معركة معقدة تخوضها نيجيريا مع الإرهاب، الآفة الزاحفة في شمالها الغربي، وهناك حيث يبدو أن الرصاص بات غير كاف لمواجهة تكتيكات متلونة.
وبحسب صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، تشهد المنطقة تصاعدًا خطيرًا في العنف المسلح مع تمدد جماعة “لاكوراوا” التي يعتقد مسؤولون نيجيريون وأمريكيون أنها مرتبطة بتنظيم داعش وتحديدا ما يعرف بولاية الساحل.
يأتي هذا التصعيد، رغم الضربات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة في ديسمبر/كانون الأول الماضي والتي يبدو أنه لم يكن لها تأثير حاسم على قدرات جماعة “لاكوراوا” أو نشاطها الميداني وذلك وفقا لما ذكته صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية في تقرير لها.
بايدي
ويركز التقرير على قرية بايدي في ولاية سوكوتو شمال غرب نيجيريا حيث قتل مسلحون عدة مدنيين خلال هجوم ليلي مفاجئ، أطلقوا فيه النار على سكان تجمعوا في ساحة القرية.
ويعكس الهجوم نمطًا متكررًا من العنف الذي يستهدف القرى الريفية النائية، في منطقة تعاني أصلًا من ضعف الوجود الأمني الحكومي، في حين يفرض المسلحون سيطرتهم بالقوة، ويعاقبون أي محاولة للمقاومة بحسب شهادات السكان.
وفي أعياد الميلاد، أعلنت الولايات المتحدة، تنفيذ ضربات صاروخية ضد مواقع تابعة لجماعة “لاكوراوا”، مشيرة إلى أن هذه الضربات جزء من حملة لوقف “ذبح المسيحيين” في نيجيريا.
لكن الواقع الميداني يتعارض مع هذا الخطاب، حيث إن ولاية سوكوتو ذات أغلبية مسلمة ساحقة، ومعظم ضحايا الهجمات من المسلمين.
وفي الوقت نفسه، أقر مسؤولون نيجيريون ومحللون بأن الضربات الأمريكية كانت محدودة الفعالية، حيث فشل عدد من الصواريخ في الانفجار، كما سقط بعضها في مناطق بعيدة عن معاقل المسلحين.
وتشير المعطيات إلى أن تهديد الجماعات الإرهابية في شمال غربي نيجيريا لا يعد ظاهرة جديدة إنما تطورا تدريجيًا خلال السنوات الماضية.
وفي حين تركز الاهتمام الدولي سابقًا على جماعة “بوكو حرام” وتنظيم “داعش ولاية غرب أفريقيا” في شمال شرق نيجيريا وفي حوض بحيرة تشاد، كانت جماعات قادمة من مالي والنيجر وبوركينا فاسو تتسلل بهدوء إلى المناطق الحدودية في الشمال الغربي.
بقوة السلاح
يرى باحثون أن “لاكوراوا” قد لا تكون تنظيمًا موحدًا بقدر ما هي مسمّى جامع لإرهابيين تابعين لـ”داعش ولاية الساحل”، إضافة إلى عصابات إجرامية محلية تستفيد من الفوضى وتعمل تحت راية دينية.
وتستغل هذه الجماعات النزاعات التقليدية بين الرعاة والمزارعين، وتقدم نفسها في البداية كوسيط أو قوة “حفظ أمن”، قبل أن تفرض لاحقًا أحكامًا متشددة بقوة السلاح.
ويفرض المسلحون في القرى الخاضعة لهم نسخة متطرفة من الشريعة الإسلامية، تشمل منع الموسيقى وإغلاق المدارس وحظر الاحتفالات التقليدية مثل الأعراس ومراسم التسمية، وفرض لباس معين.
كما يجبر الرجال على إطلاق اللحى إضافة إلى فرض ضرائب إجبارية على السكان مقابل الحماية على أن تتم معاقبة من يرفض بالدفع أو يخالف الأوامر بالجلد أو الضرب أو القتل.
وبحسب الخبراء فإن مصادر تمويل الجماعة تشمل الضرائب القسرية، وخطف المدنيين مقابل فدية، وسرقة الماشية، وهو ما يتم غالبًا بالتعاون مع عصابات محلية تعرف تضاريس المنطقة.
ويؤدي هذا التداخل بين الإرهاب والجريمة المنظمة إلى صعوبة المواجهة الأمنية، كما أنه يعقد جمع المعلومات الاستخباراتية الدقيقة.
تحالف وإعادة انتشار
يحذر مسؤولون أمنيون من أن التنسيق المتزايد بين “داعش ولاية الساحل” و”داعش ولاية غرب أفريقيا” يمثل خطرا استراتيجيا، لأنه قد يؤدي إلى زعزعة استقرار مساحات شاسعة من شمال نيجيريا، التي يقطنها نحو 130 مليون نسمة.
كما أن تمدد الجماعات المتطرفة باتجاه دول مثل بنين يثير مخاوف إقليمية أوسع.
ورغم تعزيز التعاون العسكري بين الولايات المتحدة ونيجيريا، بما في ذلك طلعات استطلاع يومية بواسطة المسيرات انطلاقًا من غانا، فإن النتائج لا تزال محدودة.
ويقر مسؤولون بأن نقص الفهم الدقيق لهياكل الجماعات وتحركاتها وتحالفاتها يمثل تحديًا عملياتيًا كبيرًا، خاصة في بيئة تتغير فيها الولاءات بسرعة.
ونقلت “واشنطن بوست” شهادات مؤثرة لسكان محليين، من أئمة وقادة مجتمعات، أكدوا فيها أنهم رضخوا لسلطة المسلحين بسبب ما يعتبرونه “غيابا لأي حماية حكومية فعالة”، وهو ما تنفيه السلطات.
ولا تعد الضربات الجوية المحدودة استراتيجية حقيقية لمكافحة الإرهاب، حيث يرى خبراء عسكريون أمريكيون سابقون أن النجاح يتطلب وجودًا مستدامًا وتعاونًا وثيقًا مع الشركاء المحليين، واستراتيجية طويلة الأمد تعالج الجوانب الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
وفي ظل غياب هذه الاستراتيجية، يبدو أن المسلحين أعادوا الانتشار ما يجعل تصاعد العنف في شمال غرب نيجيريا هو السيناريو الأرجح.
aXA6IDE5OS4xODguMjAxLjIzMyA= جزيرة ام اند امز


