3 سيناريوهات لسياسة أوروبا الخارجية.. الحسم حائر بين باريس وبرلين

3 سيناريوهات مختلفة لضبط السياسة الخارجية الأوروبية، وتجاوز صراعات مكتومة في أروقة مؤسسات التكتل، لكن الدول الكبرى تتجاذب الخيارات.

وتختلف آراء الحكومات حول الشكل الذي ينبغي أن تتخذه «الخدمة الأوروبية للشؤون الخارجية» (EEAS)، والمهام التي ينبغي أن تضطلع بها. لكن فرنسا تتولى زمام المبادرة في فتح باب النقاش.

وترغب أقوى دولتين في الاتحاد الأوروبي؛ فرنسا وألمانيا، في إحداث تغيير في الجناح المسؤول عن السياسة الخارجية للكتلة. لكنهما لا يتفقان على كيفية القيام بذلك.

إذ تضغط فرنسا من أجل تعزيز دور الدبلوماسية الأولى في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس (حاليا)، وفقاً لثلاثة مسؤولين تحدثوا إلى مجلة “بوليتيكو” الأمريكية.

أما وجهة نظر ألمانيا، فهي أقل ثباتاً بكثير، لكن بعض المسؤولين في البلاد طرحوا فكرة معاكسة: تخفيف صلاحياتها ونقلها إلى المفوضية الأوروبية.

ويلخص الجدل الدائر بين باريس وبرلين وبروكسل، التحديات والأسئلة والشكوك التي تواجه «خدمة العمل الخارجي الأوروبي» التي انطلقت في عام 2011.

ووفق “بوليتيكو”، هناك إحساس سائد بين الحكومات وكبار مسؤولي الاتحاد الأوروبي بضرورة إحداث تغيير ما، لكن ليس من الواضح ما هو هذا التغيير بالضبط.

صراعات وفجوات

وفي الوقت الحالي، تؤثر الصراعات على النفوذ بين الخدمة الأوروبية للشؤون الخارجية (EEAS) والمفوضية الأوروبية الأكثر نفوذاً، على استقرار المؤسسات الأوروبية، وسير العمل اليومي للخدمة الدبلوماسية.

بدوره، قال جوزيب بوريل، سلف كالاس المباشر في منصب رئيس الشؤون الخارجية، لـ«بوليتيكو»: «أول ما يجب فعله هو توضيح من يقوم بماذا».

وأضاف: «لكي يكون الاتحاد الأوروبي أكثر حزماً على الساحة العالمية، عليه أن يكون واضحاً بشأن أدوار مؤسساته، … لأنه إذا لم تعرف من المسؤول عن ماذا، فلا يمكنك أن تتوقع أن تكون حازماً».

وفي حين تشرف الخدمة الأوروبية للشؤون الخارجية والأمنية على السياسة الخارجية والأمنية، يُترك للمفوضية الأوروبية التحكم في العديد من الأدوات السياسية والموارد المالية اللازمة لإبراز نفوذ الاتحاد الأوروبي في الخارج.

ورغم أن التغيير على نطاق واسع لا يزال حبيس المحادثات غير الرسمية، لكن فرنسا ترى أن الوقت قد حان، لدفعه إلى أجندة الاجتماعات الرسمية.

وحسمت فرنسا بالفعل نهجها المفضل؛ فهي ترغب في توسيع صلاحيات رئيس الخدمة الأوروبية للشؤون الخارجية، وفقًا لثلاثة مسؤولين وورقة نقاش فرنسية اطلعت عليها “بوليتيكو”.

ومن العوامل المساعدة في ذلك أن كالاس، رئيسة المفوضية الأوروبية الحالية والرئيسة السابقة لحكومة إستونيا، تنتمي إلى تيار «رينو» (Renew) السياسي الوسطي، وهو نفس الحزب الأوروبي الذي ينتمي إليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وأيدت باريس تعيين كالاس في المنصب بقوة عام 2024.

دور فرنسا

عندما أُنشئت خدمة الشؤون الخارجية الأوروبية، استثمرت فرنسا بشكل مكثف في الجهاز، عبر إرسال بيير فيمونت، السفير الفرنسي السابق لدى واشنطن وأحد المخضرمين في الدبلوماسية الأوروبية، ليشغل منصب الأمين العام.

وفي إشارة إلى أن باريس تواصل الاستثمار في الخدمة الأوروبية للشؤون الخارجية، أعلنت فرنسا الأسبوع الماضي، أن شخصية بارزة أخرى في وزارة الخارجية الفرنسية، ديفيد كفاش، سيصبح نائب الأمين العام المسؤول عن الدفاع.

ويشغل كفاش حالياً منصب سفير فرنسا لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وقد شغل سابقاً منصب مدير الشؤون الأوروبية في وزارة الخارجية الفرنسية، كما كان مستشاراً رئاسياً.

أما ما تريده ألمانيا فليس واضحًا تمامًا، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى طبيعة حكومتها، وهي ائتلاف بين الحزب الديمقراطي المسيحي بقيادة المستشار فريدريش ميرتس، وحزب الاشتراكيين الديمقراطيين (يسار وسط).

وقالت هانا نيومان، عضوة البرلمان الأوروبي عن حزب الخضر الألماني والعضوة في لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الأوروبي، لموقع «بوليتيكو»: «لا توجد رؤية برلينية واحدة للسياسة الخارجية».

وأضافت: «أنا شخصيًّا أتلقى إشارات متضاربة من برلين حسب الشخص الذي أتحدث إليه». 

لكن ما يبدو مؤكدًا هو أن ألمانيا تريد تغييرات هيكلية لتحسين عملية صنع السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، ربما من خلال تعزيز صلاحيات المفوضية الأوروبية، وفقًا لاثنين من الدبلوماسيين الأوروبيين غير الألمان، اللذين تحدثا إلى موقع «بوليتيكو» بعد إجراء محادثات مع نظرائهما الألمان.

ويشير هذا إلى اختلاف دقيق عن النهج الفرنسي.

3 نماذج محتملة

ولكي تحدث أي تغييرات، سيتعين على قادة الاتحاد الأوروبي الموافقة عليها، وعلى الأرجح ربما تبدأ العملية بطرح كالاس نفسها اقتراحًا على الطاولة في إطار عملية من المفترض أن تُختتم قبل الانتخابات الفرنسية في أبريل/نيسان المقبل، وفقًا لما ذكره دبلوماسيون.

ووفق بوليتيكو، سيبدأ وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي مناقشة هذه المسألة في أوائل سبتمبر/أيلول المقبل في مدينة ويكلو الواقعة على الساحل الشرقي لإيرلندا.

وتحدد ورقة النقاش الفرنسية، التي وصفها المسؤولون والدبلوماسيون بأنها وثيقة في مرحلة مبكرة جدًا تهدف إلى عرض السيناريوهات، خيارات لإصلاح هيكل السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي.

وتشير الورقة إلى أن أدوات السياسة الخارجية للاتحاد «لا تُستخدم بالضرورة بالطريقة المثلى»، وتدعو إلى تعزيز دور المجلس الذي يمثل العواصم، في إدارة هذه الأدوات.

وتحدد الوثيقة المكونة من صفحتين، ثلاثة نماذج محتملة: منح صلاحيات أكبر للمفوضية، أو تقريب الخدمة الأوروبية للشؤون الخارجية (EEAS) أكثر من المجلس الأوروبي، أو تعزيز كلا المؤسستين في آن واحد.

وبموجب الخيار الثالث، ستُمنح كالاس صلاحيات كبيرة داخل المفوضية. وستصبح النائبة الأولى للرئيس التنفيذي، مع سلطة على المفوضين والمديريات العامة المسؤولة عن مجالات تشمل الشؤون الخارجية والتجارة والتنمية.

ووفقًا للورقة الفرنسية، فإن مثل هذا النموذج، الذي يُعد الخيار المفضل لباريس وفقًا للدبلوماسيين والمحللين، قد يكون مقبولًا أيضًا لدى المفوضية، على الرغم من أن ذلك قد يظل أمرًا صعبًا نظرًا للعلاقة الصعبة بين كالاس، ورئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، وفق بوليتيكو.