في واحدة من أغرب قصص التجسس في الحرب الباردة، بدأ انشقاق العميل السوفياتي فلاديمير كوزيتشكين بطلب شخصي لعلاج الضعف الجنسي، لكنه انتهى بكشف شبكة «كي جي بي» وإحباط مخطط مدعوم من موسكو لقلب النظام الإيراني عام 1981.
في أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979، دخلت طهران مرحلة من الاضطراب السياسي والصراع على شكل النظام الجديد، وهو ما فتح أمام الاتحاد السوفياتي فرصة لمحاولة توسيع نفوذه في بلد يتمتع بموقع استراتيجي بالغ الأهمية على الخليج ومضيق هرمز.
- لتجنيبها «تقلبات ترامب».. صاروخ ألماني يفتح لأوروبا بوابة الفضاء
وبحسب الرواية التي يقدمها الكاتب بن ماكنتاير في كتابه «ريدوود: القصة غير المروية لأكثر جواسيس الحرب الباردة تميزاً»، كانت موسكو تدعم عناصر شيوعية إيرانية تستعد للتحرك ضد الحكومة. وبحلول أواخر صيف عام 1981، كان المتمردون قد خزّنوا الأسلحة، فيما كانت القوات السوفياتية في وضع يسمح لها بالتدخل عبر الحدود الشمالية، في حال تطورت الأزمة إلى مواجهة مفتوحة.
وكان نجاح المخطط سيمنح موسكو نفوذاً استثنائياً في إيران، بما كان سيشكل ضربة استراتيجية للغرب في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
عميل بريطاني في قلب طهران
وسط هذه الأجواء، كانت الاستخبارات البريطانية قد أرسلت إيان ماكريدي إلى سفارتها في طهران قبل ستة أشهر فقط من الانشقاق. ويصف ماكنتاير، في مقتطف من كتابه نشرته صحيفة «التايمز»، القرار بأنه خطوة جريئة لحكومة مارغريت تاتشر، خصوصاً بعدما أصبحت أجهزة الاستخبارات الأجنبية، والدبلوماسيون البريطانيون والأمريكيون تحديداً، موضع شك ومراقبة في إيران ما بعد الثورة.
وفي صباح الأول من أكتوبر/تشرين الأول 1981، خرج الرائد السوفياتي فلاديمير كوزيتشكين، البالغ 33 عاماً، من السفارة السوفياتية واتجه مباشرة إلى السفارة البريطانية، عارضاً الانشقاق والتعاون مع «MI6».
كان القرار محفوفاً بالمخاطر؛ إذ كان على ماكريدي أولاً التأكد من أن كوزيتشكين ليس طُعماً في عملية سوفياتية مضادة. وبعد اقتناعه، أخفاه تحت بطانية في المقعد الخلفي لسيارة «لاند روفر» ونقله إلى السفارة البريطانية.
الحمام الذي كشف مخطط موسكو
داخل حمام السفارة، اتخذ اللقاء طابعاً أشبه بمشهد سينمائي. خشية وجود أجهزة تنصت، فتح ماكريدي الصنبور وشغّل جهاز الراديو، قبل أن يبدأ الاستماع إلى المنشق السوفياتي.
وهناك قدم كوزيتشكين معلومات بالغة الحساسية عن نشاط «كي جي بي» في إيران، وسلم البريطانيين دليل هواتف السفارة السوفياتية، الذي احتوى على أسماء أكثر من مئة شخص من الجواسيس والدبلوماسيين.
لكن الأهم كان المعلومات المتعلقة بالمخطط السياسي والعسكري المدعوم من موسكو. فقد أصبح البريطانيون قادرين، بفضل ما قدمه «ريدوود»، على تكوين صورة أوضح عن شبكة العملاء السوفيات واتصالاتها وتحركات العناصر المرتبطة بالمؤامرة.
وهنا بدأ المخطط السوفياتي يفقد أهم عناصره: السرية والمفاجأة.
كيف فشل الانقلاب السوفياتي؟
لم يكن إفشال الخطة نتيجة مواجهة عسكرية مباشرة بين القوات السوفياتية وإيران، بل بدأ بانهيار الغطاء الاستخباراتي الذي كان يفترض أن يحمي التحرك. فالمعلومات التي نقلها كوزيتشكين منحت الاستخبارات البريطانية معرفة تفصيلية بشبكة «كي جي بي» في إيران، وهو ما مكّنها من تحذير الجانب الإيراني وتعطيل عناصر أساسية في المؤامرة قبل أن تتحول إلى انقلاب ناجح.
وبذلك، فقد المخطط القدرة على العمل من خلف الستار. فكلما انكشفت أسماء العملاء وشبكات الاتصال ومراكز النشاط، أصبح من الصعب على العناصر المدعومة من موسكو التحرك بصورة منسقة أو مفاجئة.
كما أن طبيعة إيران في تلك المرحلة جعلت تنفيذ انقلاب شيوعي أكثر تعقيداً؛ فالنظام الثوري الجديد، رغم صراعاته الداخلية، كان شديد العداء للشيوعيين ولأي محاولة سوفياتية للسيطرة على البلاد. وبالتالي، أدى كشف الشبكات المرتبطة بموسكو إلى تضييق المجال أمامها، بدلاً من فتح الطريق أمام تدخل سوفياتي ناجح.
حبوب غريبة في قلب الحرب الباردة
وسط هذه العملية الاستخباراتية الكبرى، ظهرت واحدة من أكثر تفاصيل القصة غرابة. فبعد أن وافق كوزيتشكين على التعاون، كشف لماكريدي عن مشكلة شخصية تؤرقه؛ «كان يعاني من الضعف الجنسي، ويخشى أن يؤدي ذلك إلى انهيار زواجه من غالينا.
طلب من البريطانيين مساعدته، معتقداً أن الطب الغربي ربما يمتلك علاجاً أفضل. واستجاب «MI6» للطلب، إذ استُشير كبير المسؤولين الطبيين في الجهاز، المارشال الجوي السير تشارلز سوتار، الذي اقترح أقراصاً حمراء تحتوي على الحديد والفيتامينات.
وُضعت الحبوب داخل قلم حبر جاف، وأُرسلت إليه في حقيبة دبلوماسية مع تعليمات طبية باللغة الروسية، فيما كان البريطانيون يأملون في أن يكون لها تأثير نفسي أو وهمي.
من «ريدوود» إلى الحدود التركية
في الأشهر التالية، حلل البريطانيون المعلومات التي قدمها كوزيتشكين، بما في ذلك صور لوثائق «كي جي بي» التقطها بكاميرا تجسس بريطانية. لكن حياة العميل المنشق ظلت محفوفة بالخطر، خصوصاً بعدما بدأت زوجته تكتشف بعض أنشطته.
وفي النهاية، طلب تفعيل خطة طوارئ لإخراجه من إيران. وفي أكتوبر/تشرين الأول 1982، حصل ماكريدي على ثلاثة أسابيع لتنفيذ العملية، ونجح في تهريب كوزيتشكين عبر الحدود التركية.
وهكذا، تحولت عملية انشقاق بدأت بدافع شخصي غريب إلى ضربة استخباراتية لموسكو. فالمعلومات التي حملها كوزيتشكين لم تكشف مجرد أسماء وعملاء، وإنما نزعت عن المخطط السوفياتي عنصر المفاجأة، وكشفت شبكاته داخل إيران، وساعدت في إحباط محاولة كان نجاحها سيمنح الكرملين نفوذاً استراتيجياً هائلاً في الخليج.

