في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في آسيا وتنامي الشكوك حول مستقبل المظلة النووية الأمريكية، تتزايد التكهنات بشأن احتمال دخول اليابان وكوريا الجنوبية النادي النووي خلال السنوات المقبلة.
فقد تحدثت شخصيات بارزة في دوائر السياسة والاستراتيجية الأمريكية، من هنري كيسنجر إلى جون ميرشايمر، مراراً عن أن امتلاك طوكيو وسول للسلاح النووي بات نتيجة شبه حتمية في ظل انشغال واشنطن بأزمات الشرق الأوسط وأوكرانيا وتراجع قدرتها على التركيز الكامل على شرق آسيا.
- ثغرة البلوتونيوم.. تحذيرات من مسار إيران السري نحو القنبلة الذرية
هذا المناخ، وفقا لمجلة فورين بوليسي، غذّته أيضاً استطلاعات رأي شعبية أظهرت دعماً واسعاً لفكرة التسلح النووي، خاصة في كوريا الجنوبية، حيث تراوحت نسب التأييد بين 75 و80%، إلى جانب تنامي النقاش العلني داخل اليابان حول جدوى امتلاك قدرة ردع مستقلة، وهو أمر ظل لعقود من المحرمات السياسية المرتبطة بذاكرة هيروشيما وناغازاكي.
كما زادت التصريحات الرسمية من حدة هذه التكهنات، بعدما ألمح الرئيس الكوري الجنوبي يون سوك يول عام 2023 إلى إمكانية تطوير بلاده سلاحاً نووياً “بسرعة” إذا اقتضت الضرورات الأمنية ذلك.
لكن خلف هذا الضجيج الإعلامي والسياسي، تكشف الدراسات المتخصصة صورة أكثر تعقيداً. فقد أظهر استطلاع موسع أُجري عام 2025 وشمل مئات من خبراء السياسة الخارجية والأمن القومي في البلدين أن غالبية النخب الاستراتيجية الفاعلة لا تزال متحفظة تجاه خيار التسلح النووي.
فقد أكد نحو ثلاثة أرباع المشاركين الكوريين واليابانيين أنهم إما يعارضون امتلاك السلاح النووي أو لم يحسموا موقفهم بعد. والأهم أن أغلبية هؤلاء لا تعتقد أساساً أن امتلاك القنبلة سيجعل بلدانهم أكثر أمناً.
ويرتبط هذا التردد بإدراك عميق للكلفة السياسية والاقتصادية المترتبة على كسر الحظر النووي. ففي كوريا الجنوبية، برزت المخاوف من العقوبات الدولية وفقدان المكانة الاقتصادية والدبلوماسية كأحد أبرز أسباب الرفض، بينما تركز القلق الياباني على احتمال إشعال سباق تسلح نووي واسع في شمال شرق آسيا، إلى جانب المخاوف من العزلة الدولية وتقويض صورة اليابان كقوة سلمية.
كما تُظهر نتائج الاستطلاع أن كثيراً من النخب لا ترى في القنبلة الخيار الأول لضمان الأمن، بل تفضل توسيع ترتيبات “المشاركة النووية” مع الولايات المتحدة، بما يسمح بالحفاظ على الردع الأمريكي من دون تحمل تبعات امتلاك سلاح نووي مستقل.
شبح الانسحاب الأمريكي وعدوى التسلح النووي
ورغم هذا التحفظ الحالي، فإن مواقف النخب في طوكيو وسول تبدو شديدة الحساسية تجاه عاملين أساسيين: مستقبل الالتزام العسكري الأمريكي، واحتمال امتلاك الجار للسلاح النووي.
فالدراسة تشير إلى أن سيناريو تقليص الوجود العسكري الأمريكي في شبه الجزيرة الكورية أو تراجع الالتزام الدفاعي الأمريكي كفيل بإحداث تحول جذري في المواقف. إذ أبدت نسب كبيرة من النخب المعارضة استعداداً لتأييد التسلح النووي إذا شعرت بأن واشنطن لم تعد شريكاً أمنياً موثوقاً.
وكان التأثير أكثر وضوحاً لدى الفئات المترددة، التي أظهرت استعداداً واسعاً لتغيير موقفها فور اهتزاز الثقة بالمظلة الأمريكية.
غير أن العامل الأكثر خطورة يتمثل فيما يسميه الباحثون “العدوى النووية” بين الجارين. فمجرد افتراض امتلاك اليابان للسلاح النووي يدفع غالبية النخب الكورية المعارضة حالياً إلى إعادة النظر في موقفها، والعكس صحيح أيضاً.
وهذا يعني أن أي خطوة من أحد الطرفين قد تطلق سباقاً نووياً متسارعاً يصعب احتواؤه، حتى لو استمرت الولايات المتحدة في تقديم ضماناتها الأمنية.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو واشنطن أمام فرصة حاسمة للحفاظ على توازن الردع التقليدي في شرق آسيا. فتعزيز التنسيق الدفاعي الثلاثي مع طوكيو وسيول، وتوسيع مشاورات الردع النووي، ودمج أنظمة الدفاع الصاروخي، وتكثيف التدريبات المشتركة، كلها أدوات يمكن أن تبدد المخاوف المتزايدة بشأن الالتزام الأمريكي طويل الأمد.
وفي النهاية، لا تزال غالبية النخب الحاكمة في اليابان وكوريا الجنوبية ترى أن كلفة امتلاك السلاح النووي تفوق مكاسبه المحتملة. لكن هذا التوازن يبقى هشاً وقابلاً للتغير سريعاً إذا ما تراجعت الثقة بالدور الأمريكي أو انكسر “التابو النووي” في إحدى العاصمتين. وعندها، قد تجد شرق آسيا نفسها أمام سباق ردع جديد يعيد رسم الخريطة الأمنية للقارة بأكملها.


