تصريحات قرقاش حول حرب إيران.. مكاشفة مطلوبة للوصول لمستقبل مستقر

تصريحات قرقاش حول حرب إيران.. مكاشفة مطلوبة للوصول لمستقبل مستقر

خارطة طريق إماراتية شاملة لتلافي نقاط الضعف التي كشفتها اعتداءات إيران على دول الخليج، وتعظيم نقاط القوة، وتحقيق الاستقرار بالمنطقة.

تلك الخارطة رسمها الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات خلال جلسة حوارية بعنوان: “إعادة تقييم التحالفات في زمن التوتر”، أدارها الإعلامي فيصل بن حريز مدير نادي أبوظبي للصحافة، ضمن فعالية “مؤثري الخليج”، المنصة الحوارية الخليجية التي نظمها المكتب الإعلامي لحكومة دولة الإمارات، الإثنين، في فندق “أتلانتس النخلة” في دبي، بمشاركة أكثر من 1000 إعلامي ومفكر وصانع محتوى من دول مجلس التعاون الخليجي، بهدف مناقشة صناعة سردية خليجية مؤثرة تعكس تطلعات دول الخليج وتبرز ثوابتها.

تصريحات قرقاش خلال الفعالية تضمنت مكاشفة مهمة لواقع عربي “ضعيف”، وواقع خليجي لم يكن بمستوى ما يتطلبه الحدث، فشلت سياساته في احتواء إيران، وجاء تعاونه في مواجهة العدوان الإيراني هو “الأضعف تاريخيا”.

مكاشفة مهمة ومطلوبة تضمنت أيضا توصيفا دقيقا لعدوان إيراني ” شرس وأحمق وغاشم ومبيتاً ومخططاً له”، خلق  أزمة ثقة “ستمتد لعقود قادمة”.

مكاشفة قدمت توصيفا شاملا للأزمة وتداعياتها التي تعد منعطفاً مهما في التاريخ الحديث لمنطقة الخليج، لتضيء الطريق نحو الدروس المستفادة منها، عبر “مراجعة واقعية وعقلانية شاملة”، تقود إلى تعظيم ” ركائز القوة ” وتقود نحو حلول “جذرية” تحقق استقرار مستدام في المستقبل.

أحد ركائز القوة الهامة التي قادت لانتصار الإمارات ودول الخليج العربي، هو انتصار دول الخليج في معركة “بناء الوعي”، وعدم القبول بسردية العدو.  

وبدأت الهجمات الإيرانية السافرة على الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي والأردن والعراق في 28 فبراير/شباط الماضي، في إطار تصعيد عسكري واسع بين إيران من جانب، وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من جانب آخر، وسط إدانة ورفض واسع للاعتداءات الإيرانية التي استهدفت دولًا لطالما عملت على تفادي تلك الحرب، وعلى رأسها دولة الإمارات.

واستمرت تلك الهجمات 40 يومًا، قبل الإعلان في 8 أبريل/نيسان الجاري عن التوصل إلى هدنة لمدة 15 يومًا، توقف فيها أمريكا وإسرائيل وإيران إطلاق النار، وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 21 أبريل/نيسان الجاري تمديدها مجددا.

ونجحت دولة الإمارات بكفاءة واقتدار في صد الاعتداءات الإيرانية السافرة على أراضيها، وقدمت للعالم نموذجًا يُحتذى في إدارة الأزمات وبث الأمن والأمان.

وفي محاولة جادة لتقديم قراءة للأزمة، واستخلاص الدروس والعبر منها،  جاء تنظيم فعالية “مؤثري الخليج” التي يشارك فيها أكثر من 1000 إعلامي ومفكر وصانع محتوى خليجي، وتهدف إلى إيجاد صيغة مشتركة فعالة لإيصال صوت ووجهة نظر الخليج إلى العالم تجاه المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، وتمكين صناع المحتوى من خلال تطوير قدراتهم الإبداعية وأدواتهم لصناعة محتوى هادف، يعبر بموضوعية عن تطلعات شعوب المنطقة في مواجهة التحديات، ويقدم السردية الوطنية ورسالة مجتمعات المنطقة باحترافية عالية وتأثير عالمي غير محدود.

تفنيد سردية إيران

أولى لبنات بناء السردية الوطنية فيما يتعلق بالهجمات الإيرانية، هو تفكيك السردية الإيرانية، وكشف ما تتضمنه من زيف وأكاذيب.

وفي هذا الصدد فند قرقاش سردية إيران التي تزعم أن الهجوم على دول الخليج كان رد فعل على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، مؤكدا أنه : “تبين أن الهجوم الإيراني (على دول الخليج) كان مبيتا وضمن خطة أوسع، ولم يكن قرار الـ24 أو الـ48 ساعة الأخيرة (التي سبقته)”.

ويؤكد هذا الأمر أن ما تميز به الهجوم الغاشم من “شراسة وحماقة”.

وأوضح أن هذا الهجوم “المبيت” جاء رغم إن “دول الخليج عملت لتفادي الحرب، وكان هناك اتفاق ضمني بأن التسهيلات الموجودة في الخليج لن تستخدم ضد إيران”.  

أيضا في تفكيكه لسردية إيران بشأن أسلحتها، قال “اليوم رأينا أن السلاح الصاروخي والمسيرات الإيرانية والتي دائما قالت إيران إنها سلاح دفاعي ضد الولايات المتحدة أو إسرائيل، وجهت إلى الجيران”. 

وكشف قرقاش عن أن هذا الهجوم خلق “أزمة ثقة عميقة ستمتد لعقود قادمة”، واستبعد نجاح إيران في حل تلك الأزمة عبر “تصريحات المجاملة”.

الدكتور أنور بن محمد قرقاش

الواقع الخليجي والعربي.. انتقادات شديدة

وبعد أن فند أكاذيب سردية إيران، قدم قرقاش مكاشفة للواقع الخليجي والعربي من خلال تعاطيه مع تلك الأزمة، لاستخلاص الدروس المستفادة.

وقسم في هذا الصدد التعامل الخليجي مع إيران من خلال العلاقات معها قبل الهجوم، والتعامل أثناء الهجمات.

وقال قرقاش في هذا الصدد: “العلاقات مع إيران كانت دائما علاقات صعبة، وكل دولة خليجية كان لديها سياسة احتواء لإيران، وجميع سياسات الاحتواء فشلت فشلا ذريعا، سواء كان هذا الاحتواء من خلال دور وسيط، سواء كان من خلال التشارك في حقول طاقة وما إلى ذلك، أو من خلال اتفاق استراتيجي، أو من خلال علاقات تجارية”. 
أما التعاون الخليجي أثناء الهجمات فوصفه بأنه “الأضعف تاريخيا”.

وأضاف “للأسف موقف مجلس التعاون كان الأضعف تاريخيا بحساب طبيعة الهجوم وطبيعة التهديد الذي ينال الكل؛ إذا نقارنه مثلا بموقف دول مجلس التعاون في أزمات حادة تعرضت لها دولة الكويت ( الغزو العراقي)، وتعرضت لها البحرين ( الاحتجاجات والشغب بتحريض من إيران في فبراير/شباط 2011)”. 

كما أوضح أن التعاون من جامعة الدول العربية لم يكن بمستوى ما يتطلبه الحدث.

وقال : “أتوقع مثل هذا الموقف الضعيف من الجامعة العربية ولا أستغربه، لكن لا أتوقعه من مجلس التعاون وأستغربه”.

وكشف المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات عن عدد من نتائج العدوان الإيراني منها:

– أظهر تفكيكاً في الأمن القومي العربي، والأولويات الأمنية للدول العربية.

– أكد هذا العدوان على أهمية وإيجابية الوجود والدعم العسكري الأمريكي لدعم دول منطقة الخليج في حماية مصالحها.

– انتصر للموقف الذي يرى في إيران دولة عدوان وليس دولة جارة يمكن احتواؤها.

الحلول المطلوبة

وفي طريقه لتلمس الحلول المطلوبة، أكد المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات على أهمية المراجعة، قائلا ” في تقديري أن حدثا بهذا الحجم يحتاج إلى مراجعة عميقة بنفس هذا الحجم”.

وأضاف “أي مراجعة ستكون عقلانية.. لن تكون عاطفية.. الحقيقة، يحق لنا أيضا أن تكون العاطفة جزءا من العقلانية، لأن ما تعرضنا له ليس قليلا”، موضحا أن “هناك حاجة للمراجعة، ويجب أن تكون عقلانية، لكن يجب أن تأخذ بعين الاعتبار، أن ما بعد العدوان الإيراني لن يكون كما قبله”.

وأوضح أن تلك المراجعة ستقود إلى حل، أكد أنه لا بد ان يكون لها عدد من السمات وهي: 

–    حل جذري دائم يحصن مصالح دول المنطقة.

–     حل سياسي.

–    حل شامل “يجب أن يعالج مصلحة كل دول الخليج”. 

الدورس المستفادة

وأبرز الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات عددا من الدروس المستفادة من الأزمة ، أبرزها:

-الاعتماد على الذات.

– إعادة اللحمة والتضامن الخليجي.

 -تحديد دول الخليج لأولويات أمن المنطقة. 

الدكتور أنور بن محمد قرقاش

التجربة الإماراتية.. نموذجا

ودعا الدكتور قرقاش  إلى الاستفادة من التجربة الإماراتية، والعمل على تعظيم ركائز القوة، قائلا “كل حرب لها تكلفة، ولكن دول الخليج العربي كانت أكبر من هذه الحرب، لأن الإمارات ودول الخليج أظهرت أنها تمتلك ركائز قوية جداً” من أبرزها:

– قيادة واعية 

– مجتمع متسامح 

– اقتصاد متنوع 

-مزايا جاذبة للاستثمارات والأعمال لا تضاهى عالمياً.

وأوضح أن  ما حدث هو محفز لبناء مزيد من ركائز القوة وتعزيز البنية التحتية، ودولة الإمارات تتجه اليوم لاستثمار ضخم في البنية التحتية القادرة على تحييد أي مخاطر.

يذكر إنه خلال فترة الاعتداءات الإيرانية على الإمارات، وحتى اليوم، حققت الإمارات أكثر من إنجاز دولي يجسد ثقة العالم في الإمارات وقيادتها ودبلوماسيتها، كان أبرزها:

•    فوز دولة الإمارات باستضافة الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لعام 2029.

•    نجاح دولة الإمارات في إجراء 5 وساطات خلال 50 يوما، من بينها 4 ترتبط بالأزمة الأوكرانية.

•    اختيار دولة الإمارات عضوًا في الفريق الاستشاري لمجلس حقوق الإنسان الأممي.

•    اختيار دولة الإمارات لعضوية المجلس الاستشاري التشاوري المعني بالمبادئ الأساسية للإحصاءات الرسمية التابع للأمم المتحدة، في إنجاز نوعي هو الأول على مستوى المنطقة.

•    اعتماد الجمعية العامة للاتحاد البرلماني الدولي، مقترح دولة الإمارات العربية المتحدة المقدم من وفد المجلس الوطني الاتحادي الإماراتي، لإصدار قرار بعنوان “تعزيز الأمن البحري وحماية البنية التحتية الحيوية في أوقات النزاع: دور البرلمانات في صون الملاحة الدولية والاستقرار الاقتصادي العالمي”، وذلك خلال اجتماعات الجمعية العامة 152 للاتحاد المنعقدة في مدينة إسطنبول، في إنجاز جديد يبرز فاعلية الدبلوماسية البرلمانية الإماراتية في الحفاظ على استقرار الاقتصادي العالمي.

•    القبض على «خلية التنظيم الشيعي السري» المدعومة من إيران وتفكيكها وإحباط مخططاتها 20 أبريل/نيسان الجاري، فيما يعد ثاني تنظيم إرهابي مدعوم من إيران يتم الكشف عنه خلال شهر.

•        تحقيق دولة الإمارات، المركز الأول عربيا، والمركز الحادي والعشرين عالميًا في مؤشر السعادة العالمي، وفقًا لتقرير السعادة العالمي لعام 2026، الذي صدر عن شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة، بدعم من بيانات مؤسسة غالوب في مارس/آذار الماضي.

•    دخول دولة الإمارات للمرة الأولى في تاريخها قائمة العشرة الكبار عالمياً في صادرات السلع، محتلة المرتبة التاسعة بين أكبر الدول المصدرة للسلع على مستوى العالم، بحسب تقرير “آفاق وإحصاءات التجارة العالمية”، الصادر عن منظمة التجارة العالمية في أبريل/نيسان الجاري.

كما احتفى التقرير بالنمو الاستثنائي في التجارة الخارجية الإجمالية لدولة الإمارات، مشيراً إلى أنها سجلت 6 تريليونات درهم (1.63 تريليون دولار) في 2025، مقارنة مع 5.23 تريليون درهم (1.42 تريليون دولار) في 2024، أي بنمو تقريباً 15%. وتتضمن هذه الأرقام التجارة الخارجية للدولة من السلع والخدمات متضمنة الصادرات من النفط.

وأشار التقرير إلى أن تجارة الدولة في الخدمات سجلت لأول مرة في تاريخها 1.14 تريليون درهم في عام 2025، علماً بأن تجارة الدولة من السلع غير النفطية كانت قد بلغت 3.8 تريليون درهم في 2025، بزيادة تاريخية سنوية بلغت 27%.

إنجازات دبلوماسية وسياسية وإنسانية وأمنية وعسكرية، ظهرت جلية في حكمة القيادة الإماراتية في التعامل مع الأزمة، والالتفاف الشعبي حولها، والتضامن الدولي الواسع معها، وقدرة القوات المسلحة في صد مختلف الهجمات وإفشالها.

وقدّمت الإمارات نموذجًا مختلفًا؛ دولة قادرة على حماية أمنها بكفاءة، وتعزيز حضورها الدبلوماسي بثقة، ومواصلة دورها الإنساني بلا انقطاع، في معادلة إماراتية متكاملة عبر حزم في الدفاع، ومرونة في الإدارة، وريادة في العطاء، تؤكد أن الدول القوية لا تكتفي بتجاوز الأزمات، بل تستثمرها لترسيخ مكانتها وصناعة تأثيرها.