تواجه خطط تحديث سلاح الجو الملكي البريطاني واحدة من أصعب مراحلها منذ عقود، مع تزايد المؤشرات على تأخر بدائل مقاتلات «تايفون» لسنوات إضافية، في وقت تتصاعد فيه الحاجة إلى تجديد القدرات الجوية في ظل بيئة أمنية دولية أكثر اضطراباً وتنافساً.
وأشارت صحيفة “تليغراف” إلى أن مقاتلة الجيل القادم «تمبست»، التي تمثل الركيزة الأساسية لمشروع الطيران القتالي المستقبلي للمملكة المتحدة، لن تدخل الخدمة في الموعد الذي سبق أن رُوّج له، بل قد يتأخر ظهورها إلى أواخر ثلاثينيات القرن الحالي أو يمتد إلى أربعينياته، بما يضع علامات استفهام واسعة حول قدرة لندن على الحفاظ على زخم تحديث قواتها الجوية.
- تقاعد مقاتلات «يوروفايتر تايفون» المبكر يفتح باب الأسئلة الكبرى
ويأتي هذا التأخير في وقت يعتمد فيه سلاح الجو الملكي على أكثر من مئة مقاتلة «تايفون» تشكل العمود الفقري لقدراته القتالية الجوية، مع خطط سابقة لإحالة هذه الطائرات إلى التقاعد تدريجياً وصولاً إلى خروجها الكامل من الخدمة بحلول عام 2040.

وكانت التصورات الأولية تقوم على إدخال نسخ مطورة من «تايفون» ابتداءً من عام 2035، بما يضمن انتقالاً سلساً نحو الجيل الجديد دون فجوة تشغيلية. غير أن التحول الاستراتيجي نحو برنامج «تمبست» ضمن مشروع الطائرة القتالية العالمية، بالشراكة مع اليابان وإيطاليا، أعاد ترتيب الأولويات وخلق ضغوطاً مالية وزمنية متزايدة.
وتكمن إحدى أبرز العقبات في تعثر تدفقات التمويل وتأخر حسم الإطار الاستثماري طويل الأمد للمشروع، رغم توقيع عقد تطوير مرحلي بقيمة تقارب 686 مليون جنيه إسترليني.
ومع انتهاء أفق هذا العقد دون وضوح كامل بشأن آليات التمويل المستقبلية، باتت قدرة البرنامج على الالتزام بجداول زمنية واضحة موضع اختبار حقيقي.
ويعكس ذلك أزمة أوسع داخل منظومة الدفاع البريطانية، حيث تتشابك اعتبارات التحديث العسكري مع قيود الإنفاق العام وتوازنات السياسة المالية.
وتحوّل النقاش داخل الأوساط العسكرية والسياسية إلى مساحة من الانتقادات المتبادلة بشأن المسؤولية عن التعثر.
فقد اعتبر مسؤولون عسكريون متقاعدون أن التأجيل المتكرر يعكس تراجعاً في أولوية الدفاع ضمن الحسابات الحكومية، بينما يرى آخرون أن معالجة الفجوة التمويلية عبر الاقتراض أو إعادة توزيع الموارد تظل خياراً لا مفر منه إذا أرادت بريطانيا الحفاظ على مكانتها الدفاعية وقدرتها الصناعية العسكرية.
وتزداد تعقيدات المشهد في ظل إعادة صياغة الأولويات الدفاعية عالمياً، إذ تشير المؤشرات إلى أن الخطة الاستثمارية المقبلة لن تركز حصراً على المقاتلات المأهولة، بل ستمنح مساحة أكبر للطائرات المسيّرة والأنظمة الذاتية التشغيل، مستفيدة من الدروس التي فرضتها ساحات القتال الحديثة في أوكرانيا وإيران.
كما تتضمن التوجهات المرتقبة تعزيز قوات الاحتياط وخفض بعض النفقات الإدارية لصالح توسيع الجاهزية العملياتية.
وفي الوقت الذي تستعد فيه الحكومة البريطانية لإعلان تفاصيل خطة الاستثمار الدفاعي، تواجه لندن اختباراً سياسياً إضافياً على المستوى الدولي، خصوصاً مع اقتراب اجتماعات حلف شمال الأطلسي وتزايد الدعوات إلى تقاسم أكبر للأعباء الدفاعية داخل أوروبا.
وبين ضغط الحاجة إلى تحديث القدرات الجوية، ومحدودية الموارد، وتبدل طبيعة الحروب الحديثة، يبدو أن مستقبل «تمبست» لم يعد مجرد مشروع صناعي ضخم، بل اختباراً لقدرة بريطانيا على المواءمة بين الطموح الاستراتيجي والواقع المالي المتغير.
وتشدد وزارة الدفاع البريطانية على استمرار التزامها بالمشروع والعمل مع الشركاء الدوليين، مؤكدة أن المرحلة المقبلة ستشهد حسم مسار التمويل والخطوات التنفيذية للبرنامج ضمن الإطار الزمني المتاح.

