للمرة الأولى منذ تأسيس الأمم المتحدة، تبرز إمكانية تولي امرأة منصب الأمين العام، لكن السباق يتجاوز مسألة النوع الاجتماعي.
وعلى مدار تاريخها الممتد لثمانين عاما، قد تختار الأمم المتحدة، لأول مرة، هذا العام امرأة لتولي منصب الأمين العام خلفا للبرتغالي أنطونيو غوتيريش.
ومن بين المرشحين الثمانية الذين تم ترشيحهم حتى الآن، خمس نساء، ويرى العديد من أعضاء الأمم المتحدة أنه قد حان دورهن أخيرا.
وفي عملية سرية تمتد لأشهر، يختار مجلس الأمن الدولي، الأمين العام المقبل، على أمل حسم المنافسة قبل انتهاء ولاية غوتيريش، في 31 ديسمبر/كانون الأول المقبل.
عوامل أخرى
وفي هذا السياق، تقول صحيفة “واشنطن بوست” إن هناك عوامل أخرى مؤثرة تتجاوز مسألة النوع الاجتماعي، في اختيار الأمين العام.
ولفتت الصحيفة إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تتمتع بحق النقض (الفيتو) في المجلس، تبذل جهودا مضنية لضمان توافق القيادة الجديدة مع خططها لمواصلة خفض ميزانية الأمم المتحدة وتقليص عدد موظفيها.
وبعيدا عن المخاوف التمويلية المزمنة، تسعى إدارة ترامب إلى إحداث تغيير جذري في المنظمة الدولية، ولا سيما في طريقة تعاملها مع “أركان” ميثاقها الثلاثة – السلام والأمن، والتنمية، وحقوق الإنسان – والالتزام بالقانون الدولي.
وكان المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، قد قال في جلسة استماع بمجلس الشيوخ هذا الربيع، إن هذه المنظمة “في أمس الحاجة إلى قيادة قوية وفعالة”.
وأكد أن أولويات الولايات المتحدة هي “الإصلاح، الإصلاح، الإصلاح”، مشيرا إلى أن العودة إلى أساسيات السلام والأمن “ستكون على رأس معايير الولايات المتحدة”.
وبالتزامن مع ذلك، أجرى مسؤولون رفيعو المستوى في البعثة الأمريكية لدى مقر الأمم المتحدة في نيويورك، هذا الصيف، مقابلات عديدة مع ستة من المرشحين. بحسب الصحيفة.
فيما ظهر مرشحان جديدان هذا الشهر، وقد يتم تقديم ترشيحات أخرى قبل اتخاذ أي قرار نهائي.
مفاجأة أكتوبر
ولم يعلق الرئيس دونالد ترامب على تقرير نشرته صحيفة “نيويورك بوست” الشهر الماضي يفيد برغبته في تعيين جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، في هذا المنصب.
ورغم أن ترامب لم يعلق على التقرير، فإن أوساط الأمم المتحدة تتحدث عن احتمال حدوث “مفاجأة في أكتوبر/تشرين الأول”، بحسب أحد المطلعين على عملية الاختيار، الذي تحدث لـ”واشنطن بوست” شريطة عدم الكشف عن هويته بسبب سرية التصويت.
وبحسب شخص ثان مطّلع على العملية وكواليسها، فإن أمام ترامب “حتى نهاية ديسمبر” للتدخل، مضيفا أن السؤال الذي يتردد داخل الأمم المتحدة هو “ما إذا كان الرئيس الأمريكي سيعلن في مرحلة ما دعمه لإنفانتينو، أو ربما لأحد أفراد عائلته أو لصهره جاريد كوشنر، وهو ما قد يعيد عملية الاختيار إلى نقطة الصفر، بينما تسعى الدول إلى التعامل سياسيا مع هذا التدخل”.
وأقر مسؤول أمريكي رفيع المستوى بتدخل الولايات المتحدة العميق، لكنه قال إن المقابلات أقرب إلى “محادثات”، مضيفا أن الإدارة لا تفضل مرشحا معينا من بين المرشحين الحاليين أو المحتملين في المستقبل.
وقال المسؤول للصحيفة “نريد أفضل مرشح. ببساطة. لسنا مهتمين بأي شيء من شأنه أن يمنع أصحاب الكفاءات العالية حول العالم من الترشح”.
ورغم اختلاف وجهات النظر حول آلية الاختيار، إلا أن قلة من الدول الأعضاء تتفق على ضرورة الإصلاح. وهو ما أشار إليه بيتر يو، نائب الرئيس الأول لمؤسسة الأمم المتحدة والخبير المخضرم في العلاقات الأمريكية الأممية، قائلا إن “هذه الانتخابات تحديدا تختلف عن جميع الانتخابات الأخرى”.
وأضاف يو: “تُطرح تساؤلات جوهرية حول الدور المستقبلي للمنظمة… ما الذي تقوم به الأمم المتحدة، وما هي ولايتها، وما هي البرامج التي ينبغي أن تديرها، وكيف ينبغي تمويلها. ولا تقتصر هذه التساؤلات على الولايات المتحدة وحدها”.
يأتي ذلك في وقت صعّد فيه ترامب انتقاداته للأمم المتحدة، واصفا إياها بأنها غير فعالة ومهدرة للموارد ولا تنسجم مع أولويات الولايات المتحدة.
كما ألغت إدارته عضوية الولايات المتحدة وتبرعاتها الطوعية في العديد من وكالاتها، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، بينما تم تحويل المساعدات الإنسانية والتنموية الأمريكية من البرامج الدولية إلى المساعدات الثنائية التي تعكس سياسة “أمريكا أولا”.
وتُحتسب رسوم العضوية السنوية في ميزانية الأمم المتحدة وفقا لمعادلة تشمل الناتج القومي الإجمالي وعدد السكان، ولطالما كانت الولايات المتحدة أكبر المساهمين.
إلا أنه حتى وقت قريب، لم تدفع إدارة ترامب أي شيء في حين سعت إلى إجراء تخفيضات حادة في الميزانية وتغييرات تنظيمية.
في مطلع هذا العام، وبينما كان غوتيريش يحذر من أن الأمم المتحدة تواجه “انهيارا ماليا وشيكا”، دفعت الإدارة الأمريكية حوالي 160 مليون دولار من أصل أكثر من 800 مليون دولار مستحقة العام الماضي، وفقا لمسؤول أمريكي.
وفي 4 أغسطس/آب، وبعد تخفيضات في أعداد الموظفين والميزانية شاركت الولايات المتحدة بشكل كبير في الدفع نحوها، أبلغت إدارة ترامب الكونغرس بأنها تعتزم دفع 725 مليون دولار من مستحقاتها لهذا العام.
كيف يتم انتخاب الأمين العام؟
من الناحية الفنية، يتم انتخاب الأمين العام بأغلبية الأصوات في الجمعية العامة المكونة من 193 دولة.
لكن مجلس الأمن المكون من 15 عضوا هو الذي يقدم المرشح إلى الجمعية العامة.
ولم يحدث سوى مرة واحدة، عام 1950، أن قدم مجلس الأمن أكثر من اسم واحد إلى الجمعية العامة للتصويت عليه.
ويحتاج المرشح إلى تسعة أصوات على الأقل داخل مجلس الأمن، مع احتفاظ الدول الخمس دائمة العضوية، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، بحق النقض (الفيتو).
وبموجب عرف مستقر منذ سنوات، لا ينبغي أن يأتي الأمين العام من إحدى الدول الخمس دائمة العضوية، التي تتمتع أصلا بنفوذ واسع بفضل حق النقض، كما جرى الاتفاق على أن يتناوب المنصب بين مختلف مناطق العالم.
ومنذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، تولى تسعة أشخاص منصب الأمين العام، وحصل بعضهم، ومن بينهم غوتيريش، على ولايتين متتاليتين مدة كل منهما خمس سنوات.
وفي حين حظيت أفريقيا وآسيا وأوروبا بفرص متعددة لشغل المنصب، لم يتول منصب الأمين العام سوى شخص واحد من أمريكا اللاتينية، هو البيروفي خافيير بيريز دي كوييار، الذي شغل المنصب بين عامي 1982 و1991.
من هم المرشحون الحاليون؟
أما في السباق الحالي، فجميع المرشحات الخمس من أمريكا اللاتينية، إلى جانب واحد من المرشحين الرجال الثلاثة، فيما ينحدر الرجلان الآخران من أفريقيا.
وتقول صحيفة “واشنطن بوست” إن جميع المرشحين يتمتعون بخبرة سابقة في الأمم المتحدة أو في حكومات بلدانهم، أو في الجهتين معا، فيما خاض معظمهم حملات نشطة للفوز بالمنصب.
ومنذ بداية الصيف، يجري أعضاء مجلس الأمن بصورة دورية اقتراعات سرية غير رسمية، يبدون خلالها موقفهم من كل مرشح عبر خيارات “التشجيع” أو “عدم التشجيع” أو عدم إبداء الرأي.
وفي نتائج الاقتراع الأول، الذي جرى في أواخر يوليو/تموز ولم تُعلن رسميا، لكنها انتشرت على نطاق واسع، تصدرت ثلاثة أسماء القائمة، هي:
ريبيكا غرينسبان، الرئيسة السابقة لكوستاريكا والرئيسة السابقة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.
كارولين رودريغز بيركيت، وزيرة الخارجية السابقة والسفيرة الحالية لغيانا لدى الأمم المتحدة.
رافائيل ماريانو غروسي، الدبلوماسي الأرجنتيني والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ عام 2019.
وفي اقتراع سري ثان جرى يوم الجمعة الماضي، أفادت تقارير إعلامية بأن المرشحين الثلاثة ظلوا في المقدمة، لكن أيا منهم لم يبدُ أنه يتجه نحو فوز حاسم.
وتضم قائمة المرشحين أيضا ميشيل باشيليت، الرئيسة السابقة لتشيلي لولايتين والمفوضة السامية السابقة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وماريا فرناندا إسبينوزا، وزيرة الخارجية الإكوادورية السابقة والرئيسة السابقة للجمعية العامة، وماكي سال، الرئيس السنغالي السابق ورئيس الوزراء السابق، وأولارا أوتونو، السياسي والدبلوماسي الأوغندي.
والأسبوع الماضي، انضمت الدبلوماسية الإكوادورية السابقة إيفون آ-باكي إلى السباق، بعدما رشحتها دولة تونغا الواقعة في المحيط الهادئ، نظرا إلى أن الإكوادور كانت قد رشحت بالفعل مرشحا آخر.
خليفة غوتيريش أسير تنافس القوى الكبرى
ومع استمرار المنافسة، يقول أحد المطلعين على شؤون الأمم المتحدة إن عملية الاختيار “تغرق في المياه العكرة لسياسة مجلس الأمن”.
ويخشى خبراء من أن تستخدم روسيا والصين حق النقض لإحباط مرشح يحظى بتأييد الولايات المتحدة، والعكس صحيح، في انعكاس للتنافس بين القوى الكبرى داخل المجلس.
وفي هذا الصدد، يقول بريت دي. شيفر، الباحث البارز في معهد “أمريكان إنتربرايز”، إن الشائعات تشير إلى أن بريطانيا “لا تنظر بعين الرضا إلى غروسي”، بسبب استمرار التوتر البريطاني الأرجنتيني على خلفية حرب جزر فوكلاند عام 1982.
كما سبق أن أشارت الولايات المتحدة إلى أنها لا تفضل باشيليت بسبب ما تعتبره تقاربا بينها وبين الصين.
وفي المقابل، يقال إن روسيا “غير متحمسة لغروسي”، بسبب مواقف الوكالة الدولية للطاقة الذرية من إيران، حليفتها، ومن أوكرانيا، خصمها، بحسب شيفر.
وبما أن أيا من الدول الخمس دائمة العضوية يمكنها إسقاط أي ترشيح باستخدام حق النقض، فإن الحسم لن يقترب قبل انتقال مجلس الأمن من الاقتراعات غير الرسمية إلى بطاقات اقتراع ملونة، تشير فيها البطاقة الحمراء إلى استخدام “الفيتو” بشكل نهائي.
ومن المرجح ألا يحدث هذا الانتقال قبل انعقاد الاجتماع السنوي رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يحضره رؤساء الدول والحكومات، والمقرر الشهر المقبل.

