في أكبر تحول في طبيعة الحروب، باتت أوكرانيا منذ اندلاع أزمتها قبل قرابة 4 سنوات، ساحة اختبار غير مسبوقة للتكتيكات والأسلحة الحديثة.
وعلى مدار أربع سنوات من صراع متكافئ نسبياً بين روسيا وأوكرانيا المدعومة غربياً، لم تعد المعركة مجرد مواجهة ميدانية، بل مختبر عملي أعاد صياغة مفاهيم الهجوم والدفاع، وأنتج جموداً دموياً هو الأعنف منذ أجيال، وفقا لموقع ريسبونسبل ستيت كرافت.
- أوكرانيا تستنزف وجود روسيا بالقطب الشمالي.. أمل للناتو قبل احتدام الصراع
وبعكس حروب غير متكافئة مثل الغزو الأمريكي للعراق أو بنما، واجهت موسكو خصماً يمتلك تسليحاً متقدماً ودعماً استخباراتياً غربياً وأعداداً كبيرة من القوات.
هذا التوازن النسبي منح الحرب قيمة تحليلية استثنائية، وجعل دروسها قابلة للتطبيق على صراعات كبرى محتملة في المستقبل.
خطأ استراتيجي مبكر
كان الدرس الأول كلاسيكياً بقدر ما كان مكلفاً. فقد “أخطأت” موسكو في تقدير صلابة الدولة الأوكرانية، معتقدة أن الرئيس فولوديمير زيلينسكي سيفرّ أو يستسلم سريعاً. كما افترضت أن كييف ستسقط خلال أيام، دون إعداد خطة بديلة قابلة للتنفيذ في حال فشل الهجوم الخاطف، وفق المصدر ذاته.
لم يقتصر الأمر على التقدير السياسي، بل شمل التخطيط العسكري، إذ نشرت روسيا قوات أقل من المطلوب قياساً بحجم الأهداف، ووزعتها على ستة محاور رئيسية، ما أدى إلى تشتيت الجهد.
والنتيجة: تحقيق هدف استراتيجي واحد تمثل في إنشاء ممر بري يربط الأراضي الروسية بشبه جزيرة القرم، مقابل الفشل في إسقاط الحكومة الأوكرانية أو السيطرة على كييف.
صواريخ محمولة.. وسقوط أسطورة المدرعات
خلال الأسابيع الأولى، برز تحول نوعي قلب حسابات القوة التقليدية. فقد نجحت الصواريخ الأوكرانية المحمولة المضادة للدبابات والطائرات في تحييد منظومة روسية متكاملة كانت تقوم على تنسيق الدبابات والمروحيات والطائرات الهجومية في عمليات الاختراق العميق.
هذه المنظومة شكّلت لعقود جوهر العقيدة الهجومية السوفياتية والروسية، بل والأمريكية أيضاً في حروب “الصدمة والترويع”. غير أن أسلحة دفاعية محمولة منخفضة التكلفة نسبياً استطاعت تعطيلها، ما أعاد الاعتبار لقوة الدفاع في مواجهة الهجوم المدرع الكثيف.
ثورة المسيّرات
لكن التحول الأكبر جاء مع الانتشار الواسع للطائرات المسيّرة؛ إذ خلقت هذه الطائرات، التي يستخدمها الطرفان بكثافة، منطقة عازلة يتجاوز عرضها 25 كيلومتراً، حيث تصبح أي حركة مرئية – سواء للأفراد أو الآليات – هدفاً شبه مؤكد.
إضافة إلى ذلك، لم تعد التحصينات كافية. فالقوات المختبئة في الخنادق يمكن رصدها وملاحقتها فرداً فرداً. كما جعلت المسيّرات إزالة الألغام التي تتطلب وقتاً وعملاً مكشوفاً، مهمة شبه مستحيلة تحت المراقبة الجوية المستمرة.
ومنذ القرن التاسع عشر، أدت زيادة القوة النارية إلى تقليص كثافة المشاة في أرض المعركة تدريجياً. لكن في أوكرانيا، بلغ هذا التقليص مستوى ثورياً، حيث اضطرت القوات الروسية إلى تقسيم وحداتها الهجومية إلى مجموعات صغيرة من شخصين أو ثلاثة، ما أثّر بشدة على القدرة المعنوية والانضباط القتالي.
ففي وحدات صغيرة، يغيب التسلسل القيادي التقليدي الذي كان يدفع الجنود للتقدم تحت النيران. وكانت النتيجة هي صعوبة تحقيق اختراقات واسعة، وتحول الجبهة إلى حالة جمود دموي طويل الأمد.
الأقمار الاصطناعية
إلى جانب المسيّرات، لعبت المعلومات الاستخباراتية دوراً محورياً. بفضل صور الأقمار الصناعية، خاصة تلك التي وفرها الغرب لكييف، بات بإمكان الطرفين رصد حشود القوات قبل انطلاق أي هجوم.
ساهم ذلك في إحباط الهجوم الأوكراني المضاد صيف 2023، وفي المقابل أبطأ التقدم الروسي لاحقاً.
وعلى عكس طائرات الاستطلاع في الحرب العالمية الأولى، فإن الأقمار الصناعية – حتى الآن – بعيدة نسبياً عن الاستهداف المباشر، ما يمنح الدفاع ميزة مستدامة.
نحو حروب الروبوتات؟
في مواجهة هذا الجمود، يتوقع بعض الخبراء أن يكون التطور التالي هو إدخال روبوتات هجومية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، قادرة على التقدم دون الاعتبارات النفسية التي تعيق الجنود البشر.
غير أن تطوير منظومات كهذه سيستغرق سنوات، ما يعني أن الطائرات المسيّرة ستبقى السلاح الأكثر تأثيراً في المدى المنظور.
aXA6IDE5OS4xODguMjAxLjIzMyA= جزيرة ام اند امز


