تقترب مصر من المحطة الأخيرة في برنامجها الحالي مع صندوق النقد الدولي، لكن الوصول إلى نحو 2.3 مليار دولار قبل إغلاق البرنامج لا يرتبط بموعد على التقويم فقط، إذ تضع المراجعة النهائية مجموعة من الملفات القديمة والجديدة تحت المجهر.
ويشمل ذلك 5 ملفات، تخارج الدولة من بعض الأنشطة الاقتصادية، وتسعير الوقود والدين وهيئة البترول ومرونة الجنيه.
وحدد صندوق النقد الدولي الربع الأخير من 2026 موعدًا للمراجعة الثامنة والأخيرة لبرنامج “تسهيل الصندوق الممدد” مع مصر، بالتزامن مع المراجعة الثالثة في إطار “تسهيل الصلابة والاستدامة”، بما قد يتيح للقاهرة تمويلًا بنحو 2.3 مليار دولار.
وقالت جولي كوزاك، مديرة إدارة الاتصالات بالصندوق، في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، إن البرنامج الحالي ينتهي في 15 ديسمبر/كانون الأول 2026، مؤكدة أن الموعد الدقيق لوصول البعثة لم يُعلن بعد.
وفي المقابل، قالت المديرة العامة للصندوق كريستالينا غيورغييفا إن منتصف ديسمبر/ كانون الأول هو الموعد المستهدف لإنهاء المراجعة الأخيرة.
والمسار يمر أولًا بمناقشات بعثة الصندوق مع السلطات المصرية، ثم التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء، قبل إحالة المراجعة إلى المجلس التنفيذي للصندوق للموافقة النهائية، وعندها تصبح الشريحة المرتبطة بالمراجعتين متاحة لمصر.

- أسعار الطماطم في مصر.. تحرك مفاجئ يخالف توقعات «أبوصدام»
التخارج.. الملف الذي لم يغلق بعد
يبقى تقليص بصمة الدولة في النشاط الاقتصادي واحدًا من أكثر الملفات حضورًا في تقارير صندوق النقد عن مصر.
وفي المراجعة السابعة، قال الصندوق بوضوح إن جهود تقليص دور الدولة وإتاحة مساحة أوسع للقطاع الخاص، بما يشمل برنامج التخارج من الأصول الحكومية، تحركت بمعدل أبطأ من المتوقع، وطالب بتسريع التنفيذ.
كانت المستهدفات الأصلية للبرنامج تفترض تحقيق حصيلة أكبر من التخارجات، لكن التنفيذ تأخر عن التصورات الأولى.
وبحسب تقرير الصندوق للمراجعة السابعة، بلغت حصيلة التخارج من الأصول المملوكة للدولة نحو 2.2 مليار دولار حتى نهاية العام المالي 2023/2024، قبل أن تدفع الحكومة بالبرنامج مجددًا خلال 2026.
وقبل إقرار المراجعة السابعة، استوفت مصر إجراءً مسبقًا بالحصول على أكثر من 500 مليون دولار من صفقات التخارج؛ إذ أفاد الصندوق بأن 526.3 مليون دولار وصلت إلى الموازنة حتى 26 يوليو/تموز، منها 420 مليون دولار من بيع محطة جبل الزيت لطاقة الرياح، لكن الصندوق يريد أكثر من حصيلة بيع أصول.
فالهدف بالنسبة للصندوق بحسب الخبير الاقتصادي ماهر جامع هو تغيير هيكل مشاركة الدولة في الاقتصاد وإفساح مساحة فعلية للاستثمار الخاص، مع إعطاء أولوية للاستثمار الأجنبي المباشر وعمليات بيع حصص مؤثرة، بدل الاعتماد على مبيعات الأراضي كحل تمويلي مؤقت.
وهذا يفسر لماذا قالت غيورغييفا في أحدث تصريحاتها إن القرارات المتعلقة بهيكل الاقتصاد تظل قرارًا سياديًا لمصر، بينما ما يدعمه الصندوق هو توسيع مساحة القطاع الخاص.
سياسة ملكية الدولة.. القاهرة أنجزت خطوة مهمة
أحد الاختبارات المحددة زمنيًا في وثيقة المراجعة السابعة كان حصول الحكومة، بحلول نهاية سبتمبر/أيلول، على موافقة مجلس الوزراء على خطة تنفيذية واضحة لوثيقة سياسة ملكية الدولة وتحركت القاهرة بالفعل قبل انتهاء الموعد في هذا الملف حيث وافق مجلس الوزراء على مقترح الخطة التنفيذية التفصيلية لوثيقة سياسة ملكية الدولة 2026-2030، مع إدخال ملاحظات الوزراء على نسختها النهائية في 16 سبتمبر/أيلول، وتضم الخطة 9 محاور و31 برنامجًا رئيسيًا ونحو 100 إجراء تنفيذي، مع تحديد الجهات المسؤولة والأطر الزمنية ومؤشرات قياس الأداء.
وهي خطوة ترتبط بصورة مباشرة بما طلبه صندوق النقد، الذي اشترط أن تحدد الخطة مواعيد للتخارج من القطاعات غير الاستراتيجية، وفرز الشركات التي ستحتفظ بها الدولة أو تعيد هيكلتها أو تتخارج منها، وتحسين حوكمة الشركات، وسياسة توزيع الأرباح، وإتاحة البيانات المالية المدققة للشركات الحكومية.
- نهاية «الأحد أونلاين».. مصر توقف العمل من المنازل بعد 6 أشهر
الدين.. المشكلة ليست حجمه فقط
أحد أكثر الملفات حساسية في المراجعة الأخيرة يتعلق باحتياجات الحكومة للتمويل، الصندوق لا ينظر فقط إلى إجمالي الدين، وإنما إلى حجم الأموال التي تحتاج الحكومة إلى إعادة اقتراضها بصورة مستمرة لتغطية الاستحقاقات، وهو ما يسمى “الاحتياجات التمويلية الإجمالية”.
وتقول أحدث وثائق الصندوق إن الحكومة نجحت في تنفيذ خطة لخفض هذه الاحتياجات بما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي 2025/2026، مع استهداف خفض تراكمي يبلغ 10% من الناتج بنهاية 2026/2027.
لكن المراجعة الأخيرة ستنظر بصورة أكبر إلى جودة هذا الخفض، فالصندوق يدعو القاهرة إلى تقليل الاعتماد على أدوات الدين قصيرة الأجل والتمويل غير القائم على آليات السوق، وإطالة متوسط آجال الدين وتوسيع قاعدة المستثمرين والاعتماد بصورة أكبر على التمويل الميسر.
ولهذا وضع البرنامج هدفًا بخفض رصيد بعض أذون وسندات وزارة المالية الموضوعة بشكل خاص إلى 375 مليار جنيه بنهاية سبتمبر/أيلول 2026، بعد أن أخفق أحد مؤشرات آجال الاستحقاق في تحقيق المستهدف لثلاثة أرباع متتالية وفق تقرير المراجعة السابعة.
ويقول الخبير الاقتصادي ناصر النجار لـ«العين الإخبارية» إن نجاح المراجعات لا ينبغي قياسه باستمرار وصول التمويل فقط، وإنما بقدرة الاقتصاد على خفض حاجته المتكررة إلى التمويل الخارجي، وتحسين إدارة الدين وزيادة قدرته على توليد النقد الأجنبي.
هيئة البترول.. ملف خلف أسعار البنزين
وراء نقاش أسعار الوقود يوجد ملف أكبر يتابعه صندوق النقد، هو المركز المالي للهيئة المصرية العامة للبترول “EGPC”، وتشير وثائق الصندوق إلى أن الهيئة ما زالت ذات مديونية مرتفعة، وأن تكلفة الفوائد تمثل ضغطًا على أدائها المالي، بما قد يخلق مخاطر على الموازنة من خلال الدعم أو الضمانات الحكومية أو الاحتياجات المستقبلية لإعادة الرسملة.
وتلتزم مصر بموجب خطة تحسين المركز المالي للهيئة بتحقيق فائض في التدفقات النقدية، وخفض الضمانات الحكومية المرتبطة بها بنسبة 25% بحلول العام المالي 2026/2027، وتسريع تحصيل مستحقاتها.
وطلب الصندوق تقريرًا تفصيليًا عن تقدم خطة الهيئة بنهاية سبتمبر، يشمل التدفقات النقدية والديون وتكلفة الاقتراض والضمانات والمتأخرات والمستحقات لشركات النفط الأجنبية.
الوقود.. آلية التسعير تعود إلى الاختبار
لا ينص برنامج الصندوق ببساطة على “رفع البنزين”، وإنما يعتمد معيارًا مرتبطًا بتطبيق آلية التسعير التلقائي للوقود، التي تربط الأسعار المحلية بتحركات النفط عالميًا وسعر الجنيه وتكاليف أخرى، مع حدود للتعديل.
وتقول وثيقة المراجعة السابعة إن الالتزام بآلية التسعير ربع السنوية عاد ضمن المعايير الهيكلية للبرنامج، بعد وصول عدد من المنتجات إلى مستويات استرداد التكلفة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية مضاعفة مع ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.
ووفق أحدث البيانات المنشورة على موقع وزارة البترول حتى بداية أكتوبر/ تشرين الأول، بلغ سعر خام برنت نحو 98.32 دولار للبرميل في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول، بينما استمرت أسعار الوقود المحلية المعلنة للتر عند 22.25 جنيه لبنزين 92، و20.75 جنيه لبنزين 80، و24 جنيهًا لبنزين 95، و20.5 جنيه للسولار.
لذلك سيكون التزام القاهرة بآلية التسعير، وكيفية توزيع أثر ارتفاع التكلفة بين الموازنة والمستهلكين، أحد الملفات التي يمكن أن تظهر بقوة خلال المراجعة.
- مصر ثالث أكبر مستورد لخردة المعادن الأوروبية.. قرار جديد أمام الصناعة
الجنيه.. المرونة تظل “خط الدفاع الأول”
أما الملف الذي ظل ثابتًا تقريبًا منذ إعادة هيكلة البرنامج، فهو سعر الصرف، في آخر اتفاق على مستوى الخبراء، وصف صندوق النقد مرونة سعر الصرف بأنها خط الدفاع الأول أمام الصدمات الخارجية.
والبرنامج لا يقيس المرونة بمجرد تحرك سعر الدولار صعودًا أو هبوطًا، وإنما يراقب عدة مؤشرات، من بينها وجود طلبات عملة أجنبية متراكمة لدى البنوك، والفارق بين السعر الرسمي والأسعار الدالة على السوق، وحجم التداول في سوق الإنتربنك.

وتأتي القاهرة إلى المراجعة الأخيرة في وضع خارجي أفضل من مراحل سابقة، بحسب الصندوق، مع تحسن الاحتياطيات وتحويلات المصريين والسياحة وعودة تدفقات استثمارات المحافظ بعد انحسار جانب من الضغوط الإقليمية.
لكن الخبير الاقتصادي هاني جنينة يرى أن التحدي التالي هو تحويل الاستقرار إلى تدفقات دولارية مستدامة ناتجة عن الاستثمار والإنتاج والتصدير، بدلًا من الاعتماد الكبير على الأموال الساخنة التي يمكن أن تغادر عند حدوث توترات خارجية.
وهي النقطة نفسها التي يثيرها الخبير المصرفي عز الدين حسانين إذ يرى أن التوقف الكامل عن الاعتماد على تمويلات الصندوق يظل صعبًا في الوقت الحالي ما لم يتحقق توازن أكثر استدامة بين موارد واستخدامات النقد الأجنبي، في ظل الفجوة التجارية وخدمة الدين واحتياجات استيراد الطاقة والسلع.
ماذا أنجزت مصر قبل المراجعة؟
الصندوق أشار في المراجعة السابعة إلى تحقيق مصر تقدمًا في عدد من المحاور، بينها تجاوز مستهدفات الفائض الأولي والإيرادات الضريبية حتى مارس/آذار، وتحقيق خفض في الاحتياجات التمويلية، والحفاظ على مرونة سعر الصرف، واستكمال صفقة جبل الزيت وخطوات أخرى في التخارج.
كما أظهر الاقتصاد قدرة أكبر على استيعاب الصدمة الإقليمية مقارنة بمراحل سابقة؛ ففي سبتمبر/أيلول قال أمين ماطي، رئيس بعثة الصندوق لمصر، ويفغينيا كورنيينكو الخبيرة بالصندوق، إن الإصلاحات ساعدت على دعم النمو وإعادة التضخم لمسار هبوطي وبناء الاحتياطيات وتحسين صافي الأصول الأجنبية للبنوك، لكنهما شددا في الوقت نفسه على أن خفض دور الدولة واحتياجات التمويل ما زال يحتاج تنفيذًا أكثر حسمًا.
هل تحصل مصر فعلًا على 2.3 مليار دولار في ديسمبر؟
أحدث إعلان رسمي للصندوق يقول إن استكمال المراجعة الثامنة لبرنامج التسهيل الممدد والمراجعة الثالثة لبرنامج الصلابة والاستدامة يمكن أن يتيح لمصر نحو 2.3 مليار دولار خلال الربع الأخير من 2026.
وتأتي هذه الأموال بعد حصول مصر في يوليو/تموز على نحو 1.5 مليار دولار ضمن التسهيل الممدد، إضافة إلى نحو 272 مليون دولار من تسهيل الصلابة والاستدامة عقب استكمال المراجعة السابعة والثانية للبرنامجين.
وبالتالي فإن منتصف ديسمبر/ كانون الأول يمثل موعدًا مستهدفًا لإنهاء المراجعة وليس شيكًا مضمون الصرف في يوم محدد فالقرار النهائي يظل مرتبطًا بنتيجة تقييم البعثة، واستكمال الإجراءات المتفق عليها، ثم موافقة المجلس التنفيذي.



