لا يمثل البيت الأبيض مجرد مقر لإقامة رئيس الولايات المتحدة أو مركزاً لاتخاذ القرار السياسي، بل يُعد مؤسسة حكومية متكاملة تعمل على مدار الساعة وتدار بمنظومة مالية وإدارية معقدة تتطلب مخصصات سنوية ضخمة.
فالقصر التاريخي، الذي يضم 132 غرفة و35 حماماً ومطبخاً، بحسب موقع بيزنس إنسايدر، قادر على إعداد موائد رسمية لـ140 ضيفاً وتقديم المقبلات لأكثر من ألف شخص في المناسبات الكبرى.
- ترامب يواجه معركة قضائية بسبب طلاء مبنى تاريخي قرب البيت الأبيض
ويعمل كمدينة مصغرة تحتاج إلى مئات الموظفين وشبكة خدمات لوجستية متواصلة، فضلاً عن منظومة أمنية تعد الأكثر تعقيداً بين مقار الحكم في العالم.
وبين الرواتب، ونفقات التشغيل، ومشروعات التحديث، وتكاليف الحماية، ترتفع فاتورة إدارة البيت الأبيض إلى مليارات الدولارات سنوياً، وسط نقاش دائم في واشنطن حول أولويات الإنفاق العام.
جيش من الموظفين ورواتب تتجاوز عشرات الملايين
تشكل الموارد البشرية العمود الفقري لمنظومة البيت الأبيض، إذ يعمل داخل مقر الإقامة التنفيذية ما بين 90 و100 موظف يتولون مختلف المهام اليومية، من خدمات الضيافة والطهي والصيانة إلى الأمن الداخلي والإشراف الفني، بإدارة مباشرة من كبير موظفي البيت الأبيض.
وبلغت مخصصات التعويضات للعاملين في مقر الإقامة نحو 9 ملايين دولار خلال السنة المالية 2025، منها 8 ملايين للموظفين الدائمين ومليون دولار للعاملين الآخرين، إلى جانب نحو 3 ملايين دولار للمزايا الصحية والتأمينية، مع توقعات بارتفاع هذه المخصصات إلى 11 مليون دولار للتعويضات و4 ملايين للمزايا بحلول عام 2027.
أما المكتب الرئاسي، الذي يضم المستشارين وكبار المساعدين والإداريين العاملين مع الرئيس بصورة مباشرة، فيضم 411 موظفاً حتى يوليو/ تموز 2026، بينهم 365 موظفاً دائماً و46 موظفاً منتدباً.
وقد خصص الكونغرس 78.9 مليون دولار لتشغيل المكتب خلال عامي 2025 و2026، فيما يحصل كبار المسؤولين، بمن فيهم رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، والسكرتيرة الصحفية كارولين ليفيت، ومدير كتابة الخطابات روس وورثينغتون، على رواتب سنوية تبلغ 195,200 دولار لكل منهم.
ويبلغ راتب الرئيس الأمريكي نفسه 400 ألف دولار سنوياً، إضافة إلى بدل نفقات رسمية بقيمة 50 ألف دولار، وهو المبلغ الذي يؤكد الرئيس دونالد ترامب أنه يتبرع به للوكالات الفيدرالية، على غرار ما فعله خلال ولايته الأولى، رغم قيام رؤساء سابقين مثل جون كينيدي وهربرت هوفر بالتبرع برواتبهم لأغراض خيرية.
تشغيل يومي ومشروعات عملاقة وحماية لا تعرف سقفاً للإنفاق
ولا تتوقف النفقات عند الرواتب، إذ تستهلك العمليات التشغيلية اليومية ملايين الدولارات سنوياً. فقد بلغت تكاليف الاتصالات والمرافق والخدمات المختلفة داخل مقر الإقامة نحو مليون دولار خلال عام 2025، إضافة إلى مليون دولار أخرى للمستلزمات والمواد التشغيلية، وهي مستويات إنفاق يتوقع استمرارها خلال الأعوام المقبلة.
في المقابل، ينفق المكتب الرئاسي مبالغ مماثلة على اللوازم المكتبية والطباعة والاستنساخ، فضلاً عن اشتراكات إعلامية وتقنية، من بينها اشتراك في خدمات بلومبيرغ بقيمة 58,294 دولاراً، إلى جانب 25 ألف دولار لاشتراك موسيقي خلال السنة المالية 2026.
وتستحوذ نفقات السفر والتنقل على أحد أكبر البنود التشغيلية بعد الرواتب، حيث خصص المكتب الرئاسي نحو 3 ملايين دولار لتنقلات الموظفين خلال عام 2025، مع توقعات بارتفاعها إلى 4 ملايين دولار في العام التالي، بما يعكس اتساع النشاط الدبلوماسي والإداري للإدارة الأمريكية في الداخل والخارج.
وفي الوقت نفسه، يفرض الحفاظ على مبنى يعود تاريخ إنشائه إلى أكثر من مائتي عام استثمارات متواصلة في الصيانة والتطوير. فقد خصص الكونغرس 2.5 مليون دولار لأعمال الإصلاح والصيانة الدورية خلال عام 2026.
لكن التقديرات تشير إلى التزامات ترميم وإصلاح قابلة للاسترداد تصل إلى 377 مليون دولار، بالتزامن مع مشروع قاعة الاحتفالات الجديدة الذي أعلن عنه الرئيس ترامب، والذي قدرت تكلفته بما يتراوح بين 300 و400 مليون دولار، مؤكداً عزمه تمويله بالكامل من موارده الخاصة وبمساهمات من متبرعين من القطاع الخاص، لتجنب تحميل دافعي الضرائب أي أعباء إضافية.
الحماية.. البند الأكثر كلفة
ورغم ضخامة هذه الأرقام، تبقى الحماية الأمنية البند الأكثر تكلفة في معادلة البيت الأبيض. فقد خصص الكونغرس لجهاز الخدمة السرية 3.25 مليار دولار للسنة المالية 2026، منها 1.4 مليار دولار موجهة مباشرة لبرامج الحماية التي تشمل الرئيس وعائلته، ونائب الرئيس، والرئيس ونائبه المنتخبين، إضافة إلى الرؤساء السابقين وأسرهم.
وبينما تظل تفاصيل توزيع هذه المخصصات طي الكتمان لأسباب أمنية، فإنها تعكس حجم الموارد التي تخصصها الولايات المتحدة لتأمين مركز صناعة القرار السياسي، بما يجعل البيت الأبيض ليس فقط أشهر مقر رئاسي في العالم، بل أيضاً أحد أكثر المؤسسات الحكومية تكلفة من حيث الإدارة والتشغيل والحماية.

