ميزانيات سجون بريطانيا.. اقتطاعات «وحشية» قادت لأوضاع كارثية

ميزانيات سجون بريطانيا.. اقتطاعات «وحشية» قادت لأوضاع كارثية

رغم ارتفاع الإنفاق على السجون في بريطانيا، لا تزال الرعاية والخدمات المقدمة للنزلاء دون المستوى المطلوب، في ظل تداعيات السياسات الاقتصادية المتذبذبة.

وتضرر قطاع السجون من تقلبات السياسات الاقتصادية للحكومة البريطانية خلال الأعوام القليلة الماضية، إذ ارتفع الإنفاق عليه خلال السنة المالية 2024/2025 مقارنة بالسنة المالية 2023/2024، دون أن ينعكس ذلك تحسنًا ملموسًا في مستوى الرعاية والخدمات المقدمة للمسجونين.

وتكشف بيانات مسؤولين رسميين، إلى جانب تقارير ورصد وسائل الإعلام المحلية، عن استمرار تدني مستوى الخدمات داخل السجون، بما يسلط الضوء على الفجوة بين حجم الإنفاق والنتائج المحققة على أرض الواقع.

  • مع بدء محاكمته في بريطانيا.. الادعاء يصف راسل براند بـ«المفترس الجنسي»

ما هو حجم الإنفاق على السجون في بريطانيا خلال السنة المالية الأخيرة؟

تتولى مسئولية إدارة السجون في بريطانيا، الهيئة الرسمية المسئولة عن السجون في بريطانيا والتي يرمز لها بـ HMPPS اختصار لـ His Majesty’s Prison and Probation Service، أي خدمة السجون والمراقبة تحت حكم صاحب الجلالة.

وهي هيئة تابعة لوزارة العدل البريطانية، ووفقا لبيانات حكومية رسميا نقلا عن لموقع الحكومة البريطانية الرسمي gov.uk، كان صافي النفقات التشغيلية لـ هيئة السجون والمراقبة البريطانية HMPPS، أي صافي ما ينفق على السجون إجمالا، 7.23 مليار إسترليني، بعد خصم إيرادات الهيئة، وقبل الخصم 7.50 مليار إسترليني.

وبحسب الموقع الرسمي للحكومة البريطانية، هذه الأرقام للسنة المالية 2024/2025، المنتهية في مارس/آذار 2025 .

وأكدت بيانات الحكومة البريطانية، أن حجم صافي النفقات التشغيلية لهيئة السجون والرقابة البريطانية ارتفع في السنة المالية الأخيرة من 6.65 مليار دولار في السنة الأسبق 2024/2023.

إلا أن هذه الزيادة، لم تحقق المستوى المنتظر من إعادة التأهيل وحماية المجتمع، في حين شهدت إدارة السجون وآلية الإنفاق عليها العديد من مظاهر القصور، وهو ما كشف عنه بيانات رسمية لمسئولين سابقين بالقطاع، ومصادر صحفية محلية مطلعة على المسألة.

ميزانيات سجون بريطانيا.. اقتطاعات «وحشية» قادت لأوضاع كارثية - صورة 1

مستويات أنشطة متردية داخل السجون وانتشار للممنوعات

وفي آخر تقرير له قبل تركه لمنصبه، حثّ تشارلي تايلور، كبير مفتشي السجون السابق بمصلحة السجون البريطانية، على زيادة حجم الأنشطة الهادفة داخل السجون للمساعدة في معالجة ظاهرتي تعاطي المخدرات والعنف المنتشرتين، بما في ذلك في السجون التي تضم أخطر المجرمين.

وفي تقريره السنوي الأخير الصادر بتاريخ 7 يوليو/تموز 2026، يوضح تشارلي تايلور كيف أن فترات الحبس الطويلة داخل الزنازين وأنظمة الإدارة السيئة، التي لم تشهد تحسناً يُذكر منذ توليه منصبه إبان جائحة كورونا، تتسبب في حالات من الإحباط والملل واليأس. 

ويؤدي هذا الوضع إلى زيادة الطلب على المخدرات، كما يساهم في ارتفاع معدلات العنف وإيذاء النفس داخل السجون البريطانية، إذ تفشل سجون عديدة في الوفاء بمسؤوليتها المتمثلة في الحد من احتمالية عودة السجناء لارتكاب الجرائم مستقبلاً.

وأكد بيان تشارلي، أنه لا يزال التدفق الواسع للمخدرات غير المشروعة يشكل تهديداً خطيراً لاستقرار السجون. 

ففي تقارير التفتيش المنشورة بين أبريل/نيسان 2025 ومارس/آذار 2026، أفاد 41% من الرجال و38% من النساء بسهولة الحصول على المخدرات داخل سجونهم. 

ورغم تكرار التحذيرات بشأن الثغرات الأمنية ورغم حجم الإنفاق الذي زاد في السنة المالية الإخيرة على السجون والمراقبة، كشفت عمليات التفتيش باستمرار عن وجود موظفين يفتقرون إلى التدريب الكافي، وأنظمة مراقبة تلفزيونية (CCTV) معطلة، وشباك حماية تالفة، ونوافذ يسهل اختراقها. 

كما تمكنت عصابات الجريمة المنظمة من ممارسة أنشطتها دون رادع، مستخدمةً طائرات مسيّرة متطورة لتسليم شحنات كبيرة من المخدرات والمنشطات والهواتف المحمولة حسب الطلب إلى داخل السجون.

ورغم انتشار المخدرات، أشار تايلور إلى أن الجهود المبذولة للحد من الطلب عليها أو لتوفير حوافز مجدية تدفع السجناء لتغيير سلوكهم كانت غير كافية على الإطلاق. 

ميزانيات سجون بريطانيا.. اقتطاعات «وحشية» قادت لأوضاع كارثية - صورة 2

فقد كان معظم السجناء يقضون ساعات طويلة، تصل أحياناً إلى أكثر من 22 ساعة يومياً، محبوسين في زنازينهم دون أي نشاط يشغلهم. 

كما أن حوافز السلوك الجيد نادرا ما كانت ذات قيمة حقيقية أو تُطبق بشكل متسق، وباستثناء حالات قليلة، كانت الأجنحة المخصصة للتعافي من الإدمان غير فعالة أو غارقة في المخدرات. 

كما كانت فرص التعليم والعمل والتدريب محدودة للغاية في الغالب، وحتى عند توفرها، كانت معدلات الحضور والالتزام بالمواعيد وجودة التدريس متدنية في كثير من الأحيان. 

تخفيضات كبيرة في برامج تأهيلية

وحذر تايلور من أن التخفيضات الكبيرة في برامج التعليم وفقدان الكوادر التعليمية المتخصصة خلال العام لن تؤدي إلا إلى تفاقم هذه المشكلات، رغم حجم الإنفاق على السجون الذي ارتفع في السنة المالية الاخيرة.

أيضا، أكد بيان تايلور، أن معدلات العنف في ثلثي سجون الرجال التي خضعت للتفتيش قد ارتفعت، كما زادت حالات الاعتداء الخطيرة في 40% منها. 

وعلى خلفية وقوع هجمات بارزة داخل مرافق الاحتجاز شديدة الحراسة المخصصة للسجناء المحكوم عليهم بعقوبات طويلة الأمد، رصد كبير المفتشين السابق أوجه قصور جسيمة في سجني “وودهيل” و”سويلسايد”، وأصدر إخطارات عاجلة بضرورة إجراء تحسينات. 

وقد كان هذان السجنان – وقت إجراء التفتيش – من بين أكثر السجون عنفاً في البلاد، حيث شهدا ارتفاعاً مثيراً للقلق الشديد في معدلات الاعتداءات الخطيرة على السجناء والموظفين، والتي تضمنت في كثير من الحالات استخدام أسلحة.

ميزانيات سجون بريطانيا.. اقتطاعات «وحشية» قادت لأوضاع كارثية - صورة 3

بعض السجون خفّضت الإنفاق المباشر على التعليم بنسبة تصل إلى 50%

ووصف تشارلي تايلور، كبير مفتشي السجون في إنجلترا وويلز، في تقريره السنوي أن اقتطاعات ميزانيات السجون بـ “الوحشية”، وهي التي أقرها وزراء حزب العمال في ميزانيات التعليم والتدريب داخل السجون.

ووفق تقرير لموقع “بريتش بريف”، سلط الضوء على زاوية اقتطاعات الميزانية في السجون البريطانية من بيان تشارلي تايلور، أن بعض السجون أقدمت على خفض الإنفاق المباشر على التعليم داخل السجون بنسبة تصل إلى 50% خلال السنة المالية الأخيرة 2024/2025، وذلك على الرغم من الوعود التي تضمنها البرنامج الانتخابي لرئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر بتحسين “فرص الحصول على التعليم للمسجونين”. 

وأشار تايلور إلى أن فترات الحبس الطويلة داخل الزنازين وأنظمة السجون المتردية لم تشهد تحسناً يُذكر خلال فترة توليه منصبه التي استمرت لـ 7 سنوات.

وقال في هذا الصدد: “خلال فترة عملي ككبير لمفتشي السجون، حظيت بفرصة رؤية ما يمكن تحقيقه تحت قيادة بعض مديري السجون المتميزين. 

ولكن للأسف، كان غياب الأنشطة المنتظمة والهادفة للسجناء هذا العام عاملاً رئيسياً في الارتفاع المقلق لمعدلات تعاطي المخدرات والعنف، فضلاً عن استمرار ارتفاع معدلات إيذاء النفس”.

تكلفة يتحملها دافعو الضرائب من ميزانية مهدرة

وبحسب موقع “بريتش بريف”، سلط تايلور الضوء على العبء المالي المترتب على ذلك، قائلاً، “في ظل تكلفة تبلغ 59 ألف جنيه إسترليني سنوياً لكل سجين واحد في السجون البريطانية، من حق دافعي الضرائب توقع نتائج أفضل مقابل أموالهم”. 

وأفاد بأن عدد المعلمين في أحد السجون قد انخفض من 22 إلى تسعة معلمين فقط، مما يعكس تقليصاً فعلياً في الخدمات التعليمية المقدمة. 

وأضاف أن العديد من السجناء يفتقرون إلى المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب اللازمة لإعادة دمجهم بنجاح في المجتمع، مشيراً إلى أن الظروف داخل السجون قد ازدادت سوءاً منذ تفشي الجائحة.

المخاطر التي تهدد السلامة العامة جراء الإفراج عن السجناء وفقا لهذه الأوضاع

وأعرب تايلور عن قلقه إزاء تزايد المخاطر التي تهدد السلامة العامة مع الإفراج عن آلاف السجناء المحكوم عليهم بعقوبات قصيرة الأمد بموجب “قانون إصدار الأحكام”. 

وقال، “إن ترتيبات حماية المجتمع ليست بالمستوى المأمول، كما أن آليات التنسيق بين الخدمات داخل السجن وتلك الموجودة في المجتمع لا ترقى إلى المستوى المطلوب”. 

وأشار إلى أنه سيتم الإفراج عن أعداد كبيرة من السجناء في الفترة ما بين شهري سبتمبر/أيلول ونوفمبر/تشرين الثاني من عام 2026 الجاري، مؤكداً أنه ستتم مراقبة التأثير على معدلات العودة إلى الجريمة والمخاطر المحدقة بالسلامة العامة عن كثب.

ميزانيات سجون بريطانيا.. اقتطاعات «وحشية» قادت لأوضاع كارثية - صورة 4

نتائج تفتيش سجن مانشستر مطلع 2026 كنموذج

وكان قد نشر الموقع الرسمي لـ هيئة تفتيش السجون في بريطانيا HMIP، تقريرا لنتائج تفتيش سجن مدينة مانشستر في يناير/كانون الثاني مطلع عام 2026، وهو تقرير صاغه تشارلي تايلور نفسه، ونشر بتاريخ 14 أبريل/نيسان 2026.

وكتب تشارلي في تقريره عن سجن مانشستر، عندما أجرينا تفتيشاً لسجن مانشستر في عام 2024، كان السجن في حالة مزرية. 

وتابع، “فقد أدى تضافر عوامل عدة – شملت انتشار المخدرات والعنف، وطاقم عمل يفتقر إلى الخبرة والدافعية، ونظاماً إدارياً وتشغيلياً سيئاً للغاية – إلى فشل السجن في أداء العديد من مهامه الأساسية، ولذا قررت تفعيل بروتوكول الإخطار العاجل”.

وأضاف تايلور في التقرير بقوله “من أجل منح إدارة السجن وقتاً لمعالجة هذه المشكلات المتعددة، قررنا إجراء تفتيش مُعلن عنه مسبقاً، مع إشعار قبل ستة أشهر، وذلك بعد مرور أكثر من 15 شهراً على الزيارة السابقة التي تمت في عام 2024”.

وجاء هذا البيان عن سجن مانشستر عن فترة تفتيش استمرت من 12 وحتى 22 يناير/كانون الثاني عام 2026. 

وقال تايلور أنه خلال عملية التفتيش هذه، وجدنا أن القيادة قد بدأت في إحراز بعض التقدم في مجالات حيوية، ومع ذلك، ظلت نتائج تقييماتنا لمعايير “السجن السليم” (Healthy Prison) ثابتة دون تغيير، إذ سُجل مستوى “ضعيف” في مجالي السلامة والأنشطة الهادفة، ومستوى “جيد إلى حد ما” في مجال التحضير للإفراج. 

أما في معيار “الاحترام”، فقد تغير تقييم السجن من “ضعيف” إلى “ليس جيدا بما يكفي”.

ميزانيات سجون بريطانيا.. اقتطاعات «وحشية» قادت لأوضاع كارثية - صورة 5

وأضاف تايلور بقوله، إن إدارة سجن مانشستر لم تكن تبذل جهوداً كافية لدعم السجناء المعرضين لخطر الانتحار أو إيذاء النفس، فقد أقدم أربعة رجال على إنهاء حياتهم منذ زيارة تايلور السابقة في 2024، وظلت معدلات إيذاء النفس مرتفعة للغاية مقارنة بالسجون المماثلة. 

وكان النظام المتبع -الذي اتسم بضعف شديد- سبباً جزئياً في الكثير من هذه المعاناة، كما أخفق السجن في أداء دوره كسجن مخصص للتدريب والتأهيل، إذ كان يُحكم إغلاق أبواب الزنازين على السجناء لفترات طويلة جداً، وكثيراً ما كانت الأنشطة المقررة تُلغى بسبب نقص الموظفين، فضلاً عن استغراق وقت طويل للغاية لتوزيع السجناء على الأنشطة المتاحة. 

  • الإرهاب يسبق الأمن في بريطانيا.. ثغرة ضخمة لـ«هجمات المسيرات»

وقد أدى ذلك إلى بقاء 44% من السجناء بلا عمل، وقضاء أقل من ثلاث ساعات يومياً خارج زنازينهم.

كما أدت التخفيضات الحادة في ميزانية التعليم، التي تجاوزت نسبتها 50%، إلى انخفاض كبير في أعداد المعلمين، وصنّف الخبراء في هيئة “أوفستيد” ( Ofsted)، مكتب معايير التعليم وخدمات الأطفال والمهارات، مستوى الخدمات التعليمية المقدمة في سجن مانشستر “غير كافٍ”.

وتابع تايلور في تقرير عن سجن مانشستر بقوله، أنه رغم جهود إدارة السجن للحفاظ على نظافة السجن قد أثمرت تحسناً في المعايير العامة، إلا أن بعض المناطق -ولا سيما المطابخ التي يُعد فيها السجناء طعامهم بأنفسهم- كانت تفتقر غالباً إلى النظافة.

واختتم التقرير بقوله، أنه سجن مانشستر ظل يعاني من وضع غير مستقر، واستمر أداؤه عند مستويات متدنية بشكل غير مقبول. ومع ذلك، أقر ومن معه من المفتشون بالجهود التي بذلها مدير السجن وفريقه لتعزيز استقرار المنشأة. 

رغم ذلك، كانت مغادرتهم للسجن بشيء من التفاؤل الحذر، مشيرا إلى أنه إذا تمكنت هيئة السجون (HMPPS) من إصلاح النوافذ وتحسنت معدلات تعيين الحراس، فسيكون بوسع السجن البدء في توفير بيئة أكثر ملاءمة لإعادة التأهيل لنزلائه البالغ عددهم 550 سجيناً، والذين يُصنّف معظمهم ضمن فئة “عالية الخطورة”.