جدل «المعسكر السري» في إثيوبيا.. «العين الإخبارية» تقتفي أثر الحقيقة

جدل «المعسكر السري» في إثيوبيا.. «العين الإخبارية» تقتفي أثر الحقيقة

تقرير لوكالة رويترز بشأن “معسكر سري” في إثيوبيا لتدريب مقاتلين سودانيين يعيد الجدل إلى الواجهة، ويفتح الباب أمام تساؤلات حول دقة المعلومات ومصادرها ومسارات التنافس الدولي في القرن الأفريقي.

وكانت “رويترز” قد نشرت تقريرًا قبل أيام، قالت إنه استند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين عن وجود “معسكر سري” في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين لقوات الدعم السريع، وكذلك حليفتها الحركة الشعبية لتحرير السودان–قطاع الشمال، وذلك بدعم إماراتي.

ورغم أن التقرير لم يتضمن أي دليل بصري مباشر يظهر هوية القوات أو انتماءها، فإن مجرد الإشارة إلى وجود “نشاط عسكري غير اعتيادي” في منطقة بني شنقول، التي تبعد 32 كيلومترًا عن الحدود السودانية، فتح الباب أمام موجة من التأويلات السياسية والإعلامية.

ونفت دولة الإمارات العربية المتحدة بشدة أي انخراط لها في الصراع السوداني، مؤكدة أنها ليست طرفًا في الأعمال القتالية بأي شكل من الأشكال.

في المقابل، قدمت الحركة الشعبية لتحرير السودان–قطاع الشمال لـ”العين الإخبارية” رواية مغايرة لما نشرته “رويترز”، مدعومة بتحليل جغرافي ومنهجي يعيد تفسير المشهد.

الحكومة الإثيوبية لم تصدر تعليقًا رسميًا على تقرير رويترز حتى الآن، إلا أن حديث رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مؤخرًا قدم مفتاحًا مهمًا لفهم ما يقع في هذه المنطقة. ففي زيارة ميدانية لـ”منشأة كورمك الصناعية” في إقليم بني شنقول–جومز، تحدث رئيس الوزراء الإثيوبي عن أكبر مشروع تعدين ذهبي في شرق أفريقيا، وهو نشاط يقول مراقبون إنه يفسر حجم الحركة اللوجستية والوجود الأمني المكثف في المنطقة.

الصورة وحدها لا تتكلم

القيادي في الحركة الشعبية–قطاع الشمال، عمار نجم الدين، اعتبر أن الاعتماد على صور الأقمار الاصطناعية دون قرائن ميدانية أو وثائقية يمثل “قفزة استنتاجية خطيرة”.

وقال لـ”العين الإخبارية”: “الانتقال من صورة إلى اتهام يحتاج إلى منظومة أدلة لا إلى لقطة فضائية”.

وأوضح أن المسافة بين الرصد والتحليل هي “مسافة منهجية” يجب احترامها في الصحافة الاستخباراتية والتحقيق الاستقصائي على حد سواء.

حساسية الموقع بالنسبة لإثيوبيا

إقليم بني شنقول–جومز، الذي ورد اسمه في تقرير “رويترز”، يبعد حوالي 101 كيلومتر عن سد النهضة الإثيوبي، المشروع الاستراتيجي الأكبر في أفريقيا.

هذا الموقع، بحسب القيادي، يحمل دلالات أمن قومي لإثيوبيا لا يمكن تجاهلها.

وأضاف: “من غير المنطقي أمنيًا أن تسمح إثيوبيا بنشاط مسلح أجنبي بالقرب من أهم منشآتها السيادية”.

وتابع: “حماية السد مسؤولية عسكرية مشددة، والوجود العسكري الإثيوبي في محيطه طبيعي ومتوقع، وليس مؤشرًا على دعم خارجي”.

وأشار إلى أن التوترات الإقليمية تجعل أي نشاط قرب السد خاضعًا لأقصى درجات التدقيق، مما يعزز فرضية أن ما رُصد هو انتشار إثيوبي داخلي لا علاقة له بالسودان.

الجغرافيا المعقدة.. مسرح مفتوح للقراءات

يصف نجم الدين إقليم بني شنقول بأنه منطقة ذات تضاريس كثيفة، وغطاء نباتي واسع، وبنية تحتية محدودة، إضافة إلى قربه من حدود دولية نشطة.

هذه الخصائص، وفقًا له، تصنع بيئة تتيح “تفسيرات متعددة” لأي نشاط مرصود، مثل:

  • انتشار عسكري إثيوبي لحماية السد.
  • وجود قوات محلية تابعة للإدارة الإقليمية.
  • مواقع دفاع حكومية.
  • منشآت غير مرتبطة بالنزاع السوداني إطلاقًا.

ولذلك، فإن أي وجود مسلح غير إثيوبي قرب السد يراه نجم الدين “سيناريو غير قابل للتصديق” بالنسبة للدولة المضيفة.

واستطرد: “لو أرادت إثيوبيا تدريب قوات سودانية، لفعلت ذلك في مناطق بعيدة مثل تيغراي التي تبعد عن السد 1200 كلم مربع، وليس قرب منشأة استراتيجية بهذا الحجم”.

جغرافيا كافية للتدريب داخل السودان

يوضح نجم الدين أن الحركة الشعبية-قطاع الشمال تسيطر على أكثر من 560 ألف كيلومتر مربع داخل السودان، أي ما يقارب مساحة دولة رواندا، وأن عاصمتها السياسية والعسكرية يابوس تقع داخل ولاية النيل الأزرق، وتبعد 45 دقيقة فقط عن الحدود الإثيوبية.

وأكد: “لدينا مساحات واسعة للتدريب منذ 1984. لسنا بحاجة ولا منطق يدفع بنا أو بقوات الدعم السريع لنقل قواتنا خارج السودان”.

وأضاف: “لمن يعرف هذه الأماكن والمساحات الكبيرة، فإن الدعم السريع والحركة الشعبية–قطاع الشمال لا تحتاجان إلى نقل قواتهما للتدريب إلى الأراضي الإثيوبية بالقرب من جسم السد الحيوي”.

التحليل الزمني للصور

من النقاط التي شدد عليها نجم الدين في تقرير وكالة “رويترز”، أن التحقيقات الجادة تعتمد على مقارنة الصور الفضائية بأرشيف سابق.

وقال: “قد تكون المنشآت قديمة ويعاد تقديمها كأدلة جديدة. من دون مقارنة زمنية، تكون أي قراءة للصورة ناقصة”.

ويضيف أن غياب هذا البعد الزمني في التقرير يجعل نتائجه “غير صالحة للجزم”.

الإمارات.. نفي قاطع ودعوة للحل والسلام

دولة الإمارات العربية المتحدة، عبر وزارة خارجيتها، نفت جميع المزاعم التي أشارت إلى وجود دعم عسكري لأطراف سودانية، مؤكدة أنها:

  • ليست طرفًا في الصراع.
  • تدعو إلى وقف إطلاق النار.
  • تتمسك بحماية المدنيين والعودة إلى عملية سياسية شاملة.

وشددت على أن ما ورد في بعض التقارير “لا يستند إلى أدلة واقعية ولا إلى سياسات الإمارات المعلنة”.

وجبة خالية من الدسم على طبق الآخرين

بالنسبة للكاتب والباحث السياسي الإثيوبي عبدالشكور عبدالصمد، فإن الزخم الذي رافق تناول بعض المنصات والقنوات لتقرير وكالة رويترز يكشف عن “نمط من التوظيف المنظم لأي خبر سلبي يتعلق بالقرن الأفريقي، خاصة إثيوبيا”، مشيرًا إلى أن طريقة التعاطي الإعلامي مع التقرير تجاوزت حدود النقل المهني إلى ما وصفه بـ”إعادة إنتاج رواية غير محسومة وتضخيمها سياسيًا”.

وقال عبدالصمد: “التقرير ذاته لم يجزم بوجود نشاط عسكري في الموقع محل الجدل، بل استند بحسب قراءته إلى مصادر منسوبة ومؤشرات وتأويلات، دون تقديم أدلة قاطعة تؤكد الطابع العسكري للموقع”.

وأضاف أن “بعض الصياغات الواردة اعتمدت على عبارات ترجيحية وافتراضات تحليلية، غير أن التناول الإعلامي العربي منحها طابع الحسم واليقين، ما أضفى على التقرير بعدًا وظيفيًا يتجاوز محتواه الأصلي”.

ولهذا، يؤكد المحلل السياسي أن هناك “ثمة سعيا لترسيخ صورة سلبية عن العلاقات الإثيوبية–السودانية وإبقائها في حالة توتر ممتد”.

وبحسب الباحث الإثيوبي، فإن الموقع الذي ورد في تقرير رويترز هو مشروع تعدين مشترك بين الحكومة الإثيوبية وإحدى الشركات العالمية المتخصصة في استخراج الذهب، ولا توجد مؤشرات موثقة تثبت كونه منشأة عسكرية.

واتفق معه الباحث والكاتب الإثيوبي موسى شيخو، الذي اعتبر المعلومات الواردة والمتداولة “تفتقر إلى الأساس الواقعي والمنطقي، وأن المناطق والصور التي تم تداولها بوصفها معسكرات تابعة لقوات الدعم السريع لا تتطابق من الناحية الفنية أو الجغرافية مع خصائص المعسكرات العسكرية، بل تعود إلى منشآت ومواقع تعدين معروفة تتبع لشركات دولية عاملة في قطاع الذهب”.

وتساءل شيخو عن أسباب عدم لجوء المؤسسة الإعلامية إلى خبراء مختصين في تحليل الصور الفضائية أو الشأن العسكري للتحقق من طبيعة الموقع قبل نشر الاستنتاجات، مشيرًا إلى أن إثيوبيا أطلقت خلال السنوات الأخيرة مشاريع كبرى في قطاع التعدين، من بينها مناجم ذهب تُعد من الأكبر على مستوى القارة الأفريقية.

ورأى أن هناك “جهات إقليمية متضررة من مشاريع استراتيجية إثيوبية تقف وراء تغذية مثل هذه التقارير”، معتبرًا أن إعادة تداول التقرير في منصات محددة، بعد انحسار الاهتمام به في الإعلام الدولي، “يعكس محاولة لإبقائه حاضرًا في سياق حملة تستهدف تشويه صورة إثيوبيا ودول أخرى لدى الرأي العام”.

توقيت وسياق

أما المحلل السياسي الإثيوبي آدم جبريل فتحدث عن توقيت نشر هذه المزاعم، موضحًا أنها “لا تنفصل عن السياق الإقليمي المعقد، حيث تتقاطع ملفات السودان والقرن الأفريقي والتوازنات الجيوسياسية الأوسع”.

ورأى أن “محاولة تدويل الصراع السوداني بالزج باسم إثيوبيا ودول أخرى في الحرب الداخلية السودانية يُراد منه نقل النزاع من إطاره المحلي إلى مستوى استقطاب إقليمي أوسع، بما يهدد استقرار القرن الأفريقي”.

وأضاف أن ربط فصيل سوداني بدعم إثيوبي وإماراتي مزعوم يهدف لتوجيه الرأي العام وصناعة “عدو خارجي”، في ظل تعقيدات المشهد السوداني الداخلي.

وأوضح أن إقليم بني شنقول–جومز يُعد أحد أهم الأقاليم الاستراتيجية في البلاد، إذ يستضيف سد النهضة، أكبر مشروع كهرومائي في أفريقيا، إضافة إلى مشروع “كومرك” لتعدين وتكرير الذهب، الذي أُعلن عنه في أغسطس/آب الماضي بطاقة إنتاجية تصل إلى 7500 كيلوجرام سنويًا، وباستثمارات تُقدّر بـ355 مليون دولار.

وبحسب جبريل، فإن أي نشاط عمراني أو لوجستي في الإقليم يجب قراءته في سياق خطط التنمية والبنية التحتية المرتبطة بالمشروعات الكبرى، لا في إطار فرضيات عسكرية غير مثبتة.

منطقة مكتظة بالوجود الأجنبي

لا يمكن قراءة أي نشاط عسكري في القرن الأفريقي بمعزل عن البيئة الأكبر المحيطة به. فالمنطقة تعد واحدة من أكثر مسارح العالم ازدحامًا بالقوات الأجنبية، بحسب ما طالعته “العين الإخبارية” في مراكز بحثية أفريقية متعددة، بينها “amaniafrica”، ومركز أبعاد للدراسات الاستراتيجية.

ووفق مركز أبعاد للدراسات الاستراتيجية، هناك 16 دولة تدير 19 قاعدة عسكرية في منطقة القرن الأفريقي، إضافة إلى أربع قواعد محتملة تنشئها تركيا وروسيا والسعودية.

وبحسب معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية (EUISS)، تستضيف جيبوتي أكبر عدد من القواعد العسكرية، إلى جانب الصين وفرنسا واليابان وإيطاليا والولايات المتحدة، التي تمتلك قواعد دائمة، بينما تمتلك تركيا قاعدة في الصومال.

ويساهم الاتحاد الأوروبي بقوات “أتالانتا” و”أسبيدس” التابعة له، والمنتشرتين على التوالي لمكافحة القرصنة وحماية السفن.

أبرز الدول ذات الوجود العسكري في القرن الأفريقي

الولايات المتحدة – جيبوتي: أقامت أول وجود عسكري أجنبي بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 لمكافحة الإرهاب، وتضم قاعدة ليمونييه 3200 جندي، وتنفذ نحو 3500 مهمة عسكرية سنويًا في إفريقيا.

الصين – جيبوتي: أنشأت قاعدة بحرية في أغسطس/آب 2017 لدعم عمليات حفظ السلام ومكافحة القرصنة، ولحماية الأصول الصينية في الخارج.

المملكة المتحدة – جيبوتي: نشرت أفرادها العسكريين في معسكر ليمونير لتعزيز التعاون مع القوات الأمريكية.

فرنسا – جيبوتي: تحتفظ بوجود عسكري منذ أواخر القرن التاسع عشر، واستمر بعد استقلال جيبوتي عام 1977.

تركيا – الصومال: افتتحت مركزًا للتدريب العسكري في مقديشو عام 2017 لتدريب المجندين للجيش الوطني الصومالي.

روسيا: عززت وجودها في أفريقيا منذ 2015 ووقعت نحو 21 اتفاقية عسكرية مع دول أفريقية، وتخطط لبناء قاعدة بحرية في البحر الأحمر بالسودان.

ويشير مراقبون إلى أن هذه الشبكة المعقدة تجعل من الطبيعي وجود نشاط لوجستي أو عسكري متعدد الجنسيات في المنطقة، دون أن يكون ذلك مؤشراً مباشراً على ارتباطه بالسودان.