اقتصاد
نوافذ الطائرات.. كارثة مميتة وراء التصميم البيضاوي
قد تبدو النوافذ البيضاوية في الطائرات مجرد اختيار هندسي أو لمسة جمالية، لكن وراء هذا التصميم قصة مأساوية غيّرت قواعد
قد تبدو النوافذ البيضاوية في الطائرات مجرد اختيار هندسي أو لمسة جمالية، لكن وراء هذا التصميم قصة مأساوية غيّرت قواعد صناعة الطيران إلى الأبد.
ففي خمسينيات القرن الماضي، تسببت مشكلة هندسية في تصميم طائرة «دي هافيلاند كوميت» البريطانية في سلسلة من حوادث التفكك بالجو، بعدما تحولت زوايا النوافذ المستطيلة إلى نقاط ضعف ساهمت في انهيار هيكل الطائرة ومقتل عشرات الأشخاص.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت النوافذ ذات الحواف المنحنية جزءًا أساسيًا من تصميم الطائرات الحديثة، بعدما كشفت الكارثة أهمية توزيع الإجهاد الميكانيكي داخل جسم الطائرة، وخطورة التفاصيل الهندسية التي قد تبدو بسيطة للوهلة الأولى.

طائرة كوميت.. إنجاز تاريخي انتهى بكارثة جوية
بدأت القصة عام 1952، عندما دخلت طائرة «دي هافيلاند كوميت» (De Havilland Comet) البريطانية الخدمة التجارية المنتظمة، باعتبارها أول طائرة ركاب نفاثة تدخل هذا النوع من التشغيل.
ومثلت الطائرة وقتها نقلة كبيرة في عالم الطيران، بفضل سرعتها المرتفعة ومحركاتها النفاثة الأربعة وقدرتها على التحليق على ارتفاعات شاهقة، ما جعلها رمزًا للتطور التكنولوجي في صناعة الطائرات.

لكن هذا الإنجاز واجه اختبارًا مأساويًا عام 1954، عندما تعرضت طائرتان من الطراز نفسه لحادثتي تحطم أثناء التحليق، أسفرتا عن وفاة 56 شخصًا، وفتحتا الباب أمام تحقيقات هندسية واسعة لكشف أسباب تفكك الطائرتين في الجو.
زوايا النوافذ المستطيلة.. نقطة ضعف في جسم الطائرة
وفقًا لموقع designreview، كشفت التحقيقات أن تصميم النوافذ المستطيلة ساهم في حدوث ظاهرة هندسية تعرف باسم «تركيز الإجهاد» (Stress Concentration).
وتحدث هذه الظاهرة عندما تتجمع القوى الميكانيكية في مناطق محددة من الهيكل بدلًا من توزيعها بصورة متوازنة، وتزداد المشكلة عند الزوايا الحادة والفتحات الموجودة في الأجزاء المعرضة للضغط.

وكانت زوايا النوافذ المستطيلة من بين المناطق التي تركزت حولها الإجهادات، ما ساهم في ظهور شقوق صغيرة وتطورها مع تكرار ظروف التشغيل.
كيف يؤدي اختلاف الضغط إلى تفكك الطائرة في الجو؟
تعتمد الطائرات المحلقة على ارتفاعات كبيرة على نظام لضغط المقصورة، إذ يكون ضغط الهواء داخلها أعلى من الضغط الخارجي، للحفاظ على ظروف مناسبة لتنفس الركاب.
ومع كل رحلة، يتعرض جسم الطائرة لدورات متكررة من الضغط والانخفاض، ما يفرض أحمالًا متغيرة على الهيكل المعدني.
وتُعرف الأضرار المتراكمة الناتجة عن هذه الدورات باسم «إجهاد التعب» (Metal Fatigue)، إذ يمكن أن تبدأ في صورة شقوق دقيقة لا تُلاحظ بسهولة، ثم تتسع تدريجيًا مع استمرار تعرض المعدن للإجهاد.
وفي حالة طائرة كوميت، ساهمت الشقوق التي نشأت في المناطق المحيطة بفتحات النوافذ في إضعاف الهيكل، حتى فقد قدرته على تحمل الأحمال، ما أدى إلى التفكك الكارثي أثناء الطيران.
لماذا أصبحت نوافذ الطائرات بيضاوية؟
بعد الدروس المستفادة من حوادث كوميت، اتجهت صناعة الطيران إلى اعتماد النوافذ الدائرية والبيضاوية ذات الحواف المنحنية بدلًا من الزوايا المستطيلة الحادة.
ويعود السبب إلى أن الحواف المنحنية تساعد على توزيع الإجهاد بصورة أكثر انتظامًا حول الفتحات، وتحد من تركيزه في نقاط محددة، بما يقلل احتمالات بدء الشقوق وانتشارها.
ولم يكن التغيير مجرد تعديل في الشكل الخارجي للطائرة، بل تحولًا في فلسفة التصميم الهندسي، يقوم على مراعاة تأثير الضغط المتكرر على كل جزء من أجزاء الهيكل.
درس طائرة كوميت.. كيف غيرت كارثة واحدة صناعة الطيران؟
لم تقتصر الدروس المستفادة من هذه الحوادث على تصميم نوافذ الطائرات، بل امتدت إلى معايير اختبار الهياكل المعدنية وفحصها، وفهم سلوك المواد عند تعرضها لدورات الضغط المتكررة.
وأصبحت قصة طائرة كوميت واحدة من أبرز الأمثلة التاريخية على أهمية اختبارات التعب المعدني، ودراسة نقاط الضعف حول الفتحات والوصلات في الهياكل الهندسية.
كما امتدت أهمية هذه المبادئ إلى مجالات أخرى، مثل تصميم المركبات الفضائية والغواصات والمنشآت التي تتعرض لفروق ضغط كبيرة.


