوجه التشابه:
1 – أنظمة الحكم: الجمهورية كجسر بين العصور
الإرث الروماني في الدستور الأمريكي:
اعتمد الآباء المؤسسون للولايات المتحدة على نموذج الجمهورية الرومانية (509–27 ق.م) في صياغة دستورهم، ففكرة “الجمهورية” (Res Publica) التي تعني “الشأن العام” تُجسد فلسفة تقاسم السلطة ورفض الحكم الفردي.
كما استوحى الأمريكيون نظام “مجلس الشيوخ” من النموذج الروماني، حيث يُعتبر المجلس الأعلى الممثل للحكمة والاستقرار.
كما طبّق الرومان مبدأ “الضوابط والتوازنات” عبر تقسيم السلطة بين القناصل (تنفيذية) ومجلس الشيوخ (تشريعية).
هذا المبدأ تجلى في الدستور الأمريكي عبر فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
المفارقة التاريخية
رغم أن كلا النظامين وُجدا لتفادي الاستبداد، انتهت الجمهورية الرومانية إلى حكم إمبراطوري، بينما حافظت الولايات المتحدة على نظامها الجمهوري لأكثر من قرنين.
ومع ذلك، تشير التحديات السياسية الحديثة في أمريكا (مثل تصاعد الاستقطاب) إلى مخاطر محتملة لتآكل المؤسسات الديمقراطية، كما حدث في روما.
2 – النفور من الملكية: الثورة على التاج
الثورة الرومانية ضد الأتروسكان:
أطاح الرومان بآخر ملوكهم الإتروسكان، “لوكيوس تاركوينيوس المتعجرف” (509 ق.م)، بعد سلسلة من المظالم، مما أدى إلى تأسيس الجمهورية. لضمان عدم عودة الحكم الفردي، وابتكروا نظاماً معقداً، يتم بموجبه انتخاب قنصلين اثنين سنوياً، مع حق النقض (الفيتو) المتبادل لمنع الاستئثار بالسلطة.
منصب الديكتاتور: يُمنح صلاحيات استثنائية لمدة 6 أشهر فقط في الأزمات، كما في حالة “سينسيناتوس” الذي تنازل عن السلطة بعد إنقاذ روما.
الثورة الأمريكية ضد التاج البريطاني:
قادت الكراهية للملكية المطلقة للملك جورج الثالث إلى حرب الاستقلال (1775–1783).
وحمل الدستور الأمريكي ضمانات ضد الاستبداد، مثل: الفيدرالية لتوزيع السلطة بين الحكومة المركزية والولايات.
التعديلات الدستورية: كالتعديل الثاني والعشرين (1951) الذي يحدد فترات الرئاسة بفترتين كحد أقصى، رداً على تجربة فرانكلين روزفلت الذي فاز بأربع فترات.
3 – الحروب العالمية: صراعات تُشكّل الهوية
حروب روما التوسعية:
الحروب البونيقية (264–146 ق.م): دمرت روما منافستها قرطاج، وأصبحت القوة العظمى في المتوسط، وهو ما يتشابه مع صعود الولايات المتحدة بعد هزيمة ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية.
الحروب الهلنستية: واجهت روما ممالك كالإمبراطورية السلوقية، مثلما واجهت الولايات المتحدة الاتحاد السوفياتي في الحرب الباردة.
الحروب الأمريكية المُحدِّدة للمصير:
الحرب العالمية الثانية (1941–1945): نقلت الولايات المتحدة من دولة معزولة إلى قوة عظمى، تشبه انتصار روما على قرطاج.
الحرب الباردة (1947–1991): مثلت صراعاً أيديولوجياً واقتصادياً أشبه بمواجهة روما للشرق الهلنستي.
4 – التضخم: شبح الأزمات الاقتصادية
أزمة القرن الثالث الرومانية:
مع تفشي الحروب الأهلية والغزوات البربرية (235–284 م)، انهارت العملة الرومانية (الديناريوس) بعد تخفيض نسبة الفضة فيها إلى 5% فقط.
وحاول الإمبراطور دقلديانوس إصلاح النظام عبر “مرسوم الأسعار” (301 م)، الذي فشل بسبب عدم مراعاة قوى السوق.
التضخم الأمريكي الحديث:
شهدت الولايات المتحدة تضخماً قياسياً في السبعينيات (وصل إلى 14 % عام 1980) وموجة أخرى بعد جائحة كوفيد-19 في 2020.
ورغم اختلاف الأسباب، تشترك الأزمتان في محاولات الحكومة للسيطرة عبر سياسات نقدية صارمة، كرفع الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
5 – الشعبوية: صعود القادة المثيرين للجدل
دعا الأخوان الرومانيان تيبيريوس وغايوس غراكوس (القرن الثاني ق.م) إلى إصلاحات زراعية لصحق الفقراء، لكن اغتيالهما أظهر انقسام الطبقة السياسية.
الشعبوية الأمريكية:
من أندرو جاكسون في القرن التاسع عشر (الذي قضى على البنك المركزي) إلى دونالد ترامب في القرن الحادي والعشرين، استخدم القادة الأمريكيون خطاباً شعبوياً يعتمد على معاداة النخب ووعود التغيير الجذري.
6 – التحولات السياسية: من الجمهورية إلى الإمبراطورية؟
روما: من يوليوس قيصر إلى أغسطس:
أدت الحروب الأهلية (49–27 ق.م) إلى تحول روما إلى إمبراطورية. وتجاوز يوليوس قيصر، باغتنامه الشعبية العسكرية، سلطة مجلس الشيوخ، مما أدى إلى اغتياله.
لكن ابنه بالتبني، أغسطس، أسس نظاماً إمبراطورياً هجيناً حافظ على مظاهر الجمهورية.
الولايات المتحدة: تحديات القرن الحادي والعشرين:
مع تصاعد التوترات السياسية وتحديات مثل الهجمات على الكونجرس (6 يناير/كانون الثاني 2021)، يتساءل البعض عما إذا كانت الديمقراطية الأمريكية قادرة على تجنب مصير روما.
ويدور النقاش حول دور المؤسسات في الحفاظ على التوازن، خاصة مع تزايد نفوذ الرؤساء عبر “الأوامر التنفيذية”.