لم تعد موسكو تكتفي باستخدام المسيّرات، بل طورت جيلاً جديداً من الأسلحة الجوية منخفضة التكلفة، يجمع بين السرعة والبساطة وكثافة الإنتاج.
وتبرز بين هذه المنظومات مسيّرات “غيران”، وصواريخ “بانديرول” الجوالة، التي تعكس قدرة روسيا على تعديل تصميماتها سريعاً وإنتاجها بكميات كبيرة، وفقا لصحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية.
- «غيران-5».. «كاميكازي» روسية تنطلق من الجو وتراوغ الدفاعات
وبدأت مسيّرات “غيران” كنسخ روسية معدلة من المسيّرة “شاهد”، التي أصبحت أوكرانيا أكثر قدرة على اعتراضها بعد استثمارات كبيرة في الدفاع الجوي. لكن المهندسين الروس أدخلوا تحسينات متتابعة على السرعة والملاحة والاتصالات والقدرة على مقاومة وسائل التشويش.
وتأتي “غيران-5” في مقدمة هذا التطور، إذ أصبحت أقرب في تصميمها إلى صاروخ كروز منه إلى مسيّرة تقليدية. ووصفها مايك مونيك، الرئيس التنفيذي لشركة “درون سيك”، بأنه “صاروخ كروز مخصص للفقراء”.

وفي الوقت الذي طورت فيه أوكرانيا إحدى أوائل المسيّرات النفاثة الفعالة، فإن محدودية الموارد والقدرة الصناعية تجعل استمرارها في سباق إنتاج طويل أمراً أكثر صعوبة.
أما روسيا فتمكنت من تطوير منظوماتها الجديدة ونشرها ميدانياً خلال نحو عامين، ثم الانتقال إلى الإنتاج الضخم.
المكونات الصينية تدعم الإنتاج
ويرى محللون، أن الوصول الروسي إلى مكونات صينية الصنع، ساعد موسكو على تسريع إنتاج هذه الأسلحة.
ويُعتقد أن جزءاً كبيراً من هذه المعدات متوافر تجارياً ويصنف ضمن مكونات الاستخدام المزدوج، التي يمكن توظيفها في تطبيقات مدنية أو عسكرية.
ولا يقتصر الابتكار الروسي على المعدات الجاهزة؛ إذ يعيد المهندسون توظيفها في تصميمات تتضمن هوائيات قادرة على مواجهة إجراءات الحرب الإلكترونية وشبكات اتصال أكثر مرونة.
وبمجرد استقرار التصميم، يصبح الانتقال إلى الإنتاج الكمي أسرع، وهو ما أثبتته الحرب كعنصر لا يقل أهمية عن التفوق التقني.
معادلة التكلفة ترهق الدفاعات
تكمن إحدى أبرز مزايا هذه الأسلحة في كلفتها المنخفضة. إذ تُقدر تكلفة “بانديرول” و”غيران-5″ بنحو 100 ألف دولار للوحدة، مقابل مليوني دولار لصاروخ “توماهوك” الأمريكي ونظائره الروسية المتطورة.
ويتيح هذا الفارق لموسكو إطلاق أعداد كبيرة من الأسلحة أحادية الاتجاه واستنزاف الدفاعات الجوية.
ولا تواجه أوكرانيا المسيّرات وحدها، بل صواريخ باليستية وقنابل انزلاقية تطلقها الطائرات الحربية، وهي تهديدات أكثر صعوبة.
وقال جاستن برونك من معهد الخدمات الملكية المتحدة، إن أكبر مشكلة تواجه أوكرانيا ليست المسيّرات، بل القنابل الانزلاقية.
في المقابل، تضطر الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى استخدام صواريخ “باتريوت” ومقاتلات باهظة الثمن في مواجهة أهداف رخيصة، ما يخلق فجوة اقتصادية يصعب تجاهلها.

ولم يعد الخطر محصوراً في أوكرانيا، إذ دخلت بعض المسيّرات والصواريخ الروسية المجال الجوي لدول في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، سواء عن طريق الخطأ أو في إطار اختبار دفاعاته.
ويدفع ذلك الحلفاء إلى البحث عن وسائل اعتراض أسرع وأقل تكلفة، بما في ذلك طائرات نفاثة بسيطة وأنظمة اعتراض منخفضة الكلفة.
وتكشف التجربة الروسية أن المنافسة لا تدور حول امتلاك التكنولوجيا الأكثر تقدماً فقط، بل حول القدرة على تحويل الفكرة إلى سلاح ثم إنتاجه بكميات كبيرة.
وقد استفادت موسكو من توجيه موارد الدولة والقطاع المصرفي نحو الدفاع، فيما أدى تبادل الخبرات بين روسيا وإيران وكوريا الشمالية إلى تسريع انتقال دروس الحرب إلى ساحات أخرى.
ويرى محللون أن مواجهة هذا التحدي تتطلب دفاعات أكثر تكاملاً، وقوات متخصصة في التصدي للمسيّرات، وتدريباً مستمراً على وسائل اعتراض منخفضة التكلفة، بينها المدافع المضادة للطائرات الموجهة بالرادار والطائرات النفاثة البسيطة.
وقالت كاترينا بوندار من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن إن الغرب يميل إلى التقليل من شأن روسيا، رغم قدرتها على الانتقال سريعاً من الفكرة والتجريب إلى الإنتاج.

