اقتصاد
كشف جبل الزيت في مصر.. ما أثره على فاتورة استيراد النفط والغاز؟
فتح اكتشاف بترولي جديد بمنطقة جبل الزيت في مصر الباب أمام تساؤلات بشأن قدرته على دعم الإنتاج المحلي وتخفيف فاتورة استيراد الطاقة، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا.
وتتجه الأنظار إلى منطقة شمال خليج الزيت بالصحراء الشرقية المصرية، عقب الإعلان عن نجاح حفر بئر استكشافية جديدة تحمل اسم “لوركان-6″، أظهرت اختباراتها تدفقات من النفط الخام والغاز الطبيعي المصاحب، في خطوة تعزز جهود القاهرة لزيادة إنتاجها المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات.
لكن أهمية الكشف لا تتوقف عند الكميات المعلنة، وإنما تمتد إلى قدرته على تحقيق إنتاج تجاري مستدام، وإمكانية الوصول إلى احتياطيات إضافية في المنطقة، ومدى انعكاس ذلك على فاتورة الطاقة التي تستنزف مليارات الدولارات سنويًا.
- 56 جنيها للدولار.. ضغوط العملة تختبر سياسة «المركزي المصري»
كشف جبل الزيت.. ماذا أعلنت وزارة البترول؟
أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية، الجمعة، عن نجاح شركة بترونفرتيتي، التابعة لشركة جنوب الوادي المصرية القابضة للبترول، في حفر البئر الاستكشافية “لوركان-6” بمنطقة شمال خليج الزيت.
وأسفرت الاختبارات عن تسجيل معدل تدفق يبلغ 1500 برميل من الزيت الخام يوميًا، إلى جانب 8 ملايين قدم مكعبة من الغاز الطبيعي المصاحب.
ويُنفذ المشروع باستثمارات من شركتي دانا بتروليوم والشركة الكورية الوطنية للبترول “KNOC”، بالتنسيق مع الجهات المصرية المعنية بقطاع البترول.
وأوضحت الوزارة أن البئر ستُربط بالإنتاج عقب استكمال الاختبارات والإجراءات الفنية، بالتزامن مع تحديث الخرائط الجيولوجية وتحليل النتائج لتحديد فرص حفر آبار إضافية.
كم يضيف الاكتشاف إلى إنتاج مصر؟
تكشف الحسابات الأولية أن استمرار إنتاج البئر بالمعدلات المسجلة خلال الاختبارات لمدة عام كامل قد يوفر نحو 547.5 ألف برميل من النفط الخام، إلى جانب 2.92 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي.
غير أن هذه الأرقام تمثل تقديرًا حسابيًا مشروطًا باستقرار الإنتاج على مدار العام، ولا تعني إعلان احتياطيات مؤكدة أو كميات مضمونة الاستخراج.
وللمقارنة، أعلنت وزارة البترول في يونيو/ حزيران 2026 ارتفاع إنتاج مصر من الزيت الخام إلى أكثر من 540 ألف برميل يوميًا، ما يعني أن إنتاج البئر الجديدة، حال تشغيلها بالمعدل المعلن، يعادل أقل من 0.3% من ذلك المستوى.
أما الغاز المصاحب، فيمثل إضافة محدودة مقارنة باستهلاك محلي يتجاوز 6 مليارات قدم مكعبة يوميًا، لكنه قد يساعد في تقليص جزء من الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
وتشير هذه المقارنة إلى أن الكشف لا يمثل تحولًا جذريًا في ميزان الطاقة المصري بمفرده، لكنه يكتسب أهمية ضمن سلسلة الاكتشافات التي تستهدف تعويض التراجع الطبيعي في إنتاج الحقول القائمة.
خبراء: الاكتشافات الصغيرة تتراكم لتقليل الواردات
يرى مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول المصرية الأسبق، أن زيادة الإنتاج المحلي تكتسب أهميتها في ظل استمرار اعتماد السوق على مزيج من النفط المحلي والمستورد، إلى جانب المنتجات البترولية المستوردة والمكررة داخل البلاد.
وأوضح يوسف، في تصريحات لـ”العين الإخبارية”، أن تكلفة توفير الوقود لا ترتبط بسعر الخام وحده، بل تشمل تكاليف النقل والتكرير والتخزين والتوزيع والضرائب، فضلًا عن اختلاف مصادر الإمدادات.
وتعكس هذه الرؤية أن زيادة الإنتاج المحلي قد تقلص الاحتياجات الاستيرادية، لكنها لا تعني بالضرورة انخفاضًا مماثلًا في أسعار البنزين والسولار للمستهلكين.
ومن جانبه، أوضح الخبير البترولي يسري حسان ، أن الاكتشافات محدودة الحجم تمثل إضافات تراكمية مهمة للإنتاج المحلي، لكنها لا تستطيع بمفردها تعويض الفجوة الكبيرة بين الإنتاج والاستهلاك.
وشدد على أهمية استمرار أعمال الاستكشاف وتطوير الحقول القائمة وانتظام سداد مستحقات الشركاء الأجانب، بما يشجع الشركات على زيادة استثمارات البحث والتنقيب.
وفي السياق ذاته، أكد الدكتور رمضان أبو العلا، أستاذ هندسة البترول وخبير أسواق الطاقة، أن التوسع في الاكتشافات الجديدة يدعم قدرة مصر على تقليص واردات الغاز الطبيعي وتوفير النقد الأجنبي.
وأشار أبو العلا، إلى أن الأهمية الاقتصادية للاكتشافات تتزايد مع نجاح عمليات التنمية وتحويل الآبار الجديدة إلى مصادر إنتاج فعلية.
- البنك المركزي المصري يرفع أسعار الفائدة لأول مرة منذ مارس 2024
فاتورة الطاقة.. هل يوفر الكشف ملايين الدولارات؟
تأتي أهمية الكشف الجديد في وقت تواجه فيه مصر أعباء متزايدة لتأمين احتياجاتها من النفط والغاز، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين نتيجة التوترات الإقليمية.
وبحسب بيانات ميزان المدفوعات المصري، ارتفعت فاتورة الواردات البترولية إلى نحو 24.9 مليار دولار خلال العام المالي 2025-2026، فيما اتسع العجز التجاري البترولي إلى نحو 18.3 مليار دولار.
وتستهدف الحكومة زيادة الاعتماد على الخام المنتج محليًا وتحسين كفاءة معامل التكرير، بما يحد من استيراد المنتجات البترولية مرتفعة التكلفة.
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن أن يساهم تشغيل “لوركان-6” في تخفيض جزء من احتياجات الاستيراد، لكن تحديد قيمة الوفورات الدولارية يتطلب معرفة متوسط الإنتاج التجاري الفعلي، وأسعار بيع الخام والغاز، وتكاليف التشغيل، وحصص الشركاء الأجانب.
وبالتالي، فإن تحويل الكميات المكتشفة مباشرة إلى قيمة مالية وفق الأسعار العالمية لا يعكس بالضرورة صافي العائد الذي سيحققه الاقتصاد المصري.
اكتشافات متلاحقة.. هل تتغير خريطة الإنتاج؟
لا يأتي كشف جبل الزيت بمعزل عن خطة أوسع تستهدف تكثيف أعمال الحفر والاستكشاف.
فبحسب بيانات نشرتها مصادر بقطاع البترول في أكتوبر/ تشرين الأول ، شهدت الفترة من بداية يوليو/ تموز حتى 19 أكتوبر/ تشرين الأول 2026 حفر 150 بئرًا تنموية واستكشافية، ودخول 106 آبار جديدة إلى خريطة الإنتاج.
وساهمت هذه الأنشطة في إضافة نحو 50.7 ألف برميل يوميًا من الخام والمتكثفات، و218 مليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، إلى جانب تحقيق 15 اكتشافًا جديدًا.
كما تستهدف الحكومة زيادة الاستثمارات في البحث والتنمية، وتعويض التناقص الطبيعي في إنتاج الآبار القديمة، بما يساعد على استعادة النمو المستدام لإنتاج الطاقة.
متى يبدأ إنتاج بئر لوركان-6؟
لم تحدد وزارة البترول موعدًا نهائيًا لبدء الإنتاج التجاري من البئر، مكتفية بالإشارة إلى استكمال الاختبارات والإجراءات الفنية قبل الربط بمنظومة الإنتاج.
وتبقى المرحلة المقبلة حاسمة لتقييم استدامة معدلات التدفق، وتحديد حجم الاحتياطيات القابلة للاستخراج، ومدى جدوى حفر آبار إضافية في المنطقة.
وبينما يمثل كشف جبل الزيت إضافة إيجابية لقطاع البترول المصري، فإن تأثيره الاقتصادي الحقيقي سيعتمد على سرعة تحويل نتائج الاختبارات إلى إنتاج مستمر، ونجاح عمليات الاستكشاف اللاحقة في إضافة كميات أكبر.




