من «المفرمة» إلى الكمائن الرباعية.. تحول في أسلوب روسيا القتالي

من «المفرمة» إلى الكمائن الرباعية.. تحول في أسلوب روسيا القتالي

بعد سنوات من الاعتماد على الهجمات الكثيفة التي ارتكزت على الدفع بموجات بشرية متتالية نحو الخطوط الأوكرانية، شرع الجيش الروسي في إجراء مراجعة تكتيكية عميقة لأسلوبه القتالي.

وتخلى الجيش الروسي تدريجيا عن استراتيجية عُرفت على نطاق واسع باسم “مفرمة اللحم”، لصالح نمط عملياتي جديد أكثر هدوءاً وتعقيداً، يقوم على التسلل البطيء عبر مجموعات صغيرة يصعب رصدها.

  • زيلينسكي يحذر من «نشاط غير معتاد» على حدود بلاده مع بيلاروسيا

ويعكس هذا التحول، وفقا لصحيفة “التليغراف”، إدراكاً روسياً متزايداً بأن طبيعة الحرب في أوكرانيا تغيّرت جذرياً، وأن ساحة المعركة الحديثة لم تعد تسمح بتكرار مشاهد الاقتحامات الجماعية التي ميزت المراحل الأولى من الصراع.

ففي بيئة باتت تخضع لمراقبة شبه دائمة من الطائرات المسيّرة، المدعومة بقدرات استطلاع آنية وتقنيات حرب إلكترونية متطورة، أصبحت أي محاولة لحشد أعداد كبيرة من الجنود قرب خطوط التماس هدفاً مكشوفاً يمكن رصده وتحييده خلال دقائق.

هذه البيئة القتالية الجديدة، التي فرضتها التكنولوجيا، أجبرت موسكو على إعادة صياغة فلسفة التقدم الميداني، والانتقال من منطق الحشود إلى منطق التسلل المنظم.

جنود روس في أوكرانيا

ويعتمد التكتيك الروسي الجديد على تقسيم الوحدات المهاجمة إلى مجموعات صغيرة للغاية، غالباً ما تتراوح بين مقاتلين وأربعة أفراد، تتحرك سيراً على الأقدام، في الغالب تحت جنح الظلام، وبأقل قدر ممكن من الاتصالات اللاسلكية لتفادي الرصد الإلكتروني.

وتتمثل مهمتها الأساسية في استغلال الثغرات داخل خطوط الدفاع الأوكرانية والتسلل عبرها إلى العمق، ثم التمركز في نقاط مخفية نسبياً، تمهيداً لتوجيه مجموعات أخرى إلى المواقع نفسها.

ومع تراكم هذه الفرق الصغيرة في نقاط اختراق محددة، يتحول التسلل الفردي إلى رأس جسر تكتيكي يسمح بتنفيذ هجمات التفاف مباغتة على المواقع الأوكرانية من الخلف أو من الأجنحة، وهو ما يمثل تحولاً نوعياً في أسلوب القتال الروسي؛ إذ لم يعد الهدف اختراق الدفاعات بالقوة المباشرة، بل استنزافها تدريجياً عبر التغلغل الصامت وخلق تهديدات متعددة الاتجاهات.

ويرى خبراء عسكريون، أن هذا التحول يعكس استجابة مباشرة لواقع ميداني فرضته التكنولوجيا الحديثة. فالمراقبة الجوية المستمرة جعلت من التحركات الجماعية عبئاً تكتيكياً، في حين فرضت أنظمة التشويش الإلكتروني قيوداً كبيرة على التنسيق التقليدي للهجمات.

وفي هذا السياق، أصبحت الطائرات المسيّرة أداة القيادة والسيطرة الأساسية، حيث تستخدمها مراكز القيادة الروسية لمتابعة تحركات الفرق الصغيرة، وتوجيهها نحو مسارات التقدم، وتحديد مواقع العدو والثغرات المحتملة.

وتتجنب هذه المجموعات، في معظم الأحيان، الاشتباك المباشر مع المواقع الأوكرانية المحصنة، مفضلة الالتفاف حولها أو تجاوزها. وما إن تصل إلى عمق الخطوط الدفاعية حتى تتحصن داخل مبانٍ مهجورة أو بين الأشجار أو داخل حفر أحدثها القصف، منتظرة وصول تعزيزات إضافية.

وبدلاً من السعي إلى حسم سريع، تقوم الفكرة على ترسيخ وجود تدريجي يربك المدافعين الأوكرانيين ويجبرهم على التعامل مع تهديدات متناثرة وغير متوقعة.

وقد ظهرت مؤشرات واضحة على اعتماد هذا التكتيك خلال الأشهر الأخيرة في عدد من القطاعات الحيوية، من مناطق ليمان وتشاسيف يار شمالاً، مروراً بمحور بوكروفسك في وسط دونيتسك، وصولاً إلى جبهة زابوروجيا جنوباً، بل وحتى في بعض المناطق الحدودية داخل مقاطعة كورسك الروسية.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن هذه الأساليب تحقق قدراً أكبر من الفاعلية في المناطق التي تعاني فيها الدفاعات الأوكرانية من هشاشة نسبية، خصوصاً عند نقاط الالتقاء بين الوحدات، وعلى الأجنحة، وفي البيئات الحضرية المعقدة.

ومع ذلك، لا يعني هذا التحول أن روسيا وجدت حلاً سحرياً لمعضلة التقدم البري. فالخسائر لا تزال مرتفعة، وفرص نجاة هذه الفرق الصغيرة محدودة للغاية. ففي كثير من الحالات، يتم رصدها بعد التسلل بفترة وجيزة بواسطة الطائرات المسيّرة الأوكرانية، خصوصاً المسيّرات الانتحارية العاملة بتقنية الرؤية المباشرة، لتتحول إلى أهداف سهلة في أرض مفتوحة لا توفر غطاءً كافياً.

وتؤكد الوقائع الميدانية أن هذا الأسلوب، رغم قدرته على تحقيق اختراقات موضعية، لا يتيح سوى تقدم بطيء وزاحف، بكلفة بشرية مرتفعة مقارنة بالمكاسب الميدانية المحدودة التي يحققها. لكنه، في المقابل، يعكس مرونة تكتيكية متزايدة لدى الجيش الروسي، واستعداده لتكييف أساليبه مع واقع الحرب الحديثة.