لم تعد البدلة الرسمية وربطة العنق الخيار المعتاد والوحيد للمرشحين الأمريكيين خلال الجولات الانتخابية،إذ شهدت حملات انتخابات 2026 تنوعا لافتا في الإطلالات، شمل قمصان الفلانيل وسترات العمل والجينز والأحذية العملية، وصولا إلى أحذية من طراز أحذية رعاة البقر.
ولم تعد الملابس مجرد تفصيل شكلي في ظهور السياسيين، بل تحولت إلى وسيلة لتقديم أنفسهم أمام الناخبين، والتعبير عن انتماءاتهم الاجتماعية والثقافية والجغرافية، فضلا عن توجيه رسائل انتخابية تتجاوز الكلمات والخطابات.
ورصدت تقارير إعلامية هذا التحول في سلوك السياسيين الذين يواجهون معادلة تجمع بين الظهور بمظهر الشخص المؤهل لتولي المنصب، وتقديم صورة تعكس قربهم من المواطنين الذين يسعون إلى تمثيلهم.
ملابس تشبه الناخبين
من بين النماذج التي تناولها التقرير، المرشحة الديمقراطية ماري غلوسينكامب بيريز، ممثلة ولاية واشنطن، التي تعتمد إطلالات عملية بعيدة عن المبالغة في الملابس الرسمية، مثل سترات العمل وقمصان الفلانيل والجينز والأحذية المريحة.
ويرتبط هذا الاختيار بخلفيتها الشخصية والمهنية؛ إذ سبق لها العمل في ورشة لإصلاح السيارات، كما تركز حملتها الانتخابية على مساندة المشروعات الصغيرة والعائلات العاملة.
ويرى مستشار السياسات العامة روبرت أوردواي أن أسلوب ملابسها يعبر عن طبيعة منطقة شمال غرب المحيط الهادئ، وما يرتبط بها من مساحات مفتوحة وغابات وأنشطة خارجية. من جانبها، تعتبر تاشيرا هيليارد، المتخصصة في السياسات العامة، أن هذه الإطلالات تدعم الرسالة التي تسعى المرشحة إلى تقديمها بشأن اهتمامها بالطبقة العاملة.
وفي ألاسكا، تتبنى الديمقراطية ماري بيلتولا نهجا قريبا، من خلال ارتداء ملابس تتناسب مع البيئة المحلية، بينها السترات المبطنة وقمصان الفلانيل، إلى جانب تفاصيل مستوحاة من ثقافات السكان الأصليين.
ويرتبط هذا التوجه أيضا بتجربتها الشخصية، فقد سبق لها العمل على متن قارب صيد في نهر كوسكوكويم، كما ارتدت أحذية تقليدية لشعب اليوبيك خلال مراسم أدائها اليمين عضوا في الكونغرس عام 2022.
وبذلك، تتجاوز ملابس بيلتولا الجانب الجمالي، لتستحضر ارتباطها بالمكان وتاريخها الشخصي وعلاقتها بالمجتمع الذي تسعى إلى تمثيله.

العلم الأمريكي يدخل خزانة المرشحين
على الجانب الجمهوري، تقدم المرشحة لمجلس الشيوخ عن ولاية أيوا، آشلي هينسون، نموذجا مختلفا لاستخدام الملابس في تشكيل الهوية السياسية.
فقد ظهرت بإطلالات متنوعة تجمع بين فساتين الجينز والقمصان الحمراء وأوشحة الرقبة، كما ارتدت خلال احتفال انتخابي في يونيو/ حزيران حذاء بكعب مزين بألوان العلم الأمريكي.
وتفسر تاشيرا هيليارد هذه الاختيارات باعتبارها تعبيرا مباشرا عن الوطنية الأمريكية، بينما ترى الصحفية والكاتبة المحافظة بوني كريستيان أنها تمنح المرشحة هوية بصرية يسهل تمييزها بسرعة، خصوصا عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث لا تتجاوز مدة مشاهدة المستخدم لصورة المرشح بضع لحظات أحيانا.
لكن اعتماد الملابس غير الرسمية لا يحمل بالضرورة الرسالة ذاتها لدى جميع السياسيين. ففي ولاية تكساس، ظهر الجمهوري كين باكستون والديمقراطي جيمس تالاريكو بإطلالات متقاربة تضمنت سترات خفيفة وقمصانا مفتوحة عند الياقة وبناطيل جينز وأحذية رعاة البقر.
وعلى الرغم من اختلاف انتمائهما الحزبي، استعان الاثنان برمز يرتبط بالهوية المحلية لولاية تكساس.
وتحمل أحذية رعاة البقر التي اختارها تالاريكو دلالات تتجاوز اتجاهات الموضة، بحسب الناقدة المتخصصة في الأزياء فريدمان، التي أوضحت أن أحذية «Lucchese» المصنوعة يدويا ترتبط بتاريخ الولاية، كما أن ارتداءها قد يستحضر صورا سياسية سابقة، من بينها ظهور الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش بأحذية من العلامة التجارية نفسها.
وفي المقابل، تعرض باكستون لانتقادات بسبب ارتدائه ساعة فاخرة وقميصا يحمل اسم سلسلة فنادق «Four Seasons»، في وقت كانت فيه تكاليف المعيشة المرتفعة حاضرة بقوة في النقاش الانتخابي.
ويقدم هذا النموذج مثالا على أن الملابس غير الرسمية لا تعني بالضرورة تقديم صورة تعكس القرب من تفاصيل الحياة اليومية؛ فالقطعة البسيطة ظاهريا قد تحمل إشارات إلى الرفاهية والامتياز الاجتماعي.

الزي المتكرر يتحول إلى علامة شخصية
لا يقتصر استخدام الملابس في الحملات الانتخابية على تغيير الإطلالة من مناسبة إلى أخرى، إذ يفضل بعض السياسيين الالتزام بنمط ثابت يصبح جزءا من صورتهم العامة وهويتهم البصرية.
وتقدم السيناتورة الجمهورية مارشا بلاكبيرن نموذجا لهذا التوجه، إذ تظهر كثيرا بملابس رسمية منظمة وسترات ذات قصات واضحة، مع اعتماد متكرر على اللؤلؤ والإكسسوارات الكلاسيكية.
وفي المقابل، اختار المرشح الديمقراطي عن ولاية ميشيغان عبدول السيد أسلوبا أكثر بساطة، يعتمد على قميص أسود برقبة على شكل حرف V وبنطال جينز أزرق.
ويصف السيد إطلالته بعبارة «مظهر بسيط، وسياسة قصوى»، في محاولة لتقديم صورة مغايرة للسياسي الذي تحيط به مظاهر البروتوكول والرسميات.
ويشير خبير الأزياء جو زي إلى أن اختيار القميص البسيط يظل قرارا محسوبا، حتى عندما يبدو عفويا؛ فالتخلي عن الملابس المصممة بعناية قد يتحول بدوره إلى وسيلة لصناعة هوية شخصية، وصرف انتباه الجمهور عن المظهر نحو الأفكار والتصريحات التي يقدمها المرشح.

من هيلاري كلينتون إلى دونالد ترامب
لم تبدأ العلاقة بين الموضة والسياسة الأمريكية مع انتخابات 2026، فقد تحولت خلال انتخابات عام 2016 بدلات هيلاري كلينتون ذات القصات الرسمية، وقبعات «لنجعل أمريكا عظيمة مجددا» المرتبطة بدونالد ترامب، إلى علامات بصرية يسهل التعرف عليها.
ولم يقتصر استخدام هذه الرموز على المرشحين، بل امتد إلى أنصارهم الذين عبروا عن توجهاتهم السياسية من خلال الملابس والإكسسوارات.
وتشير المؤرخة زارا أنيشانسلين، في مقال نشرته مطبعة جامعة ييل، إلى أن الموضة استخدمت للتعبير عن التوجهات السياسية والوطنية قبل العصر الحديث بوقت طويل، وأن الملابس ارتبطت تاريخيا بحركات المقاطعة والهوية والانتماء.
وشهدت انتخابات 2016 أيضا مشاركة مباشرة من مصممي الأزياء في النقاش السياسي، ومن بينهم المصممة صوفي ثيليت، التي أعلنت رفضها تصميم ملابس للسيدة الأمريكية الأولى ميلانيا ترامب.
ولا يزال دونالد ترامب يقدم نموذجا مختلفا عن الاتجاه المتزايد للتخلي عن ربطة العنق، إذ يعتمد بصورة متكررة على بدلة داكنة وقميص أبيض وربطة عنق حمراء، وهي تركيبة أصبحت مرتبطة بصورته السياسية والإعلامية.
وترى الناقدة فريدمان أن تكرار هذا الزي لدى بعض أعضاء إدارته ومؤيديه جعله علامة بصرية معروفة، بحيث لم تعد البدلة مجرد اختيار رسمي، بل أصبحت إشارة إلى الانتماء لدائرته السياسية.

دراسة تكشف تأثير ملابس المرشحين على الناخبين
تتجاوز أهمية الملابس في الحملات الانتخابية مسألة الذوق الشخصي، إذ تناولت دراسة أكاديمية نشرتها دورية «Journal of Elections, Public Opinion and Parties» في مارس/ آذار 2026 تأثير المظهر الرسمي للمرشحين على تقييم الناخبين.
واعتمدت الدراسة على تجربة شارك فيها 620 شخصا، وخلص الباحثان إلى أن درجة رسمية الملابس يمكن أن تؤثر في تصور الناخبين لمستوى رقي المرشح وكفاءته، مع وجود تأثير غير مباشر في احتمالات حصوله على دعمهم.
ومع ذلك، أشار الباحثان إلى أن التجربة اعتمدت على عينة إلكترونية، لا تمثل بالضرورة جميع الناخبين الأمريكيين.
ومع توسع الحملات الانتخابية عبر شاشات التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبحت الملابس جزءا أساسيا من الصورة التي تصل إلى الناخب قبل الاستماع إلى خطاب المرشح أو الاطلاع على برنامجه الانتخابي.
وبالتالي، فإن تراجع حضور ربطة العنق لا يعني اختفاء الملابس الرسمية من السياسة الأمريكية، بقدر ما يعكس تنوع الوسائل التي يستخدمها السياسيون لتقديم أنفسهم للجمهور، سواء من خلال البدلة التقليدية أو قميص العمل أو حذاء يحمل رمزا محليا أو وطنيا.


