رهانات دولية على تجاوز عثرات الانقسام الليبي

رهانات دولية على تجاوز عثرات الانقسام الليبي

تتسارع وتيرة الحراك العربي والدولي لدفع مسار الاستقرار في ليبيا، في مشهد يعكس تحوّلاً لافتاً في مقاربة الأزمة.

ويأتي التحرك مع انتقال التركيز من إدارة الانقسام إلى محاولة تفكيكه عبر مسارات متوازية سياسية واقتصادية، وسط رهانات متزايدة على إمكانية تحويل هذا الزخم إلى اختراق فعلي في جدار الأزمة.

تحوّل في المقاربة

في هذا السياق، حظي اتفاق الميزانية الليبية الموحدة، الموقع في 11 أبريل/نيسان، بترحيب عربي ودولي واسع، لا سيما من الأمم المتحدة والدول المعنية بالملف الليبي، في إشارة واضحة إلى إدراك متنامٍ بأن الانقسام المالي كان أحد أبرز معوقات الاستقرار، ومصدراً رئيسياً لتغذية مراكز النفوذ المتصارعة داخل البلاد.

فالدول الفاعلة في المشهد، من مصر والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة، مروراً بفرنسا وإيطاليا وتركيا وبدفع من البعثة الأممية، باتت ترى في توحيد الإنفاق العام مدخلاً ضرورياً لإعادة ضبط المشهد، وتهيئة الأرضية لأي تسوية سياسية لاحقة، بما يحد من ازدواجية القرار ويقوّض اقتصاد الانقسام.

وأكدت الدول الموقعة على بيان مشترك، الأحد، أن هذه الميزانية تمثل ركيزة أساسية لتعزيز التنسيق الاقتصادي بين القيادات الليبية في الشرق والغرب، مشيدة بالمقاربة البناءة التي انتهجتها الأطراف الليبية للتوصل إلى هذا الاتفاق، والذي يهدف إلى تكريس الوحدة والاستقرار والازدهار.

القاهرة.. محطة مفصلية

بالتوازي، تتجه الأنظار إلى الاجتماع المرتقب في القاهرة، والذي يجمع عدداً من أبرز الفاعلين في المشهد الليبي، من بينهم محمد المنفي وعقيلة صالح ومحمد تكالة، بحضور ممثلين عن الأمم المتحدة.

ومن المنتظر أن يناقش الاجتماع ملفات شائكة، تتصدرها المناصب السيادية، وإعادة تنشيط العملية السياسية، وصولاً إلى قاعدة دستورية تمهد لإجراء الانتخابات المؤجلة.

ولا تكمن أهمية هذا اللقاء في جدول أعماله فحسب، بل في كونه اختباراً حقيقياً لمدى استعداد الأطراف الليبية للانتقال من مرحلة إدارة الانقسام إلى معالجته، عبر تفاهمات قابلة للتنفيذ، لا مجرد تسويات مؤقتة.

ضغط دولي.. وتسويات

في هذا السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية الليبي يوسف الفارسي أن ما يجري حالياً هو نتيجة مباشرة لضغط دولي مكثف، دفع الأطراف إلى القبول بخطوات لم تكن ممكنة سابقاً، وفي مقدمتها توحيد الميزانية.

وأوضح الفارسي في تصريح خاص لـ”العين الإخبارية” أن الملف الليبي يشهد تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الضغط الدولي، مشيراً إلى أن المبادرات الدولية الأخيرة أسهمت في دفع الأطراف الداخلية نحو القبول بتنازلات مرحلية، رغم مخاوفها من فقدان النفوذ.

وأضاف أن هذا التطور قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل المشهد السياسي، في ظل محاولات لتجاوز الأجسام القائمة، وهو ما يثير قلق بعض الأطراف من احتمال تهميش دورها لصالح مسارات حوار جديدة.

وأشار إلى أن المسار يتجه بشكل متزايد نحو الانتخابات، مدفوعاً بزخم دولي، خاصة مع تصاعد الضغوط الأمريكية، التي باتت تلقي بثقلها بشكل واضح على مختلف المسارات، السياسية والاقتصادية.

ركيزة داخلية.. واختبار الإرادة

في المقابل، يرى المحلل السياسي الليبي عمر بوسعيدة أن الدعم الإقليمي والدولي، إلى جانب الإرادة الوطنية، يمثل ركيزة أساسية لإنجاح هذا المسار، وتحويل التفاهمات إلى خطوات عملية تنهي الانقسام وتؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار.

وأكد في تصريح خاص لـ”العين الإخبارية” أن هذا الدعم يعكس رسالة ثقة في قدرة الليبيين على تجاوز حالة الجمود، وتحريك الملفات الراكدة عبر الحوار، بما يمهد لتعزيز التنسيق بين مؤسسات الشرق والغرب.

كما اعتبر أن الاستقرار الاقتصادي يشكل مدخلاً رئيسياً لترسيخ الوحدة الوطنية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس أكثر تماسكاً.