كشف تقرير استقصائي عن تنامي سوق رهانات ضخم يقدّر بملايين الدولارات، يتركز حول التنبؤ بمسارات الحروب والأحداث الجيوسياسية.
وأبرز التقرير الذي نشرته صحيفة “الغارديان” كيف تحولت الحروب، خاصة في أوكرانيا والشرق الأوسط، إلى مادة للمضاربة عبر منصات مثل “بوليماركت”، حيث يراهن المستخدمون على نتائج عسكرية وسياسية معقدة.
وضرب التقرير مثالا بشخص يدعى “هوريكوندن” الذي كان يفقد صبره سريعا بسبب استيائه من معهد دراسة الحرب، الذي ينشر خرائط يومية لجبهات القتال في أوكرانيا. واعتبر، مع مقامرين آخرين، أن هذه الخرائط فوضوية وغير دقيقة، ما يجعلها غير مفيدة لحسم رهاناتهم على منصة “بوليماركت. ففي الخريطة، لا تزال مدينة كوستيانتينيفكا، تحت سيطرة القوات الأوكرانية رغم القصف المستمر، بينما تبلغ قيمة الرهان بشأنها ٥٠٠ مليون دولار على ما إذا كانت روسيا ستسيطر على المدينة هذا العام، وسيُحسم الرهان بناءً على ما إذا كانت خريطة المعهد ستظهر سيطرة روسيا على محطة القطار فيها.
- الحرب تصل لموائد الطعام.. أزمة الطاقة تهدد الأمن الغذائي العالمي
وأشار التقرير أنه في اقتصاد إلكتروني مزدهر، يناقش آلاف الأشخاص كيفية تحقيق أرباح من الحرب، فهم يراهنون على أوكرانيا، وقد راهنوا على وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران؛ حيث بلغ حجم الرهانات 280 مليون دولار. كما يراهنون على ما إذا كانت الولايات المتحدة ستنفذ عملية برية في إيران مع 7.5 مليون دولار مُخاطَر بها.
ويكشف التقرير أن آلاف المستخدمين يشاركون في هذا الاقتصاد الرقمي، حيث تتم مناقشة استراتيجيات الربح من الحروب عبر منصات مثل “ديسكورد”. وتشمل الرهانات قضايا كبرى، مثل احتمالات وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، أو اندلاع حرب مباشرة بينهما. وقد تصل قيمة هذه الرهانات إلى مئات الملايين من الدولارات، ما يعكس حجم الاهتمام والمخاطر.
كما يشير التقرير إلى أن بعض المستخدمين لا يكتفون بالمراهنة، بل يحاولون التأثير على الأحداث أو على كيفية توثيقها، من أجل ضمان الفوز. وقد أثار ذلك انتقادات أخلاقية ودعوات لتنظيم هذه المنصات، خاصة بعد حوادث مثل تهديد صحفي لتغيير تغطيته بما يخدم نتائج رهان معين.
صعود متواصل
وفي يوليو/تموز 2024، وقبيل إعادة انتخاب دونالد ترامب في الولايات المتحدة، أفادت “بوليماركت” بأنها سجلت نحو 400 مليون دولار من التداولات على منصاتها خلال ذلك العام. وهي الآن تستطيع تسجيل هذا الرقم أو أكثر في يوم واحد. وتصف نفسها بأنها “سوق تنبؤ” -وسيلة لجمع بيانات حول المستقبل من خلال إتاحة الفرصة للجمهور للمراهنة عليه.
ورغم أن “بوليماركت” تقدم نفسها كسوق تنبؤ يوفر “إشارة للحقيقة”، إلا أن منتقدين يرون أنها أصبحت أقرب إلى كازينو ضخم يمكن تحقيق أرباح من خلاله من أي حدث، مهما كان حساسًا. ويعزز هذا الرأي تنوع الرهانات، التي لا تقتصر على الحروب، بل تمتد إلى خطابات السياسيين وسلوكهم.
وتحدثت “الغارديان” مع عدة مستخدمين آخرين في “ديسكورد”. وقال طالب في مدرسة ثانوية أمريكية إنه يشارك غالبًا في “أسواق الإشارات الخطابية ” (mentions markets)، حيث يراهن المستخدمون على عدد المرات التي قد يقول فيها شخصية عامة عبارة معينة في خطاب -على سبيل المثال، ما إذا كان ترامب سيقول كلمة “قاعة رقص.” وقال إن من السهل تحقيق أفضلية في هذا النوع؛ إذ كان يدرس نصوص خطابات سابقة لترامب وغيره على يوتيوب. وحتى الآن، قال إنه حقق 200 دولار، رغم أنه خسر أموالًا في رهانات رياضية في أماكن أخرى.
اهتمام من الأسواق
ودخلت الأسواق على الخط، ففي أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت شركة “إنتركونتيننتال إكستشينج”، المالكة لبورصة نيويورك، أنها ستستثمر ما يصل إلى ملياري دولار في “بوليماركت”، وأنها ستبدأ قريبًا في توزيع تحليلات توجهات المنصة على المستثمرين.
كما استشهد بنك “غولدمان ساكس” باحتمالات “بوليماركت” بشأن الصراع الأمريكي-الإيراني في نشراته؛ وطلبت “ناسداك” مؤخرًا من هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية الموافقة على إدراج خيارات ثنائية -رهانات بنعم أو لا شبيهة بـ”بوليماركت”- مرتبطة بمؤشرها.
ويرى المؤيدون أن هذا للأفضل. فاستطلاعات الرأي تفشل، ووسائل الإعلام التقليدية تفوّت السرد الحقيقي.
وكتب كاتب في “فوربس” أن أسواق التنبؤ “إشارة للحقيقة تتحرك أسرع من الاستطلاعات أو المحللين أو التقارير الرسمية”. لكن خبراء يحذرون من أن تأثير هذه المنصات قد يمتد إلى الأسواق المالية الكبرى، حيث يمكن أن تُستخدم بياناتها كمؤشرات على توقعات المستثمرين، ما يفتح الباب أمام التلاعب الأوسع.
وقال ياش كانوريا، أستاذ في جامعة كولومبيا يعمل في تصميم الأسواق، إن مشاركة بيانات المنصة “تفتح فرصة للتلاعب بالأسواق المالية عبر تحريف الاحتمالات على بوليماركت”.
حسم مشبوه
ثم هناك مسألة من يقرر “حقيقة” بوليماركت عندما يكون نتيجة حدث ما محل خلاف.
فمن الجوانب المثيرة للجدل آلية حسم الرهانات، إذ تعتمد المنصة على مجموعة مجهولة من حاملي عملة رقمية تُعرف باسم UMA، للتصويت على نتائج الأحداث المختلف عليها.
ويثير هذا النظام مخاوف من التلاعب، خاصة أن هوية المصوتين غير معروفة، وقد تكون لديهم مصالح مالية مباشرة في النتائج.
aXA6IDE5OS4xODguMjAxLjIzMyA= جزيرة ام اند امز


