سويسرا تحتضن أقوى بطارية في العالم.. حفرة بطول 8 طوابق وسعة 2.1 غيغاواط/ساعة

سويسرا تحتضن أقوى بطارية في العالم.. حفرة بطول 8 طوابق وسعة 2.1 غيغاواط/ساعة

على عمق 27 مترًا تحت الأرض، تبدأ شركة سويسرية ناشئة مشروعًا طموحًا قد ينتج أقوى بطارية تدفق أكسدي-اختزالي في العالم، في خطوة تعيد رسم مستقبل تخزين الطاقة.

تحدي الطاقة النظيفة 

وذكرت صحيفة لوتون السويسرية أنه لطالما اعتبر التحدي الأكبر في التحول الطاقي هو إنتاج كهرباء نظيفة، لكن هذا الهدف بات قريب المنال. 

وأوضحت أنه في عام 2025، تجاوزت مصادر الطاقة المتجددة الفحم لأول مرة من حيث إنتاج الكهرباء عالميًا. انتشرت الألواح الشمسية في الصحارى، ودارت توربينات الرياح قبالة السواحل الأوروبية، كما انخفضت تكاليف الإنتاج إلى عُشر ما كانت عليه قبل عشرين عامًا. إلا أن المشكلة الحقيقية لم تعد في إنتاج الكهرباء، بل في كيفية تخزينها: ماذا نفعل بالطاقة عندما لا يكون هناك طلب عليها؟ وكيف نؤمّنها عندما يحتاجها الجميع في الوقت نفسه؟

  • «مصدر» تطلق مع «أوكتوبس» شراكة لتطوير مشاريع طاقة نظيفة عبر قارتين

شبكة كهربائية مستقرة 

في هذا السياق، يصبح التخزين مسألة حاسمة، إذ لا يمكن تحقيق شبكة كهربائية مستقرة دون تخزين واسع النطاق، ولا يمكن إنجاح التحول الطاقي دون شبكة مستقرة. 

وقد عمل العلماء لعقود على تطوير بطاريات قادرة على تخزين الطاقة وإطلاقها عند الحاجة، لكن السنوات الأخيرة شهدت قفزة هائلة في هذا المجال، حيث ارتفعت القدرة العالمية المركبة بنسبة 50% في عام 2025 لتصل إلى 315 غيغاواط/ساعة. وتصدرت الصين هذا التوسع بشكل لافت، إذ نشرت في ديسمبر 2025 وحده قدرات تخزين تفوق ما نشرته الولايات المتحدة خلال عام كامل. 

أكبر بطارية تدفق أكسدي-اختزالي

أما أوروبا، فرغم انطلاقتها المتأخرة، فإنها تسارع الخطى، وقد تلعب سويسرا، وتحديدًا مدينة لاوفنبورغ، دورًا محوريًا في مستقبلها الطاقي.

في لاوفنبورغ، يجري حفر موقع هائل منذ أشهر، بمساحة تعادل ملعبي كرة قدم وعمق يصل إلى ارتفاع مبنى من ثمانية طوابق. هذا الموقع سيحتضن أكبر بطارية تدفق أكسدي-اختزالي تم بناؤها على الإطلاق. 

ويقود المشروع شركة FlexBase Group، التي تستهدف إنشاء منشأة بسعة 2.1 غيغاواط/ساعة وقدرة تصل إلى 1.2 غيغاواط، وهو ما يعادل تقريبًا إنتاج محطة نووية كاملة. وتتراوح تكلفة المشروع بين 1.2 و6.2 مليار دولار، مع موعد تسليم متوقع في عام 2029.

ورغم أن هذه التكنولوجيا تبدو حديثة، فإن جذورها تعود إلى القرن التاسع عشر، حيث تم تصور مبدأها لأول مرة عام 1879، قبل أن تطوره وكالة ناسا بشكل فعلي في ثمانينيات القرن الماضي باستخدام بطاريات الحديد-الكروم لتلبية احتياجات برامجها الفضائية. 

وتعتمد هذه البطاريات على مبدأ بسيط: خزانان يحتويان على سوائل إلكتروليتية يتم ضخها عبر خلية مركزية، حيث تتبادل الأيونات عبر غشاء، مما يسمح بتخزين الطاقة أو إطلاقها. 

وتتميز هذه التقنية بعدم وجود مكونات صلبة تتآكل، أو أقطاب تتلف، كما أنها لا تنطوي على مخاطر الانفلات الحراري. وتستخدم شركة FlexBase إلكتروليتًا يتكوّن بنسبة 75% من الماء، وهو غير سام، غير قابل للاشتعال، وقابل لإعادة التدوير.

لكن السبب في عدم انتشار هذه التقنية سابقًا يعود إلى كثافة الطاقة، إذ تخزن بطاريات التدفق طاقة أقل لكل متر مكعب مقارنة ببطاريات الليثيوم-أيون. ومع ذلك، فإن ميزتها الكبرى تكمن في قدرتها على الشحن والتفريغ عددًا شبه غير محدود من المرات دون تدهور في الأداء، ما يجعلها خيارًا اقتصاديًا قويًا على المدى الطويل، خاصة على مدى 20 إلى 30 عامًا.

  • من الأزمات إلى الفرص.. قصص ملهمة للشركات العائلية خلال «اصنع في الإمارات 2026»

التصنيف العالمي 

وعلى صعيد التصنيف العالمي، من المتوقع أن يدخل مشروع لاوفنبورغ ضمن أكبر عشر بطاريات في العالم، ليحتل المرتبة الثامنة بسعته البالغة 2.1 غيغاواط/ساعة، في حال دخوله الخدمة كما هو مخطط له في 2029. 

والأهم من ذلك، أنه سيكون بفارق كبير أكبر بطارية من نوعها في العالم، متجاوزًا الرقم القياسي السابق الذي بلغ 1 غيغاواط/ساعة في مشروع صيني.

ويأتي هذا المشروع ضمن سوق يشهد نموًا متسارعًا، حيث بلغت قيمة قطاع تخزين الطاقة عالميًا نحو 295 مليار دولار في عام 2025، ومن المتوقع أن تتجاوز 465 مليار دولار بحلول 2030. 

ويرجع هذا النمو إلى الانخفاض الكبير في أسعار البطاريات، خصوصًا بطاريات الليثيوم-فوسفات الحديد (LFP)، التي انخفض سعرها إلى أقل من 115 دولارًا لكل كيلوواط/ساعة في 2024، أي أقل بعشر مرات مقارنة ببداية العقد الماضي. وبهذا السعر، أصبح التخزين منافسًا فعليًا لمحطات الغاز، حتى لفترات تشغيل تمتد إلى عشر ساعات.

وتستحوذ منطقة آسيا-المحيط الهادئ على 43% من عائدات السوق، مدفوعة بالصين التي نشرت في 2024 قدرات تخزين تفوق بقية العالم مجتمعة، في إطار سعيها للوصول إلى 33% من الطاقة المتجددة في مزيجها الكهربائي. أما أمريكا الشمالية، فتشهد أسرع نمو بفضل الحوافز الضريبية، بينما سجلت أوروبا نموًا كبيرًا بنسبة 94% في عام 2023، رغم انطلاقها من قاعدة أقل.

كما يشهد القطاع تحولًا في طبيعة المشاريع، فبعد أن كان التخزين يعتمد أساسًا على السدود الكهرومائية القابلة للعكس، والتي تمثل 84% من القدرة العالمية، بدأت هذه التقنية تواجه قيودًا بسبب ندرة المواقع المناسبة وطول إجراءات الترخيص. وهنا برزت البطاريات كبديل عملي ومرن.

في الوقت نفسه، بدأ السوق ينقسم بوضوح بين تقنيات مختلفة، حيث تهيمن بطاريات الليثيوم-أيون على التخزين قصير ومتوسط المدى بفضل سرعتها وتكلفتها المنخفضة، بينما تظهر تقنيات بديلة مثل بطاريات التدفق، والهواء المضغوط، وأنظمة الجاذبية، كحلول مثالية للتخزين طويل الأمد على مدى أيام، خاصة في ظروف تتطلب أمانًا عاليًا أو مواقع خاصة. وهذا تحديدًا هو المجال الذي يستهدفه مشروع لاوفنبورغ، والذي قد يكون مجرد بداية لتحول أوسع في عالم الطاقة.