«باتريوت» في أوكرانيا.. مشروع دفاعي يصطدم بحسابات واشنطن

خلال قمة مجموعة السبع الأخيرة في مدينة إيفيان الفرنسية حمل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي معه حزمة مطالب جديدة تتجاوز حدود الدعم العسكري التقليدي.

كان أبرز مطالب زيلينسكي هو السعي للحصول على ترخيص أمريكي يسمح بإنتاج صواريخ «باتريوت» الاعتراضية داخل أوكرانيا.

ورغم منطقية الطلب في ظل الضغوط غير المسبوقة التي تواجهها كييف، فإن تنفيذه، وفقا لموقع “ريسبونسبل ستيت كرافت”، يصطدم بجملة من العقبات الاستراتيجية والأمنية التي تجعل الموافقة عليه خياراً شديد الحساسية بالنسبة لواشنطن، بل وربما أكثر خطورة على المصالح الأمريكية من كونه حلاً عملياً لأزمة الدفاع الجوي الأوكرانية.

  • كوريا الشمالية تعزز ترسانتها النووية.. ورسائل تحد لواشنطن وسول

وتكمن جذور الأزمة في الفجوة المتزايدة بين حجم التهديدات الروسية وقدرات الاعتراض المتاحة لأوكرانيا. فمع استمرار موسكو في تنفيذ هجمات مكثفة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ضد المدن والبنية التحتية الأوكرانية، تعتمد كييف بصورة شبه كاملة على منظومات «باتريوت» الأمريكية للتصدي لهذه الهجمات. 

غير أن المشكلة الأساسية تتمثل في محدودية الإنتاج العالمي للصواريخ الاعتراضية؛ إذ لا تزال الطاقة الإنتاجية الأمريكية أقل بكثير من الاحتياجات المتزايدة للحرب، بينما تتطلب مواجهة الصاروخ الباليستي الواحد في كثير من الأحيان إطلاق أكثر من صاروخ اعتراضي لضمان إسقاطه.

«باتريوت» في أوكرانيا.. مشروع دفاعي يصطدم بحسابات واشنطن - صورة 1

وتفاقمت هذه الضغوط مع اتساع التزامات الولايات المتحدة العسكرية في مناطق أخرى، وما رافقها من استنزاف ملحوظ لمخزونات الدفاع الجوي الأمريكية وحلفائها. 

وفي ظل الأولوية المتزايدة لإعادة بناء هذه المخزونات، تبدو قدرة واشنطن على توفير كميات إضافية كبيرة لأوكرانيا محدودة، الأمر الذي دفع كييف إلى طرح خيار التصنيع المحلي باعتباره مخرجاً محتملاً من أزمة الإمدادات المزمنة.

لكن هذا الخيار يصطدم أولاً بعامل الزمن، فإقامة خط إنتاج لصواريخ «باتريوت» ليست عملية يمكن إنجازها خلال أشهر، بل تتطلب سنوات من البناء والتأهيل ونقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر. 

وتُظهر التجارب القائمة في الدول الحليفة للولايات المتحدة أن إنشاء منشآت إنتاج مشتركة لمنظومات الدفاع الجوي المتقدمة يحتاج إلى جداول زمنية طويلة قبل الوصول إلى الطاقة التشغيلية الكاملة، ما يعني أن أي مشروع مماثل داخل أوكرانيا لن يقدم حلاً عملياً للاحتياجات العسكرية الملحة التي تواجهها البلاد حالياً.

إلى جانب ذلك، تبرز معضلة أمنية لا تواجهها مواقع الإنتاج الموجودة في الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية. فأي منشأة مخصصة لإنتاج صواريخ «باتريوت» داخل الأراضي الأوكرانية ستتحول فوراً إلى هدف استراتيجي بالغ الأهمية بالنسبة لروسيا، ما سيجبر كييف على تخصيص جزء من قدراتها الدفاعية المحدودة لحمايتها. 

وفي ظل وتيرة الضربات الروسية الحالية، يبقى خطر استهداف هذه المنشآت قائماً منذ لحظة الإعلان عنها وحتى بدء تشغيلها، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول جدوى الاستثمار في مشروع قد يتعرض للتعطيل أو التدمير قبل أن يحقق أهدافه.

كما أن تحديات سلاسل التوريد العالمية تمثل عقبة إضافية أمام أي توسع إنتاجي سريع. فصناعة صواريخ «باتريوت» تعتمد على مكونات عالية التعقيد تشمل إلكترونيات متقدمة ومحركات ومواد استراتيجية تعاني بالفعل من ضغوط كبيرة في الأسواق العالمية. 

لذلك، فإن افتتاح خط تجميع جديد في أوكرانيا لا يعني بالضرورة زيادة صافية في حجم الإنتاج العالمي، بل قد يؤدي عملياً إلى إعادة توزيع الموارد والمكونات المتاحة على حساب خطوط الإنتاج القائمة، وهو ما قد يقلص قدرة الولايات المتحدة على تلبية احتياجات قواتها المسلحة وشركائها الآخرين.

غير أن الاعتبارات الأكثر حساسية ترتبط بالأمن القومي الأمريكي وحماية التكنولوجيا العسكرية المتقدمة. فأنظمة «باتريوت» تمثل أحد أهم أصول الدفاع الجوي الأمريكية، وتخضع تقنياتها لقيود صارمة على التصدير ونقل المعرفة الصناعية. 

«باتريوت» في أوكرانيا.. مشروع دفاعي يصطدم بحسابات واشنطن - صورة 2

وقد تطلب منح تراخيص الإنتاج المشترك لصواريخ باتريوت لدول حليفة مثل ألمانيا واليابان سنوات من الترتيبات الأمنية والرقابية المعقدة لضمان حماية الملكية الفكرية ومنع تسرب المعلومات الحساسة. 

وفي حالة أوكرانيا، التي تخوض حرباً مفتوحة وتتعرض لمحاولات اختراق استخباراتي مستمرة، تزداد المخاوف من احتمال وصول معلومات تقنية حساسة إلى أطراف معادية، بما قد يهدد التفوق التكنولوجي الأمريكي في المستقبل.

لهذه الأسباب، تبدو احتمالات استجابة واشنطن لطلب زيلينسكي محدودة للغاية، ليس فقط لأن المشروع غير قادر على معالجة أزمة الدفاع الجوي الأوكرانية خلال السنوات القليلة المقبلة، بل أيضاً لأن كلفته الاستراتيجية والأمنية قد تتجاوز بكثير أي فوائد محتملة. 

وفي المقابل، تفرض هذه المعضلة واقعاً صعباً على جميع الأطراف؛ فالحاجة الأوكرانية الملحة إلى الدفاعات الجوية تتزايد بوتيرة أسرع من قدرة الحلفاء على توفيرها، بينما يتطلب الحل طويل الأمد توسيع الطاقة الإنتاجية العالمية لمنظومات الدفاع الصاروخي، ودفع الدول الأوروبية إلى تحمل دور أكبر في تطوير بدائل قادرة على تقاسم العبء مع الصناعات الدفاعية الأمريكية مستقبلاً.