وثيقة مسربة تكشف خطط البرهان للسودان.. رفض التفاوض وترسيخ الحكم العسكري (خاص)

وثيقة جديدة تكشف عن خطط الجيش لمستقبل السودان، وتبرز محاولة لمراوغة المنابر الدولية، وهندسة الحوار الوطني، لصياغة نظام حكم عسكري.

وكشفت الوثيقة الرسمية المسربة، والصادرة عن مكتب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، ومؤرخة في 16 يونيو/حزيران 2026، عن توجيه سري وشخصي أرسله اللواء طارق سعود أحمد حسون، مدير مكتب رئيس المجلس، إلى الدكتور سليمان محمد الدبيلو، رئيس لجنة السلام.

تؤكد الوثيقة التي نشرها موقع “ذا ليبرال” الإيرلندي، أن قائد الجيش عبدالفتاح البرهان أصدر تعليمات شخصية للمسؤولين، بصياغة «الرؤية السياسية والاستراتيجية الشاملة للسودان». ويقترح الركيزة الأولى لمشروع حكم البلاد من خلال حكومة عسكرية تتألف من رئيس للجمهورية ومجلس وزراء تكنوقراطي لفترة انتقالية مدتها خمس سنوات، تليها انتخابات عامة.

كما تكشف الوثيقة عن محاولة واضحة من قبل القيادة العسكرية لتشكيل المشهد السياسي الداخلي في السودان، عبر إقصاء الأطراف الأخرى، إذ تدعو إلى «حوار سوداني-سوداني» شامل، مع قصر المشاركة على القوى الوطنية «التي لم تتلطخ أيديها بدماء الشعب».

“لا حلول سلمية”

وفيما يبدو أنه محاولة للتحايل على الضغوط الدولية واحتواء مبادرات السلام الإقليمية، تؤكد التوجيهات أيضًا على رفض البرهان القاطع لأي نتائج تنبثق عن مؤتمرات أو منصات حوار تُعقد خارج الأراضي السودانية.

وتساعد التوجيهات المسربة على تفسير التراجع الملحوظ في دور لجنة السلام، وهي الهيئة الحكومية التي أُنشئت خلال الفترة الانتقالية في السودان بعد عام 2019 عقب الإطاحة بالنظام السابق وكانت مكلفة بالتفاوض مباشرة مع الحركات المسلحة والإشراف على تنفيذ اتفاقات السلام، ولا سيما اتفاق جوبا للسلام.

وكانت هذه اللجنة بمثابة إحدى الآليات التنفيذية الرئيسية للترتيبات السياسية والأمنية والتنموية المصممة لإنهاء الصراعات الطويلة الأمد في السودان.

ومع ذلك، تشير التطورات السياسية والميدانية الحالية، مدعومة بالتوجيهات الأخيرة المتعلقة بتوزيع المهام، إلى أن اللجنة لم تعد السلطة المركزية لصنع القرار بشأن قضايا السلام، كما كانت بين عامي 2019 و2022. وبدلاً من ذلك، انتقلت معظم مسؤولياتها إلى الجهات السيادية. 

وتزامنت هذه التطورات مع دعوات واسعة النطاق لجميع الأطراف السياسية والمجتمعية للمشاركة في الحوار المقترح.

ويرى محللون سياسيون أن هذه الصيغة تنطوي على دلالات بالغة الحساسية حيث إن البرهان يسعى إلى تأمين درع سياسي وقانوني لنفسه وللمؤسسة العسكرية ضد انتهاكات حقوق الإنسان أو المسؤولية الجنائية عن تصاعد جرائم الحرب.

3 أهداف

وبحسب الموقع الأيرلندي، يخلص الخبراء والمراقبون للشؤون السودانية إلى أن هذه الوثيقة مصممة لتحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية رئيسية:

أولاً: ترسيخ مكانة البرهان وإعفاء القيادة العسكرية من المسؤولية عن جرائم الحرب. 

تسعى الخطة إلى ضمان استمرار قيادة البرهان للمؤسسات السيادية والعسكرية في السودان، مع إبعاده هو والقوات المسلحة عن صورة الأطراف المتنازعة في الصراع، وتقديم الجيش بدلاً من ذلك باعتباره السلطة الشرعية الوحيدة في البلاد.

ثانياً: التحايل على المبادرات الدولية

يمثل هذا المشروع محاولة واضحة لتجاوز الجهود الدولية التي تقودها الأمم المتحدة والرامية إلى حل الأزمة السودانية. ويعكس رفضه القاطع لمنصات الحوار الخارجية سعيه لتفادي الضغوط الدولية التي تدعو إلى العودة إلى الانتقال الديمقراطي بقيادة مدنية وتسليم السلطة للمدنيين.

ثالثاً: تحييد الحركات المسلحة في دارفور

تسعى المبادرة أيضاً إلى ضمان بقاء الحركات المسلحة في دارفور ضمن إطار التحالف العسكري الحالي، وألا تنأى بنفسها عن سلطات بورتسودان أو تتبنى مواقف سياسية مستقلة من شأنها أن تقوض خارطة الطريق العسكرية المقترحة لمدة خمس سنوات.

ووفقًا للخبراء، فإن المشروع السياسي للجيش يعكس تصميمًا واضحًا على صياغة نظام سياسي جديد في السودان من خلال تفكيك إرث الفترة الانتقالية وترسيخ الحكم العسكري. ويحذرون من أن مثل هذه الإجراءات الأحادية الجانب قد تزيد من تعقيد آفاق التوصل إلى تسوية سلمية شاملة وتطيل أمد الحرب الدائرة في البلاد.

هروب إلى الأمام

بدوره، قال المحلل السوداني، سيبويه يوسف، لـ”العين الإخبارية”، إن “البرهان يبحث عن شرعية ويبحث عن استمرار في الحكم مهما كان السبب، باعتبار أن الحكم المدني يسبب له خطورة كبيرة لأنه مطارد على خلفية جرائم كبيرة حدثت في دارفور”. 

وتابع “هذه الوثيقة هروب للأمام ومحاولة لإضفاء شرعية”، مضيفا “الحرب في عامها الرابع والبرهان يمارس ذات النهج.. قيادة الجيش لا تسعى لإيقاف الحرب، وإنما تسعى للاستمرارية من خلال المراوغات”. 

وأضاف “مثل هذه الوثيقة تؤكد تماما أن الجيش ليس له مصلحة في وقف الحرب، وحتى لو أوقف الحرب، يكون ذلك بضمانات ومساومات تضمن حماية القيادة العسكرية، وتعبيد المشهد لفلول النظام السابق للعودة مجددا”. 

ويشهد السودان منذ أبريل/نيسان 2023 حرباً دامية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، أدت إلى مقتل عشرات الآلاف ونزوح ولجوء الملايين، وتسببت في انهيار واسع للخدمات الأساسية، فيما تصف الأمم المتحدة الأزمة الإنسانية في البلاد بأنها الأسوأ في العالم.