تعتزم البحرية الأمريكية إجراء اختبار ميداني هذا الصيف لقدرة حاملة الطائرات العملاقة «يو إس إس جيرالد آر فورد»، المزودة بمفاعلين نوويين، على تزويد قاعدة نورفولك البحرية بولاية فرجينيا بالطاقة الكهربائية، في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في مفهوم المرونة الد
يأتي هذا الاختبار، الذي كشف عنه القائم بأعمال وزير البحرية هونغ كاو خلال جلسة استماع أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب في 14 مايو/أيار الجاري، تتويجاً لجهود البنتاغون المتسارعة لضمان استمرارية التيار الكهربائي في منشآته الحيوية في أعقاب الهجمات المعادية أو الكوارث الطبيعية، مستنداً بذلك إلى إرث بحري طويل من استخدام السفن كمصادر طاقة طارئة على اليابسة، بحسب موقع “تايم وور زون”.
- أمريكا تختبر أنظمة مكافحة المسيرات.. منطقة تدريب على الحدود
وتُعد «جيرالد فورد»، التي تتخذ من نورفولك ميناءً رئيسياً لها وعادت مؤخراً من مهمة ماراثونية استمرت 326 يوماً، السفينة الوحيدة من فئتها التي دخلت الخدمة حتى الآن، علماً بأن البحرية تعاني أصلاً من نقص في هذه الحاملات المتطورة التي تنتظرها قريباً شقيقتها «يو إس إس جون إف كينيدي».
وتضم كل حاملة من هذا الطراز مفاعلين نوويين يوفران، بحسب التقديرات المتاحة، نحو 700 ميغاواط حراري لكل منهما، أي ما مجموعه 1400 ميغاواط حراري، بزيادة 25 % في طاقة المفاعل بالحاملات من فئة نيميتز.
وصُممت هذه المفاعلات في الأساس لتشغيل مدن عائمة يتراوح عدد أفراد طاقمها بين 4000 و5000 فرد، بمن فيهم أفراد الجناح الجوي، مما يمنحها فائض طاقة هائلاً يمكن توجيهه خارج حدود الهيكل الفولاذي.

ويأتي هذا المسعى في وقت يدق فيه المسؤولون الأمريكيون ناقوس الخطر من تنامي التهديدات التي باتت تطال مناطق كانت تُعتبر حتى وقت قريب ملاذات آمنة داخل الولايات المتحدة نفسها.
فالتوسع الهائل في الطائرات الهجومية أحادية الاتجاه بعيدة المدى، إلى جانب سهولة الوصول إلى تقنيات متطورة منخفضة التكلفة، قلب الموازين التقليدية، وجعل قواعد عريقة مثل نورفولك عرضة لسيناريوهات انقطاع مفاجئ للطاقة جراء عمل تخريبي أو هجوم إلكتروني يستهدف شبكات الكهرباء المتقادمة أصلاً.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى القدرة على تحويل حاملة طائرات نووية إلى محطة طاقة طارئة كخيار احتياطي استراتيجي يضمن استمرار العمليات الحيوية والخدمات الأساسية في ظل أسوأ الفرضيات.
غير أن فكرة استخدام السفن كمصدر طاقة على الشاطئ ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها في التاريخ البحري الأمريكي إلى قرابة القرن.
ففي شتاء 1929-1930، أنارت حاملة الطائرات «يو إس إس ليكسينغتون» مدينة تاكوما بولاية واشنطن بعد أن عجزت شبكتها المعتمدة على الطاقة الكهرومائية جراء ظروف بيئية قاسية.
وخلال الحرب العالمية الثانية، حوّلت البحرية الأمريكية ونظيرتها البريطانية ما لا يقل عن سبع مدمرات مرافقة إلى محطات طاقة عائمة، فيما شغّل فيلق المهندسين بالجيش الأمريكي بين عامي 1968 و1975 السفينة «ستورجيس»، وهي محطة طاقة نووية عائمة بقدرة 10 ميغاواط، لتزويد منطقة قناة بنما بالكهرباء.
أما اليوم، فتُعد محطة «أكاديميك لومونوسوف» الروسية المحطة النووية العائمة الوحيدة المصممة خصيصاً لهذا الغرض، بينما تعمل شركات كورية وجنوب أفريقية على تطوير تصاميم مماثلة.
وتتجاوز القيمة المحتملة لهذه القدرة سيناريوهات الصراع المسلح، إذ سلط كاو الضوء على أبعاد إنسانية لافتة، مشيراً إلى إمكانية استخدام الطاقة المنتجة في تشغيل أجهزة تقطير متطورة على متن الحاملة لإنتاج مياه شرب نقية بكميات هائلة.
وقال كاو: “على متن حاملة الطائرات، نضخ ملايين الغالونات يومياً من المياه العذبة الصالحة للشرب… ويمكننا الآن تصديرها إلى أماكن مثل كاليفورنيا التي تعاني من الجفاف”.

وهذا يضع حاملات الطائرات في قلب عمليات الإغاثة من الكوارث، حيث يشكل استعادة التيار الكهربائي والمياه النظيفة عنصرين حاسمين في إنقاذ الأرواح وإعادة الخدمات الطبية واللوجستية، خاصة في المنشآت العسكرية التي تتحول عادة إلى مراكز تعافٍ إقليمية بعد الزلازل أو الأعاصير.
لكن هذه الرؤية لا تخلو من تعقيدات عملياتية واستراتيجية. فالسفينة الراسية في الميناء أكثر عرضة للتهديدات منها في عرض البحر، وحاملة طائرات بحجم وقيمة «فورد» هدف استراتيجي ثمين في أي نزاع كبير، مما يستلزم متطلبات حماية إضافية ضخمة قد تثني القادة عن هذا الخيار في أوقات التوتر القصوى.
ومع ذلك، يرى المراقبون أنه يمكن توظيف الحاملات غير المنخرطة في عمليات نشر نشطة لهذا الغرض بأقل تأثير ممكن على دورة توليد القوة القتالية.
كما أن البحرية تدرس المسألة ضمن تقييم أوسع لاحتياجات الأسطول وأولوياته، بالتزامن مع اهتمام متزايد بالمفاعلات النووية المعيارية الصغيرة لتزويد القواعد بالطاقة، وهو ملف يقوده الجيش الأمريكي حالياً بمشاركة فاعلة من سلاح الجو والبحرية.
وفي انتظار نتائج الاختبار المرتقب هذا الصيف، تبدو «جيرالد فورد» على أعتاب إضافة مهمة جديدة إلى سجلها الحافل، قد تحولها من مجرد قلعة جوية طاغية إلى محطة طاقة نووية طافية تنقذ القواعد البرية في أحلك الظروف، وتعيد تعريف حدود المرونة التي تمتلكها أعظم أساطيل العالم.


