نجاة الصغيرة «شخصية العام الثقافية».. تكريم لصوت صنع وجدان العرب (بروفايل)

توجت الفنانة المصرية الكبيرة نجاة الصغيرة بجائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع «شخصية العام الثقافية»، ضمن فعاليات الدورة الـ36 من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، لتصبح أول فنانة تحصد هذا اللقب منذ إطلاق الجائزة، في تكريم يعيد إلى الواجهة مسيرة فنية استثنائية امتدت

ويأتي هذا التتويج تقديرًا لمكانة نجاة الصغيرة في الذاكرة الفنية العربية، بعدما صنعت بصوتها الهادئ وأدائها المتفرد واحدة من أبرز التجارب الغنائية التي عبرت أجيالًا متعاقبة، وارتبطت بأعمال لا تزال حاضرة في وجدان الجمهور العربي حتى اليوم.

وفي هذا التقرير، تستعرض «العين الإخبارية» أبرز المحطات التي صنعت رحلة نجاة الصغيرة، من بداياتها المبكرة إلى أهم أعمالها وتعاوناتها، وصولًا إلى هذا التكريم الثقافي الرفيع.

نجاة الصغيرة «شخصية العام الثقافية».. تكريم لصوت صنع وجدان العرب (بروفايل) - صورة 1

جذور دمشقية وطفولة سُرقت في بيت الفنانين

ولدت نجاة محمد محمود كمال البابا في القاهرة يوم 11 أغسطس/ آب عام 1938، لعائلة ذات جذور دمشقية عميقة في عالم الفن والخط العربي؛ فوالدها هو الخطاط السوري الشهير محمد كمال حسني البابا الذي هاجر إلى مصر في شبابه، وعمها الفنان أنور البابا.

نشأت نجاة في بيت عُرف بـ”بيت الفنانين”، حيث كان شقيقها عز الدين حسني ملحناً درّسها الموسيقى، وشقيقها سامي حسني عازف تشيلو وخطاطاً ومصمم مجوهرات، إلى جانب شقيقتها الصغرى سعاد حسني التي أصبحت لاحقاً “سندريلا الشاشة العربية”.

غير أن هذه البيئة الخصبة فنياً حملت في طياتها قسوة بالغة على الطفلة نجاة، التي وجدت نفسها كبرى أشقائها الثمانية محملة بمسؤولية رعايتهم وتربيتهم مبكراً، وهو ما حرمها من أبسط متعة الطفولة وبراءتها؛ إذ صرحت في حوارات نادرة بأنها لم تتذوق طعم الشوكولاتة في صغرها ولم تمتلك دمية تلعب بها كسائر أقرانها، لتتداخل أعوام طفولتها الأولى مع التضحيات العائلية والمسؤوليات الثقيلة ودخول عالم الفن في سن مبكرة جداً.

نجاة الصغيرة «شخصية العام الثقافية».. تكريم لصوت صنع وجدان العرب (بروفايل) - صورة 2

الوقفة الأولى على المسرح وشكوى موسيقار الأجيال

لم تنتظر الموهبة الفذة طويلاً لتشق طريقها، ففي السادسة من عمرها وقفت نجاة للمرة الأولى على المسرح في حفل لوزارة المعارف عام 1944، وكادت أن تفر هاربة من رهبة الجمهور لولا أن صفقاتها الأولى حولت الخوف إلى حب وشجاعة لتنطلق في عالم الغناء.

وفي عام 1945 بدأت رحلتها الرسمية عبر الإذاعة المصرية، تلتها أولى تجاربها السينمائية في فيلم “هدية” عام 1947.

واصلت نجاة تمرينات شاقة على الصوت بتقليد كبار المطربين مثل أم كلثوم بإشراف شقيقها عز الدين، وهو الأمر الذي اعتبره “موسيقار الأجيال” محمد عبد الوهاب خطراً يهدد التطور الطبيعي لخامتها الصوتية، مما دفعه عام 1949 إلى تقديم شكوى رسمية في قسم الشرطة ضد والدها، في واحد من أغرب المواقف الفنية، مطالباً بترك صوتها ينمو وبتوقف تلك التدريبات المكثفة التي رآها عرقلة لنموها الطبيعي.

نجاة الصغيرة «شخصية العام الثقافية».. تكريم لصوت صنع وجدان العرب (بروفايل) - صورة 3

التحول الاحترافي والقيود الذكورية

تجاوزت نجاة صدمة البدايات لتخطو بثبات نحو النجومية، وشكل زواجها الأول عام 1955 من كمال منسي -أحد أصدقاء شقيقها- في سن السابعة عشرة، نقطة التحول الحقيقية واحترافها الحقيقي للفن، إذ كان زوجها معجباً بصوتها ومهتماً بتقديمها لكبار المؤلفين والملحنين، فأثمرت هذه المرحلة عن روائع غنائية خالدة مثل “أسهر وأنشغل أنا” و”اوصفولي الحب” و”حقك عليا وسامح”.

وعلى الرغم من أن هذه الزيجة أثمرت عن ابنها الوحيد وليد، إلا أنها انتهت بعد أربع سنوات في ساحات المحاكم لرفض الانفصال الودي، لتصبح أصغر مطلقة بحكم قضائي بين نجمات عصرها. ولم تمض سوى أشهر معدودة حتى تزوجت المخرج حسام الدين مصطفى الذي أخرج لها فيلم “شاطئ المرح” عام 1967، ولكن تلك الزيجة لم تستمر طويلاً أيضاً، لتختار التفرغ التام لفنها وطفلها، هاربة من إرث السيطرة الذكورية التي لازمتها من الوالد والأشقاء إلى أزواجها.

نجاة الصغيرة «شخصية العام الثقافية».. تكريم لصوت صنع وجدان العرب (بروفايل) - صورة 4

عرش السينما والطرب وقمم الألحان

على مدار مسيرة تجاوزت خمسة عقود، تركت نجاة بصمات لا تمحى في السينما من خلال أفلام بارزة مثل “الشموع السوداء” و”جفت الدموع” و”القاهرة في الليل” و”ابنتي العزيزة”.

وفي عالم الغناء، تفرّدت بتقديم ألحان وقصائد لكبار المبدعين من أمثال محمد عبدالوهاب، ورياض السنباطي، وكمال الطويل، وبليغ حمدي، وسيد مكاوي، مقدمة دررًا غنائية مثل “لا تكذبي” و”ساكن قصادي” و”عيون القلب”.

حظيت بتكريمات رفيعة من قادة وزعماء عرب كجمال عبدالناصر والحبيب بورقيبة، وصولاً إلى تتويجها الأخير في مهرجان “جوي أووردز” بالرياض عام 2024 وسط تفاعل الملايين مع إطلالتها النادرة، وانتهاءً بجائزة الشيخ زايد الكبرى في أبوظبي.

نجاة الصغيرة «شخصية العام الثقافية».. تكريم لصوت صنع وجدان العرب (بروفايل) - صورة 5

شهادات الخالدين في قيثارة الفن

لم تكن نجاة مجرد صوت عذب، بل حالة فنية فريدة وصفها محمد عبد الوهاب بـ”صاحبة السكون الصاخب” التي تملك جمالاً ينسج إحساساً عميقاً بالبهجة والشجن، بينما رأى فيها الشاعر الكبير نزار قباني المجسد الأصدق لمشاعر الأنثى الخجولة والضعيفة التي تخشى البوح بأحاسيسها الدفينة، مؤكداً مراراً أنها الصوت الأمثل لتجسيد وغناء قصائده الرومانسية.

وبين تفاصيل المنافسات الفنية في حقبة السبعينيات، والشائعات التي لاحقت علاقتها بشقيقتها سعاد حسني، ظلت “قيثارة الطرب” عنواناً للرقة والأناقة الفنية الصرفة، وصوتًا خالداً يتجدد شبابه مع كل محطة جديدة يحفر اسمها بحروف من نور في ذاكرة الثقافة العربية.