مراوغة سياسية.. كيف فاز دونالد ترامب بكأس العالم؟

دونالد ترامب يتصدر مشهد كأس العالم، إذ منح كرة القدم بطولة استثنائية بعد أن تجاوز المناوشات السياسية، وراوغ المشاكل.

وفي مساء الأحد، كان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، حاضرًا في ملعب نيويورك نيوجيرسي (ملعب ميتلايف) لحضور ختام مسابقة كأس العالم لكرة القدم لمشاهدة المباراة النهائية بين إسبانيا والأرجنتين، التي فازت فيها إسبانيا بنتيجة 1-0 في الوقت الإضافي بهدف سجله فيران توريس بعد أن لعبت الأرجنتين الدقائق الأخيرة من المباراة منقوصة لاعبا.

وكانت هذه المباراة الأولى والوحيدة التي يحضرها ترامب في البطولة. وقد شاهد المباراة من المقصورة برفقة الرئيسة المكسيكية كلوديا شاينباوم، ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، والملك الإسباني فيليبي السادس، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز.

تحذير في البداية

وقبل ستة أسابيع، بدت هذا النهاية بعيدة كل البعد عن اليقين، إذ حذر النقاد من أن أول نسخة من كأس العالم تضم 48 فريقًا ستصبح مثالًا على كيفية طغيان السياسة على الرياضة.

ومع ذلك، لم تتحقق “الكارثة” التي توقعها الكثيرون. فقد حطمت البطولة أرقامًا قياسية في الحضور الجماهيري، وحققت أعلى معدلات مشاهدة تلفزيونية في تاريخ كرة القدم.

وبحلول موعد المباراة النهائية الأحد بين إسبانيا والأرجنتين، كان العديد من المراقبين قد أشادوا بها باعتبارها واحدة من أقوى بطولات كأس العالم في الذاكرة الحديثة.

واحتل ترامب مركز الصورة الأبرز في البطولة، حيث سلّم كأس العالم للاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) إلى رودري، قائد المنتخب الإسباني، خلال احتفالات الفوز باللقب.

كانت تلك هي النهاية التي طالما تصورتها الفيفا على مدى سنوات: ملعب مكتظ بالجماهير، ومليارات المشاهدين حول العالم، ورئيس الدولة المضيفة يشارك الأضواء على أكبر مسرح لكرة القدم.

وقبل البطولة، كانت الشكوك حقيقية. فقد اتهمت مجموعات المشجعين الفيفا بإبعادهم عن المباريات، بسبب الأسعار الباهظة.

وأفادت الفنادق في عدة مدن مضيفة بأن الحجوزات جاءت أقل من التوقعات. فيما خشيت منظمات حقوق الإنسان من إجراءات مراقبة الهجرة حول الملاعب، في حين أشارت استطلاعات الرأي إلى أن جزءًا كبيرًا من الجمهور الأمريكي لم يكن مهتمًّا ببساطة.

وكانت مجلة «نيوزويك» من بين وسائل الإعلام التي تساءلت عما إذا كانت البطولة قد أصبحت، «ممارسة عملاقة لجني الأموال أدت إلى تنفير المشجعين قبل أن تُركل الكرة الأولى»، في حين نشرت وسائل إعلام أخرى، بما في ذلك «نيويورك تايمز»، عناوين تشير إلى أن ترامب قد جعل كأس العالم «أقل متعة».

تحول مفاجئ

بدلاً من ذلك، لم تُنفَّذ أي حملات صارمة لمكافحة الهجرة حول الملاعب، ولم تصبح المقاعد الشاغرة مشكلةً على الإطلاق، وفشلت حركة المقاطعة في اكتساب زخم.

اختتمت البطولة بحضور قياسي بلغ 6,810,966 متفرجًا على مدار 104 مباراة، وفقًا للفيفا، متجاوزةً إجمالي الحضور في كأس العالم لعامي 2018 و2022 مجتمعين.

وبلغت نسبة إشغال الملاعب 99.7% من المقاعد المتاحة، في حين سقط الرقم القياسي للحضور الذي سجلته كأس العالم لعام 1994 قبل أن تكتمل حتى مرحلة المجموعات.

وفي يوم واحد فقط من شهر يونيو/حزيران، استقطبت ملاعب البطولة أكثر من 426,000 مشجع، مسجلةً بذلك رقماً قياسياً آخر في تاريخ كأس العالم.

وحقق البث باللغة الإنجليزية على قناة «فوكس» أعلى نسبة مشاهدة لمرحلة المجموعات في تاريخ الولايات المتحدة، حيث بلغ متوسط عدد المشاهدين أكثر من 5 ملايين مشاهد عبر قنوات «فوكس» و«FS1» و«Tubi»، في حين بلغ متوسط عدد المشاهدين على قناة «تيليموندو» 4.6 مليون مشاهد، بزيادة قدرها 122% مقارنة ببطولة عام 2022.

كما جذبت المباراة الافتتاحية للولايات المتحدة ضد باراغواي حوالي 18 مليون مشاهد على منصات فوكس و9.5 مليون آخرين على تيلموندو، محققةً أرقامًا قياسية باللغتين الإنجليزية والإسبانية.

وبحلول مباريات نصف النهائي، سجل فوز الأرجنتين على إنجلترا متوسطًا تجاوز 15 مليون مشاهد على قناة فوكس وحدها، وهو أكبر عدد مشاهدين لمباراة نصف نهائي كأس العالم في تاريخ التلفزيون الأمريكي الناطق باللغة الإنجليزية.

وبالنسبة للفيفا، كانت هذه الأرقام أكثر أهمية من أي مقاعد فارغة كان من الممكن أن تكون موجودة.

وصرح سيمون تشادويك، الأستاذ في كلية إميلون للأعمال ومؤلف كتاب «أعمال كأس العالم للفيفا»، لمجلة «نيوزويك»: ”كأس العالم لكرة القدم للرجال هو بلا شك مصدر الدخل الرئيسي للفيفا. إنه المصدر الرئيسي لإيرادات المنظمة على مدار دورة مدتها أربع سنوات“.

وأضاف أن عائدات البطولة تمول جميع الأنشطة الأخرى التي تديرها الفيفا، بدءًا من كأس العالم للسيدات وصولاً إلى كأس العالم للأندية.

وساهمت جودة كرة القدم في تحقيق هذه الأرقام. فقد سجلت البطولة 2.94 هدفًا في المباراة الواحدة حتى مرحلة ربع النهائي، وهو أعلى معدل تهديفي منذ متوسط 2.97 الذي سُجل في كأس العالم بالمكسيك عام 1970، وفقًا لأرقام الفيفا.

وأصبحت حالات العودة من الخلف سمة مميزة للبطولة. وشهدت بطولة 2026، 11 انتصارًا بعد تأخر في النتيجة، محطمةً الرقم القياسي السابق البالغ 10 انتصارات الذي سُجل في كأس العالم 2014 في البرازيل، 

دور الرئيس

إلى ذلك، أمضى ترامب سنوات في ترسيخ مكانته باعتباره الوجه السياسي لكأس العالم 2026.

إذ استضاف قرعة البطولة في مركز كينيدي في ديسمبر/كانون الأول، واستغل رئيس الفيفا، إنفانتينو هذه المناسبة لتقديم جائزة السلام التي أنشأتها المنظمة حديثًا إليه.

وأنشأت إدارة ترامب فريق عمل في البيت الأبيض للإشراف على الاستعدادات لكأس العالم.

لكن عندما بدأت المباريات فعليًّا، اختفى ترامب. وبالنسبة لرئيس معروف بتطلعه إلى الأضواء، كان غيابه ملفتًا للنظر. لم يحضر مباريات دور المجموعات.

وربما كان هذا الغياب في صالحه.

إذ سارت البطولة، التي حذر النقاد من أنها قد تتحول إلى كارثة سياسية، دون أي اضطرابات تذكر. لم تحدث أي مداهمات متعلقة بالهجرة داخل الملاعب. ولم تقع أي حوادث أمنية كبيرة. ولم تحدث أي مواجهات دبلوماسية مع المدن المضيفة التي يديرها مسؤولون ديمقراطيون.

ولم تكن الصور الصادرة عن البطولة صور احتجاجات أو فوضى، بل كانت صورًا لملاعب مكتظة ومشجعين دوليين يحتفلون في مختلف المدن الأمريكية، وفق نيوزويك.

حتى أن بعض منتقدي ترامب أقروا بسلاسة سير البطولة.

فالمسؤولون الديمقراطيون الذين أعربوا عن مخاوفهم بشأن أسعار التذاكر والإنفاق العام ومعاملة الإدارة للزوار الأجانب، أبدوا مع ذلك ترحيبهم بالبطولة نفسها.

وحضر كل من حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم، وحاكم بنسلفانيا جوش شابيرو، وعمدة مدينة نيويورك زهران مامداني، وحاكمة نيوجيرسي ميكي شيريل، المباريات.

وعندما سلّم ترامب الكأس إلى اللاعب الإسباني رودري، اختتم بذلك واحدة من أنجح بطولات كأس العالم في تاريخ المسابقة؛ لم تظهر المقاعد الفارغة أبدًا، ولم تنجح عمليات المقاطعة أبدًا، ولم تحدث المداهمات، بل ما حدث بدلاً من ذلك هو حضور جماهيري قياسي، ومعدلات مشاهدة قياسية، ورئيس يقف في قلب الصورة، وفق التقرير.