اقتصاد
تفاؤل وقلق يخيمان على ختام اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين
أعلنت المديرة العامة لصندوق النقد كريستالينا غورغييفا السبت أن الاجتماعات السنوية لمؤسستها والبنك الدولي شهدت هذا الأسبوع في بانكوك أجواء امتزج فيها “التفاؤل” و”القلق” بالنسبة إلى آفاق الاقتصاد العالمي.
وشارك في الاجتماعات السنوية في العاصمة التايلاندية هذا الأسبوع وزراء مالية ومدراء مصارف مركزية وغيرهم من المسؤولين رفيعي المستوى من أنحاء العالم، في ظلّ تضخّم آخذ في الارتفاع وازدياد عائدات السندات والنموّ الاقتصادي المدفوع من الذكاء الاصطناعي وهي كلّها شكّلت مواضيع أساسية على جدول الأعمال.
وقالت المديرة البلغارية في اليوم الأخير من الاجتماعات خلال إحاطة إعلامية إلى جانب وزير المال السعودي محمد الجدعان إن “التفاؤل مردّه القدرة على الصمود التي يتحلّى بها الاقتصاد العالمي والوعود التي يقدّمها الذكاء الاصطناعي والدينامية التي تتميّز بها آسيا”.
- صندوق النقد يدعو لتعزيز دعم الدول المتضررة من تداعيات الحروب
وأضافت أن “الذكاء الاصطناعي هو أيضا مصدر قلق، كما الحال مع التضخّم والمديونية العالية والمخاطر المناخية”.
وطوال الأسبوع، ما انفكّ صندوق النقد الدولي ينبّه من ارتفاع المديونية وتزايد عائدات السندات اللذين يؤدّيان إلى تشديد الشروط المالية، في حين ينبغي للمصارف المركزية التركيز على احتواء التضخّم، وذلك على الأرجح من خلال زيادات جديدة لمعدّلات الفائدة.
وقد شهدت أسعار الطاقة العالمية ارتفاعا شديدا منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط في أواخر فبراير/شباط واستهداف منشآت النفط والغاز في الخليج. وكان لهذا الارتفاع ارتدادات في أنحاء العالم، ما ساهم في تفاقم التضخّم.
“مسؤولية”
وبحسب الصندوق، فإن البلدان الأكثر هشاشة في وجه هكذا صدمة هي تلك المنخفضة الدخل والمستوردة للنفط والتي لا تنتفع من ازدهار الذكاء الاصطناعي الذي يشكّل دعامة للنموّ في عدّة اقتصادات متقدّمة.
وصرّحت غورغييفا “أؤكّد لكم أن شعوب العالم أجمع، ولا سيّما في الدول الأكثر فقرا، لا تستسيغ التضخّم. فالتضخّم هو بمثابة ضريبة على كاهل الفقراء”.
وشدّدت على ضرورة أن تحدّد هذه الدول أولوياتها على صعيد الميزانية، ما من شأنه أن يساهم في تعزيز النموّ وحماية الفئات الأكثر هشاشة على السواء.
وأشارت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي إلى أن حصّة سداد الدين في الإيرادات العامة للبلدان المنخفضة الدخل ارتفعت من 8 إلى 14 % في السنوات الأخيرة.
وأكّدت أن مؤسستها تضطلع بـ”مسؤولية” لمساعدة هذه البلدان في إعادة هيكلة الدين إن اقتضت الحاجة ذلك، ودعم حشد الموارد الداخلية واستقطاب الاستثمارات الدولية وإنشاء ظروف مواتية للاستثمارات الخاصة.
وتابعت “عندما نبذل قصارى جهدنا، يرتدّ الأمر تحسّنا في حياة السكّان”.
بالإضافة إلى مسائل الاقتصاد، شكّل الذكاء الاصطناعي وسبل ضبط نماذجه الأكثر تقدّما أحد أبرز مواضيع هذه الاجتماعات السنوية، خصوصا بعد الكشف عن حوادث أمنية في هذا المجال في الفترة الأخيرة.
وحذّرت كريستالينا غورغييفا من التعويل المفرط على تطوّر الذكاء الاصطناعي، باعتبار أن “الاتّكال على محرّك نموّ واحد” هو بمثابة “الوقوف على رجل واحدة”.
وأشادت بحسّ التعاون “المذهل” الذي لمسته في بانكوك بين شركات الذكاء الاصطناعي والحكومات في ما يخصّ مسائل التنظيم.
رفض دعوات صندوق النقد للتقشف
قطع مزارع جوز الهند سومبات تشويكرود أكثر من 200 كيلومتر للانضمام إلى الاحتجاجات التي شهدتها بانكوك الجمعة ضد الانضباط المالي الذي يطالب صندوق النقد الدولي الدول النامية بتنفيذه.
ويقول المزارع البالغ من العمر 51 عاما، بينما كان واقفا خلف لافتات تطالب بإصلاحات مؤسسية، “نريد من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إعادة النظر في دورهما”. وأضاف “التايلانديون فقراء. أرجوكم لا تزيدونا فقرا”.
تأتي هذه التظاهرة على هامش انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، حيث يحاول وزراء المالية ومحافظو المصارف المركزية ومسؤولون كبار آخرون، الحصول على إجابات بشأن كيفية كبح التضخم المرتفع في مختلف دول العالم.
ووسط كل ذلك، تبدو رسالة صندوق النقد الدولي واضحة ومفادها أنّه بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية، من جائحة كوفيد إلى الحرب في أوكرانيا والشرق الأوسط، أصبح الدين العالمي مرتفعا للغاية ويجب على الحكومات خفض إنفاقها.
غير أنّ المتظاهرين في العاصمة التايلاندية يطالبون بأن تقوم مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي بإلغاء جزء من الديون وتمويل المزيد من الجهود للتكيّف مع تغيّر المناخ وتشجيع الإصلاحات الضريبية.
وتقول ليدي ناكبيل وهي من منظمي التظاهرة، إنّ “الحكومات في الجنوب العالمي مجبرة على خفض إنفاقها الأساسي على الصحة العامة والتعليم والحماية الاجتماعية، فقط من أجل سداد ديون غير مشروعة تم التعاقد عليها مع الدول الغنية والدائنين من القطاع الخاص”.
حالة طوارئ تتعلق بعدم المساواة
من جانبه، يرى المدير التنفيذي لمنظمة “أوكسفام” أميتاب بيهار، أنّ العالم “يواجه حالة طوارئ تتعلق بعدم المساواة”، مشككا في دعوات صندوق النقد الدولي إلى ضبط الأوضاع المالية.
ويؤكد لوكالة فرانس برس أنّ “هذا سيؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار، وقد يؤدي إلى الجوع”، مضيفا “سنشهد مزيدا من التخفيضات في الإنفاق على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية الأساسية… في وقت تشتد الحاجة إلى هذه البرامج”.
وكان صندوق النقد الدولي رفع هذا الأسبوع توقعاته للنمو العالمي، مشيرا إلى “صمود” غير متوقع في النشاط الاقتصادي، ومحذرا في الوقت ذاته من أنّ هذا الازدهار لا يزال موزعا بشكل غير متساوٍ للغاية وأن البلدان الأكثر ضعفا لا تزال متأخّرة عن غيرها.
وتؤكد نائبة مدير قسم الأبحاث في صندوق النقد الدولي بيتيا كويفا بروكس، لفرانس برس أنّ هذه الدول “لا خيار آخر لديها” سوى إعادة التوازن إلى ماليتها العامة، إما عن طريق خفض إنفاقها أو عن طريق زيادة إيراداتها.
ويوصي الصندوق خصوصا بتحديد أكبر لأهداف إعانات الطاقة والغذاء التي تم تخصيصها للتخفيف من آثار الحرب في الشرق الأوسط.
غير أنّ ليدي ناكبيل تعارض هذا المنطق، متسائلة “عند أي مستوى من الفقر نعتبر أنّ الشخص يستحق المساعدة؟”.
قرارات صعبة
يعرف رضا باقر المحافظ السابق للبنك المركزي الباكستاني والذي يعمل حاليا عضوا في مجلسه الاستشاري، “مدى صعوبة التوفيق بين احتياجات المواطنين ومتطلّبات برنامج صندوق النقد الدولي”.
لكنه يرى أنّ هناك وسيلة “للدول لتعزيز مواردها الخاصة ومساحتها المالية، وتقليل اعتمادها على صندوق النقد الدولي، ودعم مواطنيها بطريقة هادفة وحكيمة”.
من جانبها، تشير كريستينا سيغال نولز من مؤسسة روكفلر إلى “خيارين سيئين يعرضان على الدول النامية”، موضحة أنّ “الأول يتمثل في تحمّل الديون بأسعار الفائدة المرتفعة للغاية اليوم، والثاني يتمثل في إجراء تخفيضات جذرية في الميزانية”.
في شوارع بانكوك، يستعد المحتجون المصمّمون على إيصال صوتهم، لقضاء الليل تحت تقاطع طريق سريع.
وتقول الناشطة سوبابورن مالايلوي: “نعتقد أنّ المواطنين المجتمعين هنا هم أصحاب مصلحة في المفاوضات”، مضيفة أنّ “الأمر لا يتعلق فقط باقتراض المال، بل بتحديد هيكل واتجاه تنمية البلاد”.




