في أعماق البحار، بعيداً عن جبهات القتال التقليدية، تتزايد المخاوف الأوروبية من صراع يستهدف الكابلات وخطوط الأنابيب التي تحمل الاتصالات والطاقة بين الدول، وسط تحذيرات من هجمات متزامنة قد تربك الخدمات والاقتصادات وتختبر قدرة الحكومات على الاستجابة.
وبحسب صحيفة “ذا صن” البريطانية، تدفع حوادث تضرر البنية التحتية البحرية حلف شمال الأطلسي “الناتو” إلى تعزيز مراقبته، بالتزامن مع تنامي الاهتمام بالغواصات والمركبات المسيّرة القادرة على العمل في الأعماق.
- الكابلات البحرية.. المعركة العالمية الخفية في القرن الـ 21
وتقول خبيرة الأمن إليزابيث براو، مؤلفة كتاب “الحرب تحت سطح البحر”، إن الاقتصادات الحديثة تعتمد بصورة وثيقة على استمرار عمل الكابلات البحرية، التي تمر عبرها الاتصالات والمعاملات المالية، إلى جانب خطوط تنقل النفط والغاز وكابلات تربط شبكات الكهرباء.
وتحذر براو من أن استهداف هذه المنشآت عمداً قد يضع الحياة المعاصرة أمام أزمة خطيرة، بالنظر إلى دورها في تشغيل خدمات يومية، من المدفوعات المصرفية إلى مكالمات الفيديو.
ويتمثل السيناريو الأكثر إثارة للقلق في ضرب عدة كابلات بالتزامن، خصوصاً في بحر البلطيق وشمال الأطلسي؛ إذ قد يحد ذلك من قدرة المشغلين على تحويل حركة البيانات إلى مسارات بديلة، ويطيل أمد الاضطرابات.
حوادث تثير الشكوك
وخلال السنوات الأخيرة، شهد بحر البلطيق حوادث ألحقت أضراراً بكابلات وخطوط بحرية، وأثارت تساؤلات بشأن احتمال وقوع أعمال تخريب، دون أن تتوافر في كل حالة أدلة حاسمة على المسؤولية أو التعمد.
ومن بين الوقائع التي تناولتها الصحيفة، حادث السفينة “إيغل إس” في ديسمبر/كانون الأول 2024، إلى جانب التحقيقات المرتبطة بسفينة الشحن “يي بنغ 3″، بعد تضرر وصلات اتصالات في المنطقة.
وتندرج المخاوف الغربية ضمن ما يُعرف بهجمات “المنطقة الرمادية”، أي التحركات التي تبقى دون عتبة المواجهة العسكرية المباشرة، مع قدرتها على إرباك الدول واختبار استجابتها.

ومع ذلك، تظل التفرقة بين الأعطال العرضية والتخريب المتعمد تحدياً رئيسياً، خصوصاً عندما ترتبط الأضرار بمراسي سفن تجارية.
سباق في الأعماق
وفي مواجهة هذه المخاطر، يتجه الناتو إلى توسيع استخدام المركبات البحرية المسيّرة لمراقبة المنشآت الحيوية ورصد الأنشطة المشبوهة.
وتشير براو إلى أن الاهتمام بهذه التكنولوجيا يشمل روسيا والصين أيضاً، ما قد يضيف ساحة جديدة للتنافس العسكري، تتداخل فيها مهام الاستطلاع والحماية مع احتمالات التخريب.
كما تناولت الصحيفة تطوير بريطانيا مركبة تعمل تحت الماء للتعامل مع التهديدات التي تستهدف الكابلات وخطوط الأنابيب، ضمن جهود لتعزيز حماية قاع البحر.
معضلة الحماية والاستجابة
وترى براو أن تطوير الغواصات الروسية يزيد أهمية متابعة النشاط في الأعماق، حيث تمتد منشآت يصعب تأمينها بصورة مستمرة على طول مساراتها.

ولا يرتبط حجم الخطر بقدرة المهاجم على إتلاف كابل واحد فحسب، بل بعدد المواقع المستهدفة وتوقيت الهجوم وتوافر مسارات بديلة وسفن للإصلاح.
ونتيجة لذلك، تتجاوز الاستجابة المطلوبة نشر وسائل المراقبة إلى تعزيز التنسيق بين الحكومات والشركات، وتحسين القدرة على إصلاح الأعطال سريعاً، وضمان استمرار الخدمات إذا تعطلت بعض الوصلات.


