مسار قانوني لحماية الدولة وتجفيف الشبكات المالية والتنظيمية التي تغذي فوضى الإخوان، يعبد طريق السودان نحو إنهاء الحرب وتحقيق السلام.
هذا ما أجمع عليه خبراء في قراءاتهم لاستئناف لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 واسترداد الأموال العامة استئناف عملها.
والثلاثاء، أعلنت اللجنة السودانية التي تم تشكيلها لتفكيك تمكين نظام الإخوان عقب سقوطه في 2019، استئناف أعمالها لملاحقة قيادات التنظيم وواجهاته.
وتتزامن الخطوة مع دخول قرار أمريكا تصنيف الجماعة جماعة إرهابية حيز التنفيذ يوم الإثنين.
وفي قراءات منفصلة لـ«العين الإخبارية»، أشار الخبراء إلى أن استئناف عمل اللجنة ضروري باعتباره خطوة لاستعادة مؤسسات الدولة من معاول الإخوان وحماية مستقبل السودان وضمان الانتقال المدني فيه.
كما اعتبروا أن المسار يقود نحو تجفيف الشبكات المالية والتنظيمية التي تغذي الفوضى، ما يمهد لوضع نقطة النهاية للحرب.
وفي ملف الأموال المنهوبة، شددوا على أنه ليس “رقماً سياسياً” بل هو ملكية عامة يجب استعادتها، باعتباره حقا أصيلا للشعب في العدالة والخدمات والكرامة.
«خطوة حقيقية»
في تعقيبه على الموضوع، وصف المحلل السياسي السوداني سيبويه يوسف استئناف عمل لجنة تفكيك النظام السابق بـ«الخطوة الحقيقية والحيوية» لإعادة المسار المدني الانتقالي في السودان، خاصة بعد تداعيات حرب 15 أبريل/نيسان 2023، المستمرة بين الجيش وقوات «الدعم السريع».
وفي حديثه لـ«العين الإخبارية»، يقول يوسف إن ما جرى في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 لم يكن مجرد انقلاب سياسي، بل كان «انقلابًا على لجنة إزالة التمكين نفسها».
وأشار إلى أن عبد الفتاح البرهان استهدف، بدعم من الإخوان، اللجنة مباشرة عبر تجميدها وحلّها وملاحقة أعضائها، بل وسجن عدد من قياداتها الفاعلة، إضافة إلى إبطال قراراتها عبر قضاء محسوب على تيار الإخوان.
وأضاف أن اللجنة كانت تمثل «الأداة الحيوية والفاعلة» في كشف شبكات الإخوان داخل الدولة، سواء على المستوى الاقتصادي أو العسكري أو الاجتماعي أو حتى الدبلوماسي، وهو ما يفسر استهدافها المباشر.
والطرح نفسه يؤيده المحلل السياسي السوداني عثمان ميرغني، بالتأكيد على «ضرورة» تفكيك التمكين، وإن يعتقد أن الخطوة تتطلب «آلية مختلفة».
ويقول ميرغني، لـ«العين الإخبارية»، إن الخطوة «مهمة جدًا، لكنها تحتاج إلى آلية مؤسسية واضحة تقودها الدولة».
وأوضح أن «تفكيك التمكين يرتبط بإلغاء تشريعات وقوانين أُقرت خلال فترة نظام الإنقاذ، وهي التي سمحت بترسيخ نفوذ الحركة الإسلامية (ذراع الإخوان) داخل مؤسسات الدولة، ما يستوجب إصدار تشريعات بديلة عبر الأطر الدستورية».
«أخطبوط» داخل الدولة
وأشار يوسف إلى أن «نظام 1989، بقيادة الجبهة الإسلامية، لم يكن مجرد نظام سياسي تقليدي، بل كان تنظيما أخطبوطيا عمل على اختطاف الدولة بالكامل، عبر سياسة التمكين في كل مفاصلها».
وأوضح أن هذا التمكين طال حتى المؤسسة العسكرية، لافتًا إلى أن الدفعات العسكرية منذ عام 1990 وحتى 2018 كانت تضم كوادر مرتبطة بالحركة الإسلامية، ولم يكن يُسمح بالالتحاق بالكليات العسكرية إلا عبر تزكيات تنظيمية، وهو ما يعكس عمق الاختراق.
وبحسب الخبير، فإن الأمر نفسه ينطبق على الخدمة المدنية، حيث تم زرع كوادر التنظيم في مختلف المؤسسات، ما جعل الدولة تعمل لصالح التنظيم وليس لصالح الشعب.
«ضرورة قانونية»
يوسف أكد أيضا أن التفكيك مسار قانوني لحماية الدولة، في تأكيد ضمني على أنه ليس «انتقاما سياسيا» كما تحاول الجماعة الترويج له لاستعطاف الرأي العام وذر الرماد على العيون.
وأكد الخبير أن «تفكيك التمكين ليس تصفية سياسية كما تدّعي جماعة الإخوان»، بل هو «مسار قانوني وشرعي» يستند إلى الوثيقة الدستورية لعام 2019، ويهدف إلى حماية الدولة واستعادة مؤسساتها.
وأشار إلى أن تصنيف الإخوان في السودان منظمة إرهابية يمنح اللجنة زخمًا إضافيًا، ويمكنها من تقديم الأدلة والمستندات التي تكشف طبيعة هذه الشبكات، وعلاقاتها المالية الداخلية والخارجية.
ولفت إلى وجود «علاقات خارجية مشبوهة» واستثمارات كبيرة للتنظيم خارج السودان، إلى جانب ارتباطات بشخصيات خاضعة لعقوبات، وهو ما يعزز أهمية عمل اللجنة في تتبع هذه الشبكات.
تجفيف مصادر تمويل الحرب
وفي الجانب الأمني، شدد يوسف على أن الحرب الحالية لا يمكن فصلها عن هذه الشبكات، موضحًا أن الأموال التي راكمتها الحركة الإسلامية خلال عقود الحكم تُستخدم اليوم في تمويل الصراع.
وقال إن «تجفيف موارد هذه الشبكات سيؤدي بشكل مباشر إلى إضعاف الحرب، وقد يسرّع من نهايتها»، معتبرًا أن وجود قوة سياسية جادة تعمل على قطع هذه الموارد قد يقود إلى إنهاء الصراع في وقت أقرب.
والحرب في ميزان الخبير في الشأن السوداني شوقي عبد العظيم «مشروع سياسي واقتصادي» لبعض الأطراف، معتبرا أن «كشف الشبكات التي تستفيد منها سيؤدي إلى تراجع الحافز لاستمرارها».
ويقول عبد العظيم، لـ«العين الإخبارية»، إن «هذه الشبكات، التي نهبت موارد السودان خلال العقود الماضية، لا تزال تنشط خلال الحرب، عبر أنشطة مثل تجارة الوقود والذهب وتهريب الموارد».
وشدد على أن «تفكيك هذه الشبكات سيجعل الشارع السوداني يدرك أن الحرب ليست حرب كرامة، بل حرب نفوذ سياسي واقتصادي»، ما يؤدي إلى اتساع دائرة رفضها.
الأموال المنهوبة.. حق الشعب
وفي حديثه عن ملف الأموال المنهوبة، قال يوسف إن السودان شهد خلال 30 عامًا «نهبًا واسعًا» شمل الذهب والنفط والأراضي.
وأوضح أن كميات ضخمة من الذهب تم تهريبها، فيما لم تصل عائدات النفط إلى خزينة الدولة، إضافة إلى تمليك أراضٍ وموارد لمجموعات وأفراد مرتبطين بالنظام السابق.
وأكد أن هذه الأموال «ليست رقمًا سياسيًا»، بل هي ثروات حقيقية للشعب السوداني، تُستخدم اليوم في تغذية الحرب، ما يجعل استعادتها ضرورة لتحقيق العدالة ووقف النزاع.
أما عبد العظيم فيعود للإشارة إلى أن الأموال المنهوبة، التي هي في الأصل أموال الشعب السوداني، تُستخدم حاليًا في تمويل الحرب ودعم مجموعات مسلحة، مؤكدًا أن كشف هذه الشبكات يمثل خطوة مهمة في تجفيف منابع الصراع.
ولفت إلى أن استعادة هذه الأموال قضائيًا تبدو صعبة في الوقت الحالي، في ظل غياب قضاء مستقل وهيمنة قوى نافذة على المؤسسات العدلية، لكنه شدد على أهمية «تحضير الملفات وكشف الأسماء والشركات والتدفقات المالية».
استعادة الدولة
واختتم يوسف حديثه بالتأكيد على أن لجنة إزالة التمكين تمتلك «مشروعية سياسية وقانونية»، كونها منبثقة عن ثورة ديسمبر/ كانون أول 2019 التي أطاحت بنظام ديكتاتوري حكم السودان لأكثر من ثلاثة عقود.
وأشار إلى أن اللجنة تحمل مشروعًا متكاملًا لاستعادة أموال الشعب السوداني وتفكيك بنية التمكين، معتبرًا أن عودتها تمثل «إعادة لعقارب الساعة إلى مسار الثورة»، وخطوة أساسية نحو استعادة الدولة وإنهاء الحرب.
والنقطة نفسها توقف عندها الخبير في الشأن السوداني شوقي عبد العظيم، بالتأكيد على أن تفكيك التمكين «ليس تصفية سياسية، بل ضرورة لحماية الدولة»، مشيرًا إلى أن الحركة الإسلامية «احتكرت الدولة لمدة 30 عامًا وأفسدتها وسيطرت على مفاصلها، بما في ذلك الأجهزة الأمنية».
وأوضح أن هذه المرحلة تمثل «تفكيكًا للرأي العام أولًا»، يعقبه لاحقًا تفكيك قانوني وقضائي، خاصة في ظل ما وصفه بالمناخ الدولي الرافض للجماعات المتطرفة وتصنيفها.
وأضاف أن كشف الحقائق وتمليكها للرأي العام سيسهم في «تعريتهم سياسيًا»، ويفتح الباب أمام محاسبتهم مستقبلًا عبر القضاء.
وبحسب عبد العظيم، فإن عودة مؤسسات الدولة مرتبطة بوقف الحرب، مشيرًا إلى أنه «لا يمكن استعادة الدولة في ظل استمرار الصراع وهيمنة القوى العسكرية».
لكنه اعتبر أن عمل لجنة التفكيك يمثل «خطوة متقدمة نحو تجفيف منابع الحرب»، من خلال كشف الشبكات المالية والتنظيمية، وتعزيز وعي الشارع، واتساع دائرة رفض الحرب.
وأضاف أن اللجنة ستسهم في «كشف هذه الشبكات أمام الداخل والخارج»، ما يعزز الضغط عليها، ويحد من قدرتها على الاستمرار، مؤكدًا أن لذلك تأثيرًا متوقعًا على مسار الحرب ومستقبل الدولة السودانية.
بين المبدأ والتطبيق
يعتقد ميرغني أن المبدأ الأساسي المتمثل في فصل العمل السياسي عن مؤسسات الدولة وإزالة التمكين «يظل ركيزة أساسية لبناء الدولة السودانية»، لكنه انتقد أداء اللجنة في تجربتها السابقة.
وأوضح أن اللجنة عانت من قصور قانوني وتنظيمي، من بينها عدم استكمال هياكلها، خاصة غياب جهة الاستئناف، ما أدى إلى الطعن في عدد كبير من قراراتها وإلغائها لاحقًا.
واعتبر الخبير أن استئناف عمل اللجنة، في ظل الظروف الحالية، «سيظل محدود التأثير ما لم تتوفر لها بيئة قانونية ومؤسسية مكتملة»، تشمل إصلاح التشريعات وتفعيل الأجهزة العدلية والتنفيذية.
وختم بالقول إن نجاح أي مسار لتفكيك التمكين يتطلب «إرادة دولة متكاملة».
معلومات ووثائق
يقول عبد العظيم إن لجنة تفكيك نظام 30 يونيو تمتلك «كمًا هائلًا من المعلومات والوثائق» حول الحركة الإسلامية ومنسوبيها خلال الثلاثين عامًا الماضية، بما يشمل ملفات الفساد وبناء ما وصفه بـ«الدولة العميقة»، مشددًا على أن عودتها تمثل خطوة مهمة في هذه المرحلة.
وأوضح أن أهمية اللجنة لا تقتصر على الجانب القانوني، بل تتجاوز ذلك إلى «تمليك الرأي العام الحقيقة»، عبر نشر الوثائق وكشف كيفية إدارة الدولة خلال فترة حكم النظام السابق، وكيف تم تمكين عناصره داخل مؤسسات الدولة.
وأشار إلى أن هذه المعلومات يمكن استخدامها من قبل محامين داخل السودان لتقديم بلاغات قانونية، حتى في ظل الظروف الحالية، لكنه اعتبر أن «الأهم هو المحاكمة الشعبية والسياسية» في هذه المرحلة، وليس فقط القضائية.
وأضاف أن بعض الانتقادات التي تُوجَّه للجنة، بحجة أنها لا تملك سلطة تنفيذية أو أن أعضاءها خارج السودان، لا تقلل من أهميتها، معتبرًا أن دورها الحالي يتمثل في «تفكيك النفوذ عبر الرأي العام».
وأكد أنه يمكن للجنة تقديم الأدلة للشعب السوداني، بما يسهم في تفكيك نفوذ النظام السابق والحركة الإسلامية، لافتا إلى أن «المحاكمات في هذه المرحلة ستكون محاكمات رأي عام وسياسية»، تمهيدًا لمحاكمات قانونية مستقبلية.
شبكة فساد
عندما تشكلت اللجنة في 2019، توقع مراقبون أن تواجه حربا ضروسا من الإخوان بالنظر لملفات الفساد الضخمة التي نبشتها، وما كشفت عنه من أخطبوط تقوده عناصر وشبكات تابعة للجماعة.
وعند تشكيلها، حصلت اللجنة على صلاحيات قانونية واسعة منحتها الأدوات اللازمة للتحرك عمليا، من ذلك مصادرة الأصول والأراضي والمؤسسات التي استولى عليها النظام السابق، ووضعتها تحت إدارة وزارة المالية.
كما قامت بحل وتفكيك مؤسسات النظام السابق وجمدت أرصدة أشخاص وشركات متورطين في الفساد، في مسار لاقى ترحيبا واسعا من السودانيين المتطلعين لمحاصرة الفساد وهدم امبراطورية التمكين التي بناها الإخوان على مدار عقود طويلة.
وحتى حلها عقب انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في أكتوبر/ تشرين أول 2021، نجحت اللجنة في فتح دفاتر الإخوان وكشفت كيف دست الجماعة عناصرها بمفاصل الدولة عبر تفخيخ المؤسسات الحكومية بأعضائها وعناصرها لقطع الطريق على أي تجديد أو تطويق للفساد.
وشغل هؤلاء مناصب عليا بقطاعات مختلفة، ما يفسر تدهور الخدمات وتفشي المحسوبية.
العالم يلاحق الإخوان
عودة لجنة تفكيك التمكين لعملها يتزامن مع دخول قرار الولايات المتحدة الأمريكية تصنيف الجماعة إرهابية حيز التنفيذ.
والخطوة يرتقب أن يتبعها قرار من واشنطن بفرض عقوبات وإصدار مذكرات توقيف، وإصدار قوائم سوداء بأسماء قيادات وفرت الغطاء العملياتي للأذرع المسلحة للجماعة.
وبعودتها لنشاطها، يعتقد مراقبون أن اللجنة ستنطلق من حيث توقفت، ففي مارس/ آذار 2021، أي قبل أشهر من انقلاب قائد الجيش، أعلنت مصادرة واسترداد عدد من الشركات والعقارات والأصول الضخمة التي منحها النظام السابق لشخصيات تابعة للتنظيم العالمي للجماعة ولأذرع تابعة له.
عودة يرتقب أن تحاصر الجماعة مجددا عبر فتح دفاتر 3 عقود من حكمها، بما يسدل الستار على حقبة مظلمة، ويمهد لمستقبل عموده الاستقرار والسلام.
aXA6IDE5OS4xODguMjAxLjIzMyA= جزيرة ام اند امز


